الاثنين، 15 أكتوبر، 2012

تقديس الطغاة



ظاهرة غريبة تحيرني …
لماذا يقدس البعض منا الطغاة؟؟؟
لماذا نحب الطغاة؟؟؟؟
هناك مثل يمني يقول: الدم يحب خانقه…..( الدم في اللهجة الصنعانية هو القط)..فهل فعلا يقع المظلوم في حب الظالم ؟؟؟؟
هل هذا مظهر لمرض نفسي؟؟؟؟
هناك من يرفع صور صدام حسين ويصفه بالشهيد وكلمات كثيرة تجعلني أتعجب ….أي صدام يقصدون؟؟؟؟ هل نسوا ماسبب للشعب العراقي من مآسي ….فهو حكم العراق  بأسلوب وحشي فقتل وزج في السجون بعشرات الآلاف من المواطنين…. كما ضحى بأرواح وسلامة مئات الآلاف في حروب أهلية ودولية متتابعة لم تقدم للعراق شيء وكان يمكن تجنبها بقدر بسيط من المرونة والذكاء السياسي. ومجرد تصنيف ضحايا النظام الصدامي هي مهمة ترهق الروح والعقل معاً. فهناك من قتل أو عذب أوأصيب بسبب  الاختلاف السياسي والأيديولوجي بمن في ذلك بعض أساتذته وزملائه في "حزب البعث"…وهناك من وقع قتله في حروب أهلية ….وفي عمليات النقل السكاني والتطهير العرقي بالغة القسوة….فضلاً عن عمليات القصف بالغازات الكيماوية السامة وغيرها مما أزهق أرواح عشرات الألوف وأجبر ملايين على الهرب بحياتهم إلى مختلف المنافي.….لو نستعيد ماقام به صدام من فضائع فسنحتاج لوقت طويل لكن من نسي التاريخ فليبحث في الانترنت عن فظائع ذلك الطاغية …أن مجرد الأسف والحزن عليه يحمل معنى عدم الإكتراث بأرواح كل اولئك الضحايا… بغض النظر عن أسمائهم وانتماءاتهم العرقية أو المذهبية أو السياسية.
هناك من يرفع صور جمال عبد الناصر ويصفه بالزعيم الخالد…ويتحسر على أيامه ….فيأخذني العجب أيضا….فعبد الناصر لم ينتصر في حرب واحده فهو زعيم النكسات والهزائم …هو من أرعب المواطن المصري بدولته البوليسية التي نراها بوضوح في كتابات نجيب محفوظ وغيره …وهناك أفلام سينمائية مرعبة عن فترة حكم ذلك الطاغية الذي دمر الصناعة في مصر وأدخلها في دائرة الفقر والتخلف وكان مثلا سيئا لكل الحكام العرب الذي استنسخوا أسلوبه في الحكم …
والأمام الذي حكم اليمن لسنوات طويلة وعزل اليمن عن العالم عزلا تاما وظلم الشعب اليمني ظلما لامثيل له حيث عاش الناس في مستوى اجتماعي لايليق بالبشر في الوقت الذي تمتع الإمام بكل الأمتيازات مع اسرته وحاشيته فلهم فقط التعليم الذي حرم الشعب منه ولهم السفر خارج اليمن لكن لايحق لليمني السفر إلا فارا وهاربا ولم يسمح بدخول أي غريب لليمن ولم يزر اليمن إلا بعض المغامرين والذي كتبوا عن مآسي الشعب اليمني في ذلك العهد العجيب ونجد من يترحم عليه ويصفه بالعدل والانصاف ….
وطغاة أخرين هناك من يمجدهم ويقدسهم….ولوسألنا ماذا قدم هؤلاء لشعوبهم؟؟؟؟من منهم نقل بلده نقلة نوعية وانتشلها من دائرة التخلف وحولها لدولة صناعية تغزو منتجاتها العالم؟؟؟
من منهم رفع مستوى التعليم حتى أصبحت جامعات بلاده قبلة لكل من يريد التعليم الحقيقي والراقي ؟؟؟؟
من منهم جعل بلده بلدا يحترم الإنسان وكرامته …بلدا يجد المواطن البسيط فيها عملا يكفل له حياة كريمة وعمل يتناسب مع مواهبه وقدراته دون وساطات ولامحسوبيات؟؟؟؟
هؤلاء الطغاة لم يقدموا لبلدانهم سوى الدمار والخراب ….حولوا الجيوش من حماية البلاد وتحرير المقدسات وطرد المحتلين حولوه لإداة لإرعاب الناس وتخويفهم وقتلهم إذا لزم الأمر…
جعلوا المواطن العربي الذي يريد العيش بكرامة يترك وطنه مضطرا ويهاجر بحثا عن بلد يجد فيه فرصة للعيش ….كمموا الأفواة وأرعبوا كل من اراد الخير للبلاد ….قربوا الفاسدين واللصوص ونهبوا خيرات البلاد ….
ويظل السؤال : مااسباب تقديس هؤلاء بدلا من سبهم وفضح حقيقتهم؟؟؟

فتكون الإجابة أن العقلية الاجتماعية السياسية لدينا هي في حال تجاذب بين مفاهيم ثقافة القوة والسيطرة على الغير من جهة وثقافة الهزيمة والخضوع والإحباط  .. ولعلنا نعمد إلى تقديس الطغاة  من نابع تشبع ذاتي بثقافة القوة العريقة الضاربة في عمق التراث السياسي ولا تزال الأنظمة الاجتماعية والسياسية المعاصرة تمثلها وترعاها كامتداد لمبدأ المشيخة وأنظمة الحكم العشائرية والقبلية التي تلتف عادة حول رمز أو كيان رمزي مسيطر يتملك (سواء من واقع التقديس أو السيطرة) بالقوة سلطات وصلاحيات مطلقة للتحكم في الحياة العامة وتوجهات القطيع أو المجموعة البشرية التي يسيطر عليها .. مسالة منح الصلاحيات المطلقة للقائد نابعة بالضرورة من افتتان ثقافي عاطفي بالرمز القيادي إلى حد التقديس والفداء .. هذا الافتتان برمز السلطة والقوة يقابله احتقار مبطن للذات الخاضعة لسلطانه وجبروته كآلية معاقبة ذاتية للنفس على ضعفها وخضوعها واستسلامها لجبروت السلطة المطلقة بالمزيد من الخضوع والاستسلام والمبايعة والانقياد .. ويصبح تقديس الطغاة عند ذلك ترجمة واضحة لما تهرب النفس منه إليه إمعانا في سعيها المتخبط نحو تحقيق الأنا ..
وبالتالي يجوز القول بأن من يجد نفسه ويحقق ذاته في تقديس وتمجيد الطغاة والزبانية إنما يمارس ما يعرف بالسادية الماسوشية أو التلذذ بالألم تألما وإيلاما .. فهو لا يشعر بالثمن الفادح الذي يدفعه كفرد في مجتمعه جراء تقديس من لا قداسة له .. بينما تتجاوب ذاته لا إراديا مع تداعيات ثقافة القوة والسيطرة على الغير التي يمثلها الرمز المقدس بنحو يختلف عن الإعجاب بالممثلين والنجوم والشخصيات العامة مثلا .. حيث أن النجم أو الشخصية العامة لا تلمك بالضرورة سلطات مطلقة أو صلاحيات تتحكم في مجريات الحياة العامة بنحو مباشر ..المرتبة القدسية التي يصل إليها بعض الطغاة أحيانا مردها تقصير أو قصور المفاهيم الحياتية السائدة بمضامينها الاجتماعية والسياسية .. ولا يمكن نسبة هذا القصور إلا إلى آليات الإدراك المسيطرة على العقلية العامة والعوائق التي تحول دون تطورها وارتقائها نحو ممارسة أكثر صحة وفائدة ..
فهي حالة مرضية إذا لها أسبابها….خاصة وأن بلادنا العربية ظلت ترزح تحت سلطان أنظمة ديكتاتورية لفترة زمنية طويلة ….وكل طاغية يسخر كل شيء بما في ذلك الإعلام لتعميق تقديسه في وجدان المواطن ….لهذا نجد صور الطاغية في كل مكان حتى في كتب المدرسة ….وهناك من له تماثيل في الشوارع العامة….
لذا نحن بحاجة لغرس ثقافة جديدة ….ثقافة تنبذ ثقافة الاستبداد وتقديس الزعيم ….ونغرس ثقافة أن الحاكم يؤدي دور ….الحاكم يتحمل مسؤولية كبيرة لذا له امتيازات مقابل مايقدمه للوطن لكنه معرض للمساءلة والحساب إذا قصر أو خالف دستور البلاد ….هو شخص عادي نحترمه ولكن لانقدسه …نحترمه لأنه يحترم القانون ويعمل من أجل تقدم البلد ويستعين بالخبراء في ذلك ….هو إنسان شريف لايمد يده لسرقة ثروات البلاد كأنها ملك خاص له …وهناك قوانين ومؤسسات تمنعه من فعل ذلك ….

الخيال والإبداع

يملك الإنسان قدرات هائلة لا يمكن تخيل حدودها .. تلك الأعداد الهائلة من خلايا الدماغ، والوصلات العصبية لم تخلق عبثا... لم تخلق من أجل ...