قراءة الأستاذ: الغربي عمران لكتاب على طريق الغيوم:

 


"شكرا
أستاذة جحاف.
من أهدتني كتاب "على طريق الغيوم" شكرا فها هو رفيقي في ترحالي بين صنعاء والقرية وعبور ذمار، أكملت فصل "المانيا".
لم أتوقع ذلك الثراء المعرفي، لقد قدمت المانيا بشكل مثير من خلال مجتمعات ريفها، ومدنها فرانكفورت وبرلين، رأينا هن بعيونك وأحسسنا بإحساسك وأنت تصفين مجتمع ذلك البلد الأخضر، بداية من زيارتك الأولى لبرلين الشرقية، ثم إقامتكم في مدينة صغيرة:
"عدت بذاكرتي إلى التسعينات، حيث بدأت حكايتي مع العيش في المانيا ببلدة إيشبورن تحديدا، والتي عشت بها أربع سنوات مع زوجي واطفالي الثلاثة عندما انتدب زوجي للعمل في المانيا..."
تصفين حياة بلدة خارج فرانكفورت، كما تصفين فرانكفورت وصفا دقيقا لغاباتها، وأنهرها، متاحفها وحدائقها، مسارحها وأسواقها، ميادينها وأشهر معالمها، وصف نابض بتفاصيل دقيقة وشفيفة، كما تصفين مذاقات أطعمتها وأشربتها، حتى أننا جربنا إعداد صلصة المانية وصفتها أنت على صفحة 27 من الكتاب، جربنها وكانت الذ ما يكون، ولذلك نعد أنفسنا لأن تكون أحد أطباق يوم يانفس ما تشتهي، شكرا على ذلك العطاء المعرفي المتدفق. الذي ينم عن ثقافة موسوعية، وكذلك قدرتك على البحث والتقصي حتى قدمت تلك الأماكن وذلك المجتمع بتلك التفاصيل التاريخية والجمالية والرائعة.
فالتاريخ حاضر في "على طريق الغيوم"، من خال الأثار المدمرة للحرب العالمية الأولى والثانية، وأثر ذلك على تقسيم المانيا إلى شرقية وغربية، وكذلك تشطير برلين، وانعكاس اختلاف التوجاهات الإيدلوجية بين شطري البلد، تفاصل دقيقة لتلك الاختلافات، ثم عودة الألمان في دولة اتحادية ديمقراطية، وتطور ذلك الوطن الذي تحكمه القوانين لتحوله إلى واحة من الأمن والتطور المتسارع لشعب يطمح لأن يكون في مصاف أرقى المجتمعات الإنسانية.
سافرنا وعايشنا مجتمعات عدة، لكن قارئ "على طريق الغيوم" يدرك أن ليس كل من سافر يمتلك ذلك الإحساس بما حوله، وكذلك القدرة على تسجيل كلما يعايش ذهنيا وتدوينه كما دونته أستاذة جحاف وكأننا حين نقرأ المانيا نرى ما تصفينه بعيونك ونشعر بإيقاع ما تعيشه. إذ تستهلين معظم فقرات الكتاب بـ:
"من الأمكنة التي أستمتعنا بزيارتها في برلين الشرقية، برج برلين أو برج التلفزيون الذي يقع في ميدان الكسندر بلتز..."
وهكذا يستمر وصفك ذاكرة تاريخ بنائه وما يحيط به من معالم وكذلك أطواله الخ أو تستهلين فقرتك بـ:
"ولفتت انتباهي لوحة مهيبة بالأعلى، بها اقتباس من الأنشودة الأولى بملحمة هوميروس الشهيرة، الأوديسه، باللغة اليونانية، في منتصف الجسر للملك الأسطوري أوليسيس الذي قاد معركة طروادة الشهيرة..."
أو تبدائين بـ:
"تخيل أن تشرب القهوة وتستمتع بأكل قطعة من (الكيزة كوخان) وأنت محاط بمعروضات واحد من أهم متاحف النحت الدولية.... وفي كل مرة طابور طويل، ورغم ذلك لا نسمع صوتا ولا محادثات ولا ضحكات عالية، ولا وجود لمحاولات تخطي الطابور..."
إن كتابك هذا يعيد ترتيب وعي القارئ، فما تصفينه لمجتمع منظم ومتطور، لا يخص جنس دون غيره، بل أن أي مجتمع إذا أراد نخبه تطوير مجتمعاتهم، بعد تخلصهم من الذاتية والأنانية وحب التسلط والإستحواذ، أن يؤسسوا لحياة ديمقراطية تحميها القوانين وتكفل لكل فرد حقوقه دون إفساد لحياة كريمة قوامها الواجبات والحقوق.
"تقوم المانيا على أساس مبدأ الدولة الاجتماعية التي ترى في ضمان معيشة جميع أبنائها أولوية مطلقة، فهنا لا ترى مشرداً في الشوارع، كما قد يصادفك في بلدان أخرى، ولا ترى متسولا واحدا..."
الحديث عن مجتمع المدينة وهو ما ينطبق على مجتمعات الريف الألماني "المانيا بلد يتمتع غالبية الناس فيه برؤية عالمية، ومستوى عال من المعيشة، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة، من خلال توفر الخدمات في كل مكان، سواء في المدينة أو الريف، لا مكان يتعرض لإهمال الحكومة، وانعدام الخدمات كما يتمتع الغالبية هنا بفضاء واسع من الحرية والتفرد في اختيار وتصميم شكل حياتهم"
وتستكملي:
"عندما غادرنا المانيا لم أحمل لها سوى ذكرى جميلة لبلد يتميز بالتنوع الثقافي والعرقي والديني، بلد مدهش، بلد غوته، وباخ، وفاغنر، وبيتهوفن، وبرامز، وآينشتاين، ورنتغن، وبلاك، وبنز، وأوتوا، وشتيفان..." الخ تلك الأسماء العظيمة.
شكرا أستاذة أحلام شكرا لحسك الأدبي، وهمك الإنساني، ولذائقتك الإبداعية وثقافتك الشمولية، ولما تبذلينه من جهد بحثي تجلى من خلال التفاصيل التاريخية الدقيقة حول تماثيل الساحات ومحطات السكك الحديدة وتلك المعالم بل وما يعيشه ذلك المجتمع... الخ التفاصيل الثرية
هناك الكثير والكثير من الحديث حول جزء المانيا من هذا الكتاب المكون من عشرة أجزاء، في 300 صفحة، صادر عن دائرة الثقافة بالشارقة. غير أنها تحية لأديبة نتمنى لها المزيد والمزيد من الإبداع.
..............
حين قرأت
المانيا وجدت أن جحاف أفسحت لها فصل من عشرة فصول، ضمن كتابها "على طريق الغيوم" والذي شغل ما يقارب ثلث صفحات الكتاب، واحتلت بقية الفصول التسعة الثلثين:
إيطاليا، جيبوتي، القاهرة، أذربيجان، رواندا، إسبانيا، كينيا، اليونان، سويسرا. متوزعة: خمسة دول أوروبية، وأربع إفريقية، ودولة واحد من آسيا.
وأميركا لا شيء.
ليتضح أن الكاتبة أعجبت بما عاشته في جرمانيا خلال سنوات إقامتها هناك، مقربة القارئ أكثر من تاريخ هذه الدولة ومجتمعها وما يعيشه اليوم من تطلعات عظيمة.
كنت قد أعرت الكتاب لصديق وحين أعاده سألته، فأجاب بأنه كتاب شيق وفيه الكثير من المعارف، غير أنه تمنى لو أن الكاتبة زادت من ذكر معايشتها لتلك المجتمعات، كما تمنى لو أن زيارتها لبعض البلدان امتدت لسنوات بدل من أيام قليلة.
الكتاب بعد أن قرأه الصديق في طريقه إلى أصدقاء آخرين، بدوري أنا في شوق لمعرفة أراءهم حوله.
أكملت قراءة بقية الفصول واكتب إعجابي بما احتواه.
إيطاليا:
تقول جحاف "جاءت الفرصة للمرة الثانية، للعيش بمدينة أوروبية لأربع سنوات أيضاً"
فتحدثنا عن مدينة روما القائمة على سبعة تلال، يتخللها نهر "التيبر”، وعن تاريخها تأسيسها 753 ق. م وكعاصمة للإمبراطورية الرومانية... التي أصبحت جمهورية في 509 ق. م وبعدها بسطت سلطاتها على دول البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق... بل وعلى العالم من المحيط إلى الخليج "وتقع بداخلها دولة الفاتيكان التي تعد أصغر دولة في العالم" وكذلك جمهورية "سان مارينوا" داخل إيطاليا، وهي أقدم جمهورية في العالم إذ تأسست عام 301م، ولها أقدم دستور ساري المفعول منذ عام 1600م.
جحاف تصطحب قارئها في جولاتها إلى أهم معالم المدينة: نافورة تريفي الباروكية، وتمثال أوقيانوس، إلى مجمع الكولوسيوم "أشهر المعالم الأثرية بروما... ويقع وسط روما، أنشيء عام 80م ، وهو عبارة، عن مدرج روماني عملاق، بيضاوي الشكل، يعد العمل الأكبر الذي شيدته الإمبراطورية الرومانية ، تتراوح سعته الاستيعابية 50000 إلى 80000شخص..." ومبنى البانثيون، شوارعها مثل شارع فيا ديل كورسو وسط البلد وساحاتها مثل ساحة بربريني وساحة فينيسيا وتنزهاتها، مقاهيها ومطاعمها الراقية، إذ تتميز الأطباق الإيطاليا عالميا، كما هي عاصمة للموضة والسينما العالمية، وتعكس لنا إيقاع الحياة فيها، وتبين اختلاف الحياة عن فرانكفورت، من زحام وظواهر سلبية لا توجد في المانيا، وتعكس لنا نبض المجتمع ومعايشتها كوافدة إليه، وتلك الفروق في التعامل.
رأينا هذه المدينة العريقة من خلال وصفها الدقيق لمكوناتها وتلك المعلومات التاريخية للفن وللمخترعات، ولتاريخ معالم المدينة، وكذلك اختلاف هذه المدينة عن بقية مدن أوربا. شكرا جحاف على ذلك الحس والبحث التاريخي الدقيق لمكونات روما وما جاور تلك المدينة الحلم.
جيبوتي:
كنت أظن أن وضع هذا البلد أفضل، لصلاتها بفرنسا، ورغم مجاورتها اليمن إلا أننا نجهل الكثير عنها، وما قدمته جحاف لحياة مجتمع هذا البلد كان دقيق، حيث تحدد موقع جيبوتي
"تقع على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، ويفصلها عن اليمن حوالي 30 كيلو متر... تحيط بها إريتريا من الشمال وأثيوبيا من الغرب والصومال من الجنوب..."
وتضيف في صفحة أخرى
"تأسست جيبوتي عام 1977 بعد استقلال المنطقة من فرنسا... عاصمة جيبوتي من أهم الموانئ في إفريقيا وخليج عدن" وتضيف "يعيش حوالي خمس السكان تحت خط الفقر، ويتفاقم الفقر نتيجة تزايد أعداد اللاجئين..." من دول الجوار... وما يضحك القارئ ما ذكرته عن أحد سلاطين جزيرة "موشا" -عربي- الجيبوتية الذي تنازل وسلم سلطنته للاستعمار البريطاني مقابل عشرة أكيس رز! وهي جزيرة ضمن جزر وسواحل وأراضي ضمتها بريطانيا إلى مستعمراتها حول العالم.
زيارة جحاف إلى جيبوتي لم تتجاوز الأيام القليلة ومع ذلك لم تستقر، إذ استغلت كل ساعة من وجودها رغم مخاطر وباء كورونا المنتشر أنذاك لتقدم لقرائها ذلك المجتمع الذي يتكون من عدة أعراق "استقر بعض التجار الوافدين من حضرموت وعدن وصنعاء في الجزء الشمالي من مدينة جيبوتي المعروفة محليا باسم جيبوتي فوق، إلا أن غالبية صغار التجار كانوا من تعز والتربة استقروا في الجزء الشمالي من المدينة، وعرفوا باسم عرب جيبوتي، وباستقرارهم فقد الكثيرون صلاتهم بعادات وثقافة بلدانهم بحلول عام 1927 شكل المنحدرون من أصول يمنية 45% ... وبعد الاستقلال أصبحت جيبوتي مركزا للمهاجرين من الصومال وأثيوبيا وإريتريا العفر" وتذكر أن جيبوتي متعددة الثقافات حيث ظهر ذلك في موسيقاهم وفنونهم المزيج من العربية والأفريقية.
يتعاطى أفراد الشعب الجيبوتي القات المجبول من دول الجوار.
قدمت جحاف تضاريس هذا البلد الواقع بين الجبل والبحر بسواحله الرملية البيضاء، مبرزة موقع جيبوتي الهام كمينا من مهم بين مواني شرق أفريقيا، كما قربت لقارئها حياة مجتمع بتكوينه وعاداته، وكذلك العديد من مظاهر حياتية.
القاهرة:
الفصل الرابع والذي أحتل خمسة عشر صفحة لزيارة ضمن زيارات جحاف العابرة، حيث ذكرت أن أول زيارة لها كانت في طفولتها، حينها أذهلها المصعد الذي لم تعرف ما يكون، حتى كانت وأسرتها في موسكوا لتعرف هناك ماهو المصعد وما وظيفته.
قد يدهشوا من زاروا القاهرة مما كتبته عنها، فهي لم تكتفي بوصف ما يراه الجائل في هذه المدينة العملاقة، بل قدمت ما وراء تلك المعالم وما يخصها من معلومات بادئة من مقولة "اللي يشرب من نيلها، يعود لها...." لتعود إلى زمن الخديوي إسماعيل حفيد محمد علي باشا الذي كان مغرم بهندسة بناء المدن الأوربية وأراد أن تكون القاهرة بنفس المستوى، فعمل على استقدام المهندسين من باريس لتخطيط وبناء ما يعرف اليوم بالقاهرة الخديوية، أو ما يطلق عليه بوسط البلد، بعد أن كانت تلك المساحات الواسعة سبخات ومستنقعات تتكاثر فيها القوارض والحشرات الضارة. سردت جحاف بأسلوب جميل ذلك التحول الذي طرأ على القاهرة التي تحولت في عصر الخديوي إسماعيل إلى أجمل المدن في شرقنا العربي، وهو الشغوف بالجمال والفن الأوربي، وتسرد الكثير مما يجهله معظم من زاروا هذه المدينة المتعددة الأوجه. ولم تكتفي الكاتبة بتقديم روح المدينة الخديوية، بل ذهبت لتقدم العديد من المعالم المهمة مثل حديقة الحيوانات بالجيزة، إلى حديقة الأورمان، وجامعة القاهرة، وأول كوبري على مجرى النيل، كوبري قصر النيل، وأول دار كتب، وأول مرصد، وأول دار أوبرا في الشرق، وتذكر لنا ما لا نعرف عن فندق ماريوت منذ بداية تأسيسه كقصر يستقبل فيه الخديوي إسماعيل ضيوف افتتاحه لقناة السويس عام 1869 وفي حقيقة الأمر أن الخديوي أراد استقبال الإمبراطورة "أوجيني "زوجة الإمبراطور نابليون الثالث ملك فرنسا، التي كان يعشقها الخديوي إسماعيل، والمدعوة إلى حفل افتتاح قناة السويس ضمن من دعاهم من ملوك أوربا.
من أجمل ما رصدته جحاف زيارتها للقرية الفرعونية التي تجسد حياة المجتمع الفرعوني على ضفاف النيل، وقد وصفت أجزائها وصفا دقيقا، من عاملين فيها على النسج والزراعة والصيد، إلى حدائقها ونباتاتها الفريدة لتقدم ما يجهله الزائر في القاهرة، أو مخفي بأسلوب جميل ومشوق.
إيقاع زيارتها وما عاشته مع موظف الجوازات في مجمع التحرير، تعامل موظفي الفندق، احتكاكها بالمجتمع، راصدة لذلك الروتين الممل في دوائر الدولة، وصعودها إلى أعلى برج الجزيرة واصفة تلك المشاهد الأفقية للقاهرة، ومنمنمة أخرى من الحكايات التي عاشتها لتقدم لنا القاهرة بعيون فاحصة، وبتجارب مغايرة.
أذربيجان:
الدولة الأسيوية الوحيدة التي شملها هذا الكتاب "جمهورية أذربيجان تقع في منطقة جنوب القوقاز... يحدها بحر قزوين من الشرق، وأرمينيا وتركيا وإيران من الجنوب، أستقلت عن جمهورية القوقاز الاتحادية الديمقراطية عام 1918وأصبحت أول دولة ديمقراطية علمانية ذات أغلبية مسلمة، لم يمر وقت حتى دمجت بالقوة ضمن الإتحاد السوفيتي ... واستقلت منه في عا1990"
تذكر جحاف أن مدينة "باكو" العاصمة هي أكبر مدن أذربيجان، وبها مركز حيدر علييف الثقافي الشهير بتصميمه الفريد، الذي صممته المهندسة "زها حديد" ويضم معرض التراث والحرف التقليدية، بل هو مركز لتاريخ أذربيجان. ثم تصف لنا المدينة القديمة بأسواقها الشرقية وما يعرض في متاجرها من سجاد ومنسوجات ومشغولات أصلية، لتطوف أزقة أحيائها العتيقة، إلى قصر "الشيرفانشاه" وما يحيط المدينة من أسوار وأبراج تاريخية، ومنها برج العذراء الذي تتعدد حكايات سبب تسميته، وساحات وحدائق المدينة المتنوعة، إلى ما تشتهرت به أذربيجان من "حمامات النفط" وحمامات المياه الكبريتية، والذي يقع خارج المدينة. وتختتم جحاف بذكر الموسيقار أو المنشد الشهير سامي يوسف "أشهر أذري عرفناه، المنشد والملحن والمنتج الموسيقي ومؤلف الأغاني، الذي يعزف على البيانو والكمان والتار والعود والطبلة وهو مسلم بريطاني من أصل أذري... انتشرت أغانيه في البلدان العربية والإسلامية وصفته "ذا تايم" بأنه أكبر نجم روك إسلامي...."
رواندا:
ذلك البلد الذي عرفه العالم من خلال أخبار المجازر المروعة بين قبيلتي "الهوتو" و "التوتسي" في عام 1994 وقد ذكرت جحاف ضمن ما ذكرته "خلال تلك الحرب أغتصب ربع مليون امرأة" و "في مايو من عام 2021 اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لاحد النصب التذكارية للإبادة الجماعية بدور بلاده في مقتل 800 الف..."
ووصفت جحاف خلال زيارتها لنصب أقيم لشهداء المجازر
"هذا المتحف الذي زرته، هو أحد النصب لجرائم الإبادة الجماعية التي حدثت برواندا، ولا يزال هناك ثلاثة نصب أخرى، الأول كنيسة "نيماتا" حيث قتل 50 الف شخص لجأوا إلى الكنيسة، التي تحولت إلى نصب تذكري، بمثل كنائس أخرى قتل فيها ضحايا آخرون. والثاني نصب تل "مورامبي" حيث دعت السلطات المحلية والقوات المسلحة الرواندية السابقة، التوتسي في ابريل 1994 الى التجمع في معهد تقني قيد الإنشاء بحجة ضمان أمنهم، وقامت بذبحهم، ونصب آخر في موقع بيسيسرو الذي يحيي ذكرى المقاومة التي قادها التوتسي ضد مرتكبي الإبادة فتعرضوا بدورهم لمجزرة."
مجتمع رواندا اليوم يحرز قفزات تنموية لافتة "كانت في رواندا عام 1994 جامعة واحدة وأصبحت اليوم بها 27 مؤسسة تعليمية عليا في العاصمة كيغالي والمدن الأخرى" ما قدمته جحاف يثير الرعب والخوف، حول بشاعة ما يرتكبه هذا الكائن الغامض الإنسان، في كل وقت وكل مكان، ولأبسط الأعذار.
جحاف زارت أكثر من نصب في عدة مواقع لضحايا تلك المجازر، واصفة ما تراه مقرونا بمعلومات دقيقة عما حدث، وخلفيات ذلك وملابسات ما دار، وتواطئ دول أوربية كبلجيكا وفرنسا، وصمت المجتمع الإنساني، بما فيه الأمم المتحدة. مذكرة ما يدور اليوم في السودان وسوريا وليبيا واليمن وصمت المجتمع الأممي المتكرر.
إسبانيا:
دوما ما تحضر الأندلس عند ذكر إسبانيا أمام القارئ العربي، والجميع على يقين أن دخول العرب جزيرة إيبيرية نوع من أنواع الفتوحات، بينما نصف من دخل أجزاء من الوطن العربي بالاحتلال!
جحاف قدمت لنا مدريد العاصمة "رابع أكبر مدن الإتحاد الأوربي" وتذكر تاريخ تأسيسها بعام 852م "حين بُني قصر صغير يسمى بالإسبانية الكازار من قبل المسلمين لأحد أمراء قرطبة، في المكان الذي يقع القصر الملكي الحالي، بالقرب من نهر "مانثاناريس" والذي سماه المسلمون مجريط أي مصدر المياه أو النبع..." ثم تجول بقارئها في أهم معالم المدينة من قصور وكنائس التي منها كاتدرائية "المودينا" وشوارع وساحات منها ساحة الشمس وساحة "ارموري" والشارع العظيم، واصفة تلك المعالم بدقة متناهية، مضيفة شيء من تاريخها العريق ، لنرى ما تصفه في لوحات وصفية زاهية، وكذلك نرى بعيونها حركة الناس في الأسواق والمقاهي والساحات، ونشاركها تلك البهجة في مدن عريقة ومجتمعات حياة ونشطة.
كينيا:
البلد الإفريقي المدهش بمحمياته الطبيعية الشاسعة وبقرب حدوده من أعلى قمة إفريقية جبل "كليمنغارو" الذي يقع قرب الحدود مع تنزانيا، الجبل قرب خط الاستواء ومع ذلك تكلله الثلوج لارتفاعه "أعجبتني إطلالة المطعم على الحديقة الوطنية" تصف أحلام أن كل ما حولها في الفندق بديكور إفريقي مدهش "نيروبي عاصمة كينيا وأكبر مدنها وجاءت من لغة قبائل الماساي من كلمة "إنكارا نيروبي" وتعني مكان الماء البارد. تأسست عام 1899بلدة صغيرة ومحطة على خط سكة الحديد..."
وقد استقلت عام 1963 عن الاستعمار البريطاني تقول جحاف
"أن في كينيا 42 قبيلة ولكل قبيلة لغتها وثقافتها وتُعرف بأرضها الخصبة وأنها من بين اربع دول في العالم الأكثر إنتاجا للشاي والبن.
وتحدثنا عن تنوع أطباقها، خاصة لحوم التماسيح والنعام والجمال، غير أن وصفها لرحلتها إلى محمية "ماسي مارا" الوطنية التي تعد المحمية الطبيعية الأكبر في العالم كان الأكثر غرابة حيث تصف تلك المساحات اللا متناهية من الحياة البرية، التي يمكن للزوار رؤية الحيوانات من على حوض سيارة مكشوفة تجوب بهم فيافي واسعة، قطعان حمار الوحش وأبقار برية وغزلان بأعداد كبيرة وفروس النهر وتماسيح وأفيال وحيوان النو الذي يجمع بين رأس وقرني ثور ووجه البقرة وذيل وشعر الحصان. وكذلك النعام والجواميس والضباع والزراف..."
وكانت المفاجأة عندما توقفت السيارة بجوار أسد ينام بالقرب من ثلاث لبؤات وشبلين... شعرت بالخوف فالمفروض أن يهاجمنا ملك الغابة لكنه في الواقع وعلى الطبيعة يستمتع بنوم عميق ولا يهتم لوجودنا.
ماذا لو فكر في الهجوم علينا؟ لكن السائق يؤكد أن الأسود لا تهاجم البشر، وأحاول إقناع نفسي بذلك" تقديم الكثير والكثير مما رصدته عيون جحاف وعايشته في كينية من عادات وتقاليد وأنماط حياة حتى اختتمت بزيارتها للنصب التذكاري "لثلاثة أشخاص أفارقة: حمال وعسكري وحامل أسلحة يحمل النصب إسم"أسكار التذكاري"... وكلمة أسكاري أعسكري تشير للجنود الأفارقة الذين جُهزوا للحروب بشكل سيء ومن أعتمدت عليهم بريطانية لتوفير غطاء أرضي ودعم لتجنيب أفرادها الموت..."
ثم تذكر أن الوطنيين أزالوا تمثال الملكة فيكتوريا في العام 2015 بعد أن ظل لأكثر من قرن، وتستغرب من تحطيم وإزالة تلك النصب التي تمثل تاريخ حصل، وبإزالتها لا يمكن تغيير ما حدث.
اليونان:
الفصل ما قبل الأخير، يومين كانت زيارة جحاف زارت ملا يزوره غيرها في أسابيع، "هي المرة الأولى التي أزور فيها مدينة يونانية، ويأخذني الخيال إلى الحضارة اليونانية القديمة وكأني في رحلة عبر الزمن لأقابل شخصياتها الشهيرة والأسطورية من فلاسفة ومفكرين الذي قدموا للعالم أساسيات العلوم والطب والهندسة والأدب والفلسفة...
ممتع أن تزور مكانا قرأت تاريخه وتشعر بأرواح من عاشوا فيه وقرأت عنهم تحيط بك من كل اتجاه، ها أنا في أثينا عاصمة اليونان وأكبر مدنها...".
متعة التعبير عن مشاعرها لوجودها في بلد الحضارة الإنسانية، لكني كنت أسأل نفسي وأنا أقرأ هل تكفي يومين من الزيارة لتقدم لنا جحاف اليونان ومجتمع اليونان، لتجيب أسطر ثلاثين صفحة بداية من وصف لأثينا ومينائها الذي يطل على بحر إيجة، ذاكرة نبذة من جغرافيتها وما يحيطها ثم جذور تسميتها "أثينا آلهة الحكمة والحرب راعية الفنون والمعرفة والحرف والعلوم" لنعرف أن أثينا موغلة في القدم فقد كانت مدينة مهمة خلال العصر الذهبي لليونان بين 500 و300 قبل الميلاد وما فلاسفتها سقراط وأفلاطون وأرسطو وكذلك اسخيليوس وسوفكليس ويوريبيديس خير شاهد على مكانتها. المدينة التي تصنف بأول مدينة ديمقراطية في التاريخ البشري، فهي مدينة الآلهة الذين عاشوا على جبل أوليمبوس أشهر جبل في العالم ضم: ربات الفصول، وزيوس، وهيرا، وأبلو، وبوسايدون إله البحر، وإله النبيذ ديونيسوس، وديمتير، ارتميس، هيبي، آرس، هرموس، أثينا، أفروديت، هيستيا... اليونان بلاد الأساطير والبحر وأشجار الزيتون.
تتسائل الكاتبة "ما الذي يمكن رؤيته وزيارته خلال يومين في مكان يزدحم بالأساطير" لكنها وصفت لنا الكثير من الحياة هناك من خلال تجوالها وتنقلها بين معبد بوسايدون اله البحر والعواصف والزلازل والخيول و ميناء بيرايوس التي ذكرت في رواية زوربا، ووصفت جحاف في زيارتها لأكروبوليس اشهر مواقع الأثار اليونانية ثم أكبر المعابد البارثينوس،
لتتساءل "ماذا حل بمدينة كهذه مدينة هي مسقط رأس الديمقراطية، الفلسفة، الأدب، الفن، والعديد من الفنون. لم لا تقود العالم المعاصر"
لتنهي تجوالها بساحة موناستيراكي ثم تغادر وفي قلبها أمل بزيارات أخرى.
سويسرا:
خاتمة فصول الكتاب تبدأها جحاف
"أنا الآن في بلد الشوكولاتة، بلد الساعات والجواهر الثمينة وأجراس البقر وأيضا النافورة الشهيرة"
ثم تحدد موقع المدينة التي تزورها
"جنيف تقع في الجزء الغربي من سويسرا، على الجانب الغربي من بحيرة جنيف عند منبع نهر "الرون" وهي المدينة الأكبر في سويسرا، تحيطها جبال الألب وجبال يورا" ثم تصف لقارئها فندق نزلت فيه، متحدثة عن أشهر غرفة 122 سكنها مؤلف مغامرات "تان تان" وكلبه "ميلو" الكاتب البلجيكي "جورج ريمي" واحتفاء الفندق الدائم بتلك الشخصية من خلال المجسمات والملصقات المنتشرة في صالات وردهات الفندق. وتصف لقارئها ما يميز هذا الفندق خاصة تلك الساعة العملاقة التي بطول 30 متر، وقد عُلقت بين الطابق التاسع والأرضي.
وصف جميل لما تعيشه جحاف وقد وفر الفندق لنزلائه بطاقات لاستخدام المواصلات العامة، بحيث يجول النزلاء بتلك البطاقة المجانية. لتبدأ جحاف تصف لنا ما زارته: محطة كورنافين، كنيسة نوتردام، شارع ديمون بلان، تماثيل على الطريق ودوارتها إلى بحيرة جنيف ونافورتها العملاقة، وبجعاتها البكماء.. ثم منارة الشاطئ، ومرصد جنيف الفلكي ومعرضة بمناسبة مرور 250 سنة على تأسيسه، مستعرضة ما قرأته بداخل متحف المرصد من لوحات وملصقات، لتقف محتارة أمام سؤال "هل نحن وحدنا في الكون" ثم تشرح لنا بعد خروجها خط سيرها "عبرنا جسر مون بلان بموازاة جزيرة روسو، وهي جزيرة وحديقة في وسط نهر الرون، وبها تمثال المواطن السويسري الشهير والفيلسوف والكاتب جان جاك روسو صاحب العقد الاجتماعي" وتستمر تصف لنا ما تراه في شارع ليه بكيس الذي يضم منازل للدعارة المقننة، والمقاهي والمطاعم والمتاجر المحيط.
من المعلومات التي أوردتها حول سكان جنيف الذي تصل نسبة عدد المهاجرين إلى سكانها السويسريين 50% إلا قليلا "سويسرا ليست عضوة في الإتحاد الأوربي، بلد متعددة اللغات: الفرنسية الألمانية، الإيطالية الرومانشية القديمة، مدينة جنيف هي عاصمة كانتون جنيف الناطق بالفرنسية تقريبا هي محاطة بالكامل بفرنسا..."
وتضيف بأن سويسرا دولة ديمقراطية فيدرالية ولها دستور تأسس عام 1848ويحكمها مجلس الحكم الفيدرالي المنتخب.
ثم ترد لقارئها معلومة مهمة حول تأسيس المذهب البروتستانتي في سويسرة الذي أعتبر أكثر انفتاحاً من الكاثوليكي، على يد جان كالفن1536م.
لتعود إلى وصف تاريخ صناعة الشكولاتة الفاخرة وأنواعها، وكذلك الساعات الفاخرة وبدايتها، ثم أقلام مونت بلاك الفاخرة، كل ذلك وغيرها من الماركات الشهيرة لها حكايا البدايات المدهشة، ثم الحديث حول الحسابات السرية التي اشتهرت بسريتها بنوك سويسرا، والحديث يطول حول مواضيع أخرى أوردتها جحاف فيما تتميز به هذا البلد الصغير والعريق والمتطور.
لكن أجمل ما يكون أن تصف ما تشاهده وتعيشه في صور أو مشاهد سردية نرى ما تراه وكأن القارئ أحد زوار تلك المعالم الجميلة.
وقبل النهاية تحكي عن دور جنيف باستضافة المؤتمرات الدولية منها المؤتمر العالمي لنزع السلاح عام 1932، وتأسيس الصليب الأحمر الدولي عام 1864 كمنظمة أممية ومقره جنيف ومؤتمرات نسوية عالمية لتتحول جنيف إلى عاصمة أخلاقية لترميم جرح العالم. كما تحتضن مقرات أكثر من منظمة إنسانية.
تختتم جحاف أيامها الأربعة بوداع قدمتها لقرائها في صور رائعة، لتصف لنا استعدادهم للمغادرة بحزم الحقائب والخروج من الفندق باتجاه المطار، تصف ما التقطت عينيها أثناء عبورهم في شوارع مرتبة ومشجرة تحيطهم المباني الباسقة، تودعها وهي تشعر بالحنين فالأيام كانت قليلة، لكنها تعد نفسها بزيارة أخرى.
من الصعب نقل ما احتواه هذا الكتاب المختلف، والذي صاغته بأسلوب مشوق، ولغة باذخة تصل بعض مقاطعها إلى أن توصف بالشاعرية، حيث ظلت تنتقل وبخفة بين وصف ما تشاهده، وتعيشه وسط تلك المجتمعات، وبين تطعيم ذلك بمعلومات دقيقة تاريخية وتكوينية، ذلك النسيج الذي أمتاز به هذا الكتاب يعطي القارئ جرعة معرفية عالية، ومتعة التفاصيل لوصف مكونات تلك المدن والبلدان وما تعيشه مجتمعاتها.
فشكرا للأستاذة أحلام جحاف، على هذا الشغف، وهذه الجرعات المعرفية التي تنم عن كائن ذا ثقافة موسوعية وبحثية دقيقة، وقدرة على الوصف والصياغة الجميلة.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق