الخميس، 11 أكتوبر، 2012

المعاملة التي لا تنتهي



يعاني المواطن العربي في بلاده من الروتين القاتل في الدوائر الحكومية ….ذلك الروتين المملل يسبب تأخر المعاملات …تأخر انجاز مايفترض انجازه في وقت قصير …لماذا ؟
لأن لارقيب على أداء الموظفين الذي عليهم مهمة انجاز معاملات الناس ….هذا الروتين هو احد مظاهر الفساد الاداري …ويبين كم أن المديرين لايهتمون بأداء أعمالهم كما ينبغي ….فهم يفهموا المسؤولية بشكل مغلوط…يهتمون بما توفره لهم الوظيفة من مزايا لكنهم يهملوا واجباتهم….

لي معاملة من سنوات ظلت تنتقل من موظف لموظف ….ولم أدري متى ستنتهي تلك المعاملة….لأنني اردتها أن تتم بشكل قانوني دون أن أدفع رشوة….
قد تكون حالتي صورة بسيطه لاتعبر عما يعانيه غيري لكنني سأسردها كمثال لمدى الاستهتار بحقوق الناس في دوائرنا الحكومية …

في عام 2005 أنهيت دراسة الماجستير وعدت لليمن لإنهاء الإجازة الدراسية بشكل رسمي والعودة للعمل ….وصلت المعاملة للمدير العام ….نظر بغضب للمعاملة ونظر إلي ىشزرا وقال أنني مخالفة للقانون ويجب احالتي للتحقيق!!!!!
طبعا النقاش معه لم يجدي لأنه يعتبر قراراته شيء مقدس ولايمكن التراجع عنها…


ذهبت للشؤون القانونية بثقة لأنني لم ارتكب خطأ وكلي ثقة بان هناك من سيفهم….مدير الإدارة القانونية كان أشد غباء من مديره …حاول طمأنتي قالا : لاتخافي ولا تقلقي سنخصم من راتبك مبلغ شهري حتى نستكمل خصم مااستلمتيه خلال سنوات الدراسه….
حاولت أن أفهم منه أي قانون الذي يستند له وبأي حق يستعيد مبلغ استلمته بشكل قانوني فعند الاجازة الرسمية يستلم الموظف 10% من الراتب وهذا ماحدث معي ….
فهمت أنهم غضبوا مني بشكل كبير لأنني أخذت اجازة دراسية بشكل رسمي وتم تعديل راتني قانونيا من وزارة المالية مما حرم اللصوص في الوزارة من استقطاع 90% من راتبي شهريا….لذا عقابا لي علي اعادة المبلغ لهم…
رفضت ذلك الاجراء وابلغت من يحقق معي بأني سأطلب نقلي لديوان الوزارة ….نظر إلي بتحدي وقال: حاولي …

بدأت اجراءات النقل في الوزارة من مكتب التربية في محافظة صنعاء إلى ديوان الوزارة ….لتتم اجراءات النقل لابد من توقيع المدير العام الذي رفض التوقيع …
تم نقلي إداريا وتأجل نقل الراتب …فظلت نفس الاسطوانة تتكرر بين الحين والآخر …ايقاف الراتب بحجة الانقطاع…مراسلات تتم بين الوزارة ومكتب التربية توضح أنني مستمرة في العمل والمطالبة بتسليمي راتبي …
لم أكن الحالة الوحيدة بل هناك عشرات من الحالات لذا تم وضع اسماء الجميع في كشوفات لتتم عملية نقل المرتبات إلى جهات العمل الفعلية بشكل كامل …الإجراءات كالعادة تأخذ أشهر …تغير محافظ المحافظة ….المحافظ الجديد نسف المعاملة تماما وتمسك بعودة كل الموظفين لمحافظته لأن لديه عجز كما قال….

وصل الأمر لمجلس النواب وتم استدعاء وزير التربية والمحافظ لمعرفة حقيقة الوضع….كان قرار مجلس النواب في صالح الموظفين والزم الوزير والمحافظ بتنفيذ عمليات النقل لأن الموظفين لهم سنوات يمارسون أعمالهم بموافقة الوزير في أماكن أخرى ….
المحافظ اتصل بوزير المالية وهدده بشكل صريح وأمره بعدم تنفيذ نقل المرتبات وابقاء الوضع كما هو عليه….
المحافظ اكبر من مجلس النواب والوزير فهو شيخ وهو قريب لرئيس الجمهورية ….نقابة المعلمين لم تستسلم ورفضت أوامر المحافظ …
وبقى الوضع كما هو عليه….
وصلت ثورة الربيع العربي لليمن وبدأ مسلسل فضح أعمال المتنفذين في اليمن…وقع المحافظ على قرار النقل خوفا من التصعيد ضده….وفي وقت لاحق اصيب بحروق شديدة في محاولة اغتيال الرئيس….فاستبشر الموظفون خيرا بأن العقبة امام انهاء معاملتهم تمت ازاحتها بعد سنوات من الدعاء على المحافظ من المتضررين من تعسفه وتعنته….
المعاملة مستمرة من 2005 حتى 2011 …تم التوقيع لكن بقت اجراءات ومعاملات وتوقيعات طويلة ولأن هناك حقوق تم حرماننا منها خلال تلك السنوات فهناك مطالبات بها….
وظلت المعاملة تنتقل من وزارة التربية إلى وزارة الخدمة المدنية إلى وزارة المالية ….
هناك من الموظفين من توفاه الله وعلى ورثته متابعة المشوار …
ترى متى ستنتهي هذه المهزلة….مهزلة الروتين الطويل والمعقد....مهزلة ضياع حقوق الناس ....مهزلة الفساد الإداري والمالي في كل مؤسسات الدولة؟؟؟؟

الخيال والإبداع

يملك الإنسان قدرات هائلة لا يمكن تخيل حدودها .. تلك الأعداد الهائلة من خلايا الدماغ، والوصلات العصبية لم تخلق عبثا... لم تخلق من أجل ...