الاثنين، 15 أكتوبر، 2012

الدين والسينما





ماهي المشكلة في عرض أعمال فنية تخدم الإسلام؟ ما الخطأ في تقديم أعمال فنية تعرض حياة أو جزء من حياة أحد الشخصيات الدينية وخاصة في عهد النبوة؟ 

يقول الكاتب محفوظ عبد الرحمن، مؤلف فيلم القادسية والذي تم منعه من قبل الأزهر : للأسف نحن نتراجع ثقافياً خاصة بشأن السماح لعرض وتقديم أفلام عن الاسلام والشخصيات الدينية. هذا المنع لا يفيد الاسلام ولا أعتقد أنه يحمي الدين كما يتصورون. ومسألة المنع هذه تعني انحسار هامش الحرية الفكرية التي أباحها الاسلام. وأنا أعتقد أن الاصرار على منع ظهور هذه الشخصيات يضر بالدعوة للاسلام في هذا الوقت الحرج الذي تواجهه الأمة الاسلامية. لأن السينما وسيلة هامة يمكن استغلالها للتعريف بالاسلام وحقيقته. 
ويضيف محفوظ عبد الرحمن: اذا كان هناك اعتراض على فيلم «القادسية» فلماذا يتم منع عرض فيلم مثل «الرسالة»، فأنا أتصور أن أي مسلم محب لدينه لا يمكنه منع هذا الفيلم. ان أوروبا وأميركا عندهم انفتاح شديد ونهم أكبر تجاه الاسلام سواء كان من منطلق الفضول أو الاعتراض. واذا لم نقدم نحن ذلك سيقدمونه هم برؤاهم الخاصة.  

ولنا أن نتساءل ماهي مبررات الأزهر لتحريم الأعمال الفنية في هذا المجال؟؟؟؟
  ففي عام 1925  أراد الفنان يوسف وهبي تمثيل فيلم بعنوان" محمد رسول الله" إلا أن قرار الأزهر في ذلك الوقت ألغى فكرة انتاج هذا الفيلم والذي كانت ستتولى انتاجه شركة ماركوس الألمانية من خلال مشاركة الحكومة التركية  في التمويل ولم يكتف الأزهر في ذلك الوقت برفض فكرة الفيلم فقط بل أصدر فتوى تنص على أن الدين يحرم تحريماً باتاً تصوير الرسل والأنبياء ورجال الصحابة .  

يقول الكاتب الكبير يسري الجندي:  أن ما يحدث الان هو نوع من المزايدة علي ميراث متخلف من الأساس… وهذا الميراث يحتاج إلي تجديد الفكر ولغة الخطاب الديني وإلي حركة تنوير جديدة مثل التي قادها الإمام محمد عبده والشيخ علي عبدالرازق وغيرهم من العلماء المستنيرين الذين كانوا حماة الوسطية والإستنارة التي هي جوهر الدين الإسلامي… وعلي مدي العقود الماضية هناك محاولات للمزايدة علي الأفكار المتطرفة من جانب الجهات الرسمية بما في ذلك الأزهر.
وأضاف الجندي: نحن في حاجة إلي تقديم أعمال دينية مهمة في الوقت الحاضر مثل مسلسل’ الحسن والحسين’ لتظهر عظمة الإسلام… فمن خلال هذه الرموز الدينية الكبيرة يمكن أن نرد بشكل عملي علي الهجمات الصهيونية الشرسة التي تدعي أن الإسلام دين إرهاب وعنف… أما قضية منع مسلسل’ الحسن والحسين’ فإنها تدل علي ردة المجتمع لأن كثير من الشخصيات الدينية المقدسة والمرفوضة حاليا تم تناولها مسرحيا في الثلاثينات والأربعينات….والآن وصل الرفض إلي أقصي مداه…. حيث أصبح كل من عاشوا في عصر الرسول الكريم ممنوعون….ولم يقتصر الأمرعلي العشرة المبشرين بالجنة….  

ومن الأعمال الَّتي قدِّمت ووافقت عليها المراجع الدِّينيَّة لالتزامها بشروطها نذكر فيلم "الرِّسالة" للمخرج السوري الراحل مصطفى العقَّاد…. الذي يعتبر من أكثر الأعمال شهرةً وإنتشارًا على المستوى العالمي…حيث يروي قصَّة الإسلام منذ مبعث الرَّسول إلى وفاته… أنتج في السَّبعينات بعد أخذ موافقة مرجعيَّاتٍ سنيَّةٍ… وموافقة المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى في لبنان  حيث وضعت عدَّة شروط على المخرج العقَّاد والتزم بها… إذ لم تظهر صورة النبي في كلِّ أحداث الفيلم على الرغم من دوره الرَّئيس… كما غابت شخصيَّات رئيسة في تاريخ الإسلام مثل الإمام علي بن أبي طالب الذي ظهر سيفه "ذو الفقار" فقط في مشهد النـزال قبل معركة بدر. 
وبالرغم من ذلك تم منع عرض فيلم الرسالة في دور السينما المصرية لكن لم يعترض الأزهر على عرضه على القنوات الفضائية!!!!
وعن فيلم «الرسالة» يقول المخرج مصطفى العقاد:" قد لا يعلم الكثيرون أنني أحمل معي موافقة لجنة الأزهر على سيناريو فيلم الرسالة. وأن العمل جيد وقد مكثت سنة كاملة قضيتها في فندق الهيلتون بالقاهرة في بداية السبعينات للاعداد لسيناريو الفيلم. مع كبار الكتاب  فأنا مسلم عربي لا أستطيع الاساءة للاسلام. ولهذا حرصت أن يخرج العمل في أفضل صورة ممكنة سواء من ناحية القصة والسيناريو…. و من ناحية التصوير وفريق الممثلين والاخراج…. هل يعلم المصرون على المنع انه بعد أحداث 11 سبتمبر تم بيع 100 ألف نسخة من فيلم «الرسالة» للقوات الأميركية وأجرت معهم احدى المجلات حواراً لمعرفة سبب ذلك فقالوا انهم أرادوا معرفة الاسلام فمنهم من اشترى كتب وآخرون اشتروا أفلاما. أنا أقول للذين يرون في منع ظهور تلك الشخصيات حماية لأصول الدين. ان الحياة تتغير وأساليب الدعوة في الماضي كانت مختلفة… والا فعلينا أن نمتنع عن استخدام أساليب التكنولوجيا الحديثة لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي".



وجدير بالذكر أن المخرج الراحل مصطفى العقاد نذر حياته من أجل الفن الهادف…ومن أجل طرح رؤية موضوعية عن الإسلام والعرب من خلال بصماته الاخراجية الواضحة في هوليود. ولم يكن "الناصر صلاح الدين" الحلم السينمائي الوحيد المؤجل بالنسبة للمخرج الراحل.. ففيلم عن السلطان العثماني محمد الفاتح… وآخر عن الأندلس… حضارتها… وما وصل إليه العرب هناك… كانا مشروعين يشغلان باله….



وفي شهر رمضان الماضي دار جدل حول مسلسل عمر والذي تم عرضه على شاشة الـ"MBC" …والمسلسليتناول تجسيد شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسيرته الذاتية وظهور ممثل لتجسيد شخصيته…. وإصدار الأزهر بيانًا يعلن فيه رفضه عرض العمل على الشَّاشة… وهذا يعيد إلى الذهن ما حصل في العام الماضي مع مسلسل "الحسن والحسين ومعاوية" ومحاولات منعه الَّتي لم تنجح. 
  يقول د محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الاسلامية " أن فلسفة الأزهر في منع ظهور الصحابة والأنبياء في الأعمال السينمائية ترجع الي أن تجسيد هذه الشخصيات يقلل من هيبتها ومقدارها لدي الناس …. كما أن الممثل الذي يجسد شخصية الصحابي لن يصل الي روح الشخصية مهما أتقنها … ومهما بذل من جهد لاتقانها ".
وأضاف د رأفت عثمان " كما أن الفنانين الذين سيقومون بتجسيد شخصية الصحابي قد يقوم البعض منهم في حياتهم العملية والطبيعية بأعمال تتنافي مع الاسلام … ومن هنا تأتي حرمة تجسيد الصحابة والأنبياء ".
وأكد الشيخ علي عبد الباقي أمين "  ان الإسلام لا يرفض الأعمال الفنية الجادة والهادفة… كما أنه يحترم كل الأنبياء والرسل لما لهم من قدسية خاصة… كما أن تجسيد الصحابة قد يثير جدلا حول هذه الشخصيات".

ولكن هناك من العلماء من يرد على هذا الكلام… فيلخص الشريف حاتم بن عارف العوني شروط إباحة تمثيل الصحابة رضي الله عنهم بالنقاط التالية:

 1.  إذا لم يكن العمل فيه كذب وتشويه لحقائق التاريخ الثابتة .
  فعندما خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا… وقال عن أحدها : هذا ابن آدم.. وقال عن الآخر : وهذا أجله … لم يكن هذا كذبا !
وكان يمكن أن يقول قائل بجهل وحمق : كيف يكون الخطُّ ابنَ آدم ؟! وكيف يكون الخط الآخر أجله ؟! وكيف يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الخطوط نحو تلك الإشارات ؟! وكيف يسميها بتلك الأسماء التي لا تمثل الحقيقة ؟  فإذا عرفنا أن الذي أخرج هذا المثَـل المضروب عن مسمى الكذب .. مع أنه تَضمّنَ إخبارًا بخلاف الواقع … هو عدم قصد المتكلم الإيهامَ بخلاف الواقع … وعلمه بعدم وقوع هذا التوهم عند العقلاء… علمنا لماذا كان التمثيل ليس كذبا .
2. إذا خلا من منكرات أخرى لا يسوغ الاختلاف بإباحتها ككشف للعورات أو كذب صريح … بخلاف كشف وجه المرأة والموسيقى اللذين فيهما خلاف معتبر … فلا يحق لمن يرى التحريم فيهما الإنكار على المبيح … ولا إلزامه باجتهاده … فضلا عن إلزامه بتقليده … كما هو الواقع اليومَ غالبا !
  3. إذا لم يؤد تمثيل أحدهم عند غالب الناس إلى الاستخفاف بما يستحقه الصحابي من مكانة.. ولا إلى غلو فيه … فيرفعه فوق منزلته .
وفي رأيه فإن مايلي لايعتبر من انتقاص الصحابة رضوان الله عنهم :
1- إظهار بعض أخطائهم … إذا أُحسن عرضها بما لا يؤدي إلى الحط منهم دون منزلتهم . فقد حكى الله تعالى علينا بعض أخطاء الأنبياء والصالحين .. فما حط ذلك من قدرهم . وما تمكنت العباراتُ من أدائه .. يمكن للمشاهد التمثيلية أداؤه أيضا !
2- أن يمثل أدوارهم من لا يقارب شأوهم في الدين والتقوى… بل ربما مثّـلها الفساق …..وكما لا ينقص القرآن أن يتلوه فاسق كما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم والقراءُ الصلحاء من بعده … بل ربما خشعت القلوب لحسن تلاوته .. وكان له أجر تلاوته إذا أخلص النية… فكذلك يكون حال تمثيله دور الصالحين … إذا أحسن أداءه وأخلص النية .
3-وأما شبهة انطباع تصور سيء عن الصحابي الذي يُمثل .. فيما لو شوهد يمثل في دور ماجن في فيلم آخر… فهي شبهة يردها الواقع . فما زال الممثلون يمثلون الأدوار المختلفة والكثيرة … ونجد الناس يتفاعلون مع كل دور منها بما يناسبه . فربما أحبوا الممثل في دور البطل … وكرهوه هو نفسه في دور المجرم … ولا كان لذلك الانطباع المتوهم أثر عليهم في تفاعلهم معه حسب دوره .
كما أن توهم انطباع التصور السيء عن الصحابي ما كان ينبغي أن يكون دليلا على التحريم … فالتحريم لا يكون بتوهمات من جنس هذا التوهم . لكن أن يكون هذا التوهمُ مجردَ نقطةٍ سلبية محتملة … وتحتاج مزيد دراسة وتثبت من وزنها … لتوزن ببقية النقاط السلبية والإيجابية للأفلام … فهذا هو مقتضى التورع في الفتوى … وواجبُ العلم الذي يُصحّحُ الاجتهادَ !
ولضمان التزام هذه الشروط ، ولكي يطمئن المنتجون لصوابية عملهم شرعا : لا يكفي أن يراجع العلماءُ ولجانُهم العلمية المعتبرة الحواراتِ والحوادثَ التاريخية .. بل لا بد من متابعة مشاهد المسلسل مشهدا مشهدا .. للتأكد من المخرَج النهائي  ومن تحقيقه للأهداف المنشودة… ومن التزامه بالشروط المذكورة .

  كما 
أكد عضو هيئة كبار العلماء في السعودية الدكتور قيس المبارك أنه يجوز تمثيل أدوار الصحابة بضوابط… ولم يجد غرابة في تحرج بعض العلماء من الفتوى بالإباحة… لا لحرمة التمثيل في ذاته… بل حماية لجناب الصحابة الكرام… وإلا فالذي يظهر أن الأصل في ذلك هو الإباحة… إذا مثل الحال تمثيلاً صحيحاً… فضلاً عن أن التحريم يحتاج إلى دليل… وليس في التحريم نص من حديث ولا أثر.

وشدد المبارك على أن للتمثيل أثراً كبيراً على النفس.. فهو يقوم بما لا تقوم به الكتابة ولا ما يقوم به الكلام.. مستدلاً بحديث البراء بن عازب في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربع… وكان البراء يشير بيده ويقول: ويدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة لأن التمثيل أوقع في النفس من الكلام المجرد… تذكيراً لها كي لا تنسى… قال الحافظ أبو الوليد الباجي: “وأشار بيده ليكون في ذلك تذكرة له ومنع من النسيان”.

 وأشار المبارك إلى حصول التشويه في غير الصحابة، كما هو في كثير من الأفلام التاريخية حيث مثلت بطريقة لا تعكس حقيقة التاريخ… لا في اللباس ولا في طريقة الحديث… ولا في كثير من التصرفات… ذاكراً أنها قد صورت واقع الناس قديماً بنقيض الحقيقة… وهذا في التاريخ لا ضرر فيه… أما في قدوتنا فالأمر يحتاج مزيداً من الحيطة والحذر

فهل نستطيع القول أن المشكلة تكمن في أن السينما عند المسلمين والإسلاميين من الأمور الثانوية في التوجيه والتثقيف …في حين أنها عند الغرب من الأمور الأساسية في ذلك… بل هي من أشد الوسائل تأثيراً في الناس . وقد قال الرئيس الأمريكي روزفلت وهو يفتتح هوليوود عند إنشائها: من هنا سنصنع عظمة أمريكا.  وبالفعل لعبت السينما الأمريكية دوراً كبيراً وخطيراً في بث عظمة أمريكا في نفوس الشعوب ، لا سيما الأجيال الشابة منهم .
 وقال الرئيس السوفييتي خرشوف قال: أنا أخشى من هوليوود أكثر مما أخشى الصواريخ الأمريكية العابرة للقارات. وقال المخرج العالمي الفرنسي مخاطباً شعبه الفرنسي: ألم أقل لكم منذ ثلاثين سنة أن أمريكا تغزونا بأفلامها ؟؟ .

ونحن لانستطيع أن ننكر تأثير قنوات الأفلام والمسلسلات الأمريكية وهي عديدة على المشاهد العربي وخاصة الأجيال الصغيرة ….
وفي المقابل خسرنا مخرج عملاق الذي كان له من الأهمية ( لو قُدم له الدعم المالي ) … وكان يمكن لأفلامه التي كانت في ذهنه أن يقدمها عن الإسلام أن تكون عملاً مضاداً قوياً لما يقوم به اللوبي الصهيوني في أمريكا وفي أوروبا من تشويه لتعاليم الإسلام ، وخصوصاً بعد الحادي عشر من أيلول سبتمبر. لأن السينما في الغرب هي أفضل الوسائل للوصول إلى قلوب وعقول الغربيين … لما تحتويه السينما من متعة وتشويق . أما الوسائل الإعلامية الأخرى فهي أقل تأثيراً حتى ولو كانت هذه الوسيلة هي القنوات الفضائية … لأن القناة الفضائية التابعة للمسلمين لن يشاهدها الجمهور الأوروبي والأمريكي حتى وإن وُجهت وخُصصت لخطابهم . أما الأفلام فلها تأثير كبير في الغرب .
وقد كان العقاد رحمه الله يجهّز نفسه لإخراج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي ، وذلك ليبيّن للعالم عظمة تعاليم الإسلام التي تجسدت في أخلاق صلاح الدين الأيوبي وهو يجابه الصليبيين… وكان يقول بخصوص هذا الفيلم : إن هذا الفيلم هو أفضل رسالة للغرب عما يحدث في فلسطين الآن .
وقد طرح رحمه الله فكرة إنشاء هوليوود إسلامية في الشرق الأوسط ، ولكن حين يطبق الجهل على العقول والقلوب فلن يلقي المسلمون أهمية إلى قيمة هوليوود إسلامية ..
ولكن ماهو راي المشاهد العربي ؟؟؟ هل لديه ميل لمتابعة مثل هذه الأعمال ويؤيِّد عرضها أم يقف في صفِّ المرجعيَّات الدِّينيَّة الَّتي تندد بها… قامت صحيفة "إيلاف" باستفتاء  قرّاءها حول الموضوع وأتت النتيجة بتأييد 63% من مجموع المصوِّتين الذي بلغ عددهم الإجمالي 6860 مشاركًا فكرة العرض مقابل رفض 37% لها….ونتيجة الاستفتاء تبين رغبة الناس في متابعة أعمال فنية تظهر حياة الشخصيات الدينية ….

الخيال والإبداع

يملك الإنسان قدرات هائلة لا يمكن تخيل حدودها .. تلك الأعداد الهائلة من خلايا الدماغ، والوصلات العصبية لم تخلق عبثا... لم تخلق من أجل ...