كتاب: بنات سبأ - رحلة في جنوب الجزيرة العربية لهاري سانت جون فيلبي

 

وثق الكاتب رحلته التي انطلقت من وسط الجزيرة العربية متجها جنوبا ...
الرحلة شملت نجران والربع الخالي وشبوه وصولا إلى حضرموت ...
فهي رحلة تمت في عام 1936 انطلقت من الرياض إلى بحر العرب عبر عسير ونجران...
في هذه الرحلة رسم الخرائط واهتم بالتضاريس لكل منطقة ....
صفحات من الوصف الدقيق لمكونات المكان وحالة الطقس ودرجة الحرارة ونوع البشر الذي يصادفهم ...
 
وكذلك رصد للعادات والتقاليد وملابس الناس وطبيعة حياتهم وما يستخدمون من أدوات...
واهتمام كبير بأسماء الأشجار والنباتات والطيور والحيوانات ...
واهتمام كبير بمكان تواجد الآثار التاريخية من حيث وصفها ورسم ما جاء عليها من كتابات ورسومات....
وأخذ معه عينات من الحيوانات والطيور وقد اصطحب معه مختص في عمليات التحنيط...
حصل أيضا على شاهد قبر تاريخي وهو الآن معروض بأحد المتاحف كما ذكر في الكتاب ...
أكد أنه أول أوروبي تطأ قدمه تلك الأماكن ووجه بعض النقد لمن سبقوه ولم يحققوا ما حققه...يتحدث اللغة العربية ويمارس الشعائر الإسلامية وكان هذا جواز مرور سهل مهمته...
استلهم فيلبي اسم الكتاب من الإرث التاريخي لمملكة سبأ...بحسب رأيه أن القبائل والمجتمعات التي التقاها في تلك المناطق هي الوريث الشرعي أو "بنات" تلك الحضارة القديمة العريقة....
 
فسبأ ليست مجرد أسطورة قديمة... 
لأن جذورها حية ولا تزال ممتدة في دماء القبائل التي تسكن تلك المنطقة....
 
اقتباس من الكتاب:
وفي أحد البساتين المنخفضة يوجد الضريح الواضح بجلاء ، ذو القبة البيضاء، وهو لأحد الأولياء المحليين، عبد القادر الجيلاني البغدادي.
ويبدو أن أحدا لا يعرف كيف جاء هذا الولي المشهور إلى هنا.
ولكن هاهو هنا، وقبره يحظى بالتبجيل والاحترام من السكان المحليين، ويقام له احتفال سنوي ، اعتقد في شهر ربيع الأول ، وهو عيد النيروز القديم بعد أن تم تحريكه من مكانه بالتقويم القمري للإسلام.
 
"وكانت الهضبة التالية وعرة وصخرية وتنتشر فيها بقدر معقول أشجار قصيرة توقفت عن النمو، وذات جذوع سميكة، وهي على وجه التحديد أشجار البشام أو البلسم، والتي أهملها جيل قد نسي تجارة التوابل القديمة في وطنه"
"
 

 
 

 

أدب الرحلات... حين يصبح مرآة للوطن قراءة في كتاب (على طريق الغيوم) لـ "أحلام جحاف"

 

أدب الرحلات... حين يصبح مرآة للوطن قراءة في كتاب (على طريق الغيوم) لـ "أحلام  جحاف" - نجيب التركي
​"من الجميل أن تحتوي أي مكتبة كتاباً واحداً على الأقل في أدب الرحلات"
​بهذه العبارة أستهل الحديث عمّا بين يدي.
​لم يكن وصول هذا الكتاب إليّ صدفةً عابرة، ولا حظاً طارئاً، ولا حتى رسالةً وصلتني على سبيل الخطأ؛ كان قدراً ساقه الله إليّ، رغم أن الكتاب في الأصل لم يكن لي.
​في إحدى أمسيات نادي القصة (إل مقه) التقيتُ بالعزيزة "أحلام جحاف". كنتُ أعرفها وجهاً واسماً، ولم أستطع في اللحظة الأولى أن أجزم بأنها هي ذاتها؛ حضوراً حيّاً لا مجرد صورة في الذاكرة. تداخلت الظنون، وتزاحمت الأسئلة. سلّمتني أحلام أربعة كتب من "على طريق الغيوم" اثنان منها موقعان بأسماء أصحابها، واثنان يخصّان النادي.
​تركتُ الكتب حيث ينبغي، إلى أن شعرتُ وكأن أحدها يناديني، متوسلاً ألا أتركه مقلوباً على ظهره، خشية أن تنحني فقراته. استجبتُ لندائه؛ لم أكتفِ بتعديل وضعه، بل احتضنته وبدأت قراءته في اللحظة ذاتها.
 
​ولأن موعد نومي عند الحادية عشرة مساءً، آثرتُ أن أنزوي بعيداً عن أعين زوجتي وأطفالي. وحين هممتُ بالخروج، سألتني أم العيال:
​إلى أين؟
​اشتقتُ لأمي.
​نهلتُ من الكتاب نحو خمسين صفحة، وتوقفت عند الصفحة التاسعة والأربعين، واضعاً الفاصلة برفق، كأنني أهيئه ليستأنف من حيث تنفس آخر مرة. تركتُه في غرفة والدتي، وعند الفجر عدتُ إليه، حملته معي إلى العمل، متحججاً بأن لديّ ما ينبغي إنجازه قبل أن تشرق الشمس. كذبتي لم تعش طويلاً؛ فقد استيقظتُ وأنا أتمتم: "ليتني ألمانياً... وليتنا نحذو حذوها، ونسير على نهجها في مختلف مناحي الحياة؛ إلا النازية"
شعرتُ بسبّابة تنغز كتفي، وصوت يقول:
​أمس كنت عند أمك، أو كنت مع أحلام؟
​اكتفيتُ بابتسامة كانت أبلغ من الجواب. واتفقنا لاحقاً أن يكون الكتاب دورها بعد أن أنتهي منه؛ فقد جرت عادتنا ألا يسبق أحدنا الآخر إلى كتاب.
 
​منذ الصفحات الأولى، تذكرتُ "جورجي زيدان"، لكن أحلام أخذتني إلى ما هو أبعد من ذلك. بروحٍ يمنيةٍ محلّقة، تواقة لكل جميل، اقتربت من تفاصيل الحياة كما ينبغي أن تكون: التزام، انضباط، نظافة، واحترام للإنسان. في الجزء الخاص بألمانيا، شعرتُ أنني هناك، وإن كان ذلك في الخيال. ومع كل صفحة، كانت الأسئلة تتقافز في رأسي:
​لماذا ما زلنا على ما نحن عليه منذ قرون؟
​لماذا ننتقل من حربٍ إلى أخرى، كأننا سيّاح لا يستقرّون؟
​متى يكون لنا وطنٌ مستقر، ودولةٌ نحترمها وتحترمنا؟
​متى نتعلّم التعايش مع الآخر، ونقبل الاختلاف؟
​ومتى نملك إرادةً حقيقيةً لنكفّ عن التدخل في شؤون بعضنا البعض؟
 
​قادتني القراءة إلى البحث عن أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل، ومقارنتها بما نعيشه ونمارسه، بل وبما نعجز عن صناعته رغم قدرتنا. من بين ما شدّني، بحثتُ عن سيارة Trabant، لأجد نفسي بعد انتهاء الفيديو أنتقل إلى أخرى تُدعى Yugo.
​متعة الاكتشاف لا تهدأ؛ تقودك من تفصيلة صغيرة إلى عوالم أوسع، وتفتح أمامك أبواباً من الحنين والتأمل. فالنوستالجيا ليست بعيدة، بل أقرب مما نظن. هذا الكتاب لا يكتفي بأن يروي رحلة، يدعوك لأن تعيش حياتك بخفّة، دون أن تنتقص من الآخرين، وأن تتعلّم كيف تستثمر كل لحظة تمرّ بك. وهكذا وجدتني أقرأ وأنا أتمايل طرباً، أرقص بين الصفحات، وأتناول قطع البيتي فور، وألتقط ما تبقّى من الفستق واللوز في وعاء جعالة العيد، كأنني أحتفل بالحياة على طريقتي الخاصة.
 
رحلتي مع ألمانيا بتنهيدةٍ طويلة، كأنني أودّع مكاناً عشته ولم أزره. بعدها، سلّمتني أحلام تأشيرة العبور إلى إيطاليا، وكأنها تأكدت أنني استوفيت متعة الدهشة. وكيف لا، وألمانيا التي قدّمتها كانت لوحةً زاخرةً بتنوّعها؛ بلد غوته، باخ، بيتهوفن... والقائمة تطول. غير أن كل اسمٍ كنتُ أمرّ عليه، كان يوقظ في داخلي وخزةً خفية؛ ألماً على بلدي، وعلى قاماته التي لا يُشار إليها بالبنان، ولا تُنصفها الأقلام، إلّا نادرًا.
​في الجزء الخاص بإيطاليا، بدأ الصلف يطلّ برأسه في ملامح صاحبة البيت وردود الشرطي. كان فصلاً مربكاً منذ بدايته، كأنه قطع إيقاع الرحلة فجأةً، وحدّ من ذلك الأكسجين الذي ملأ صدري في الجزء السابق.
 
​ثم تنقّلت الرحلة: جيبوتي، كأنها نسخة يمنية مصغّرة في ملامح الجوع والفقر والمرض والبطالة؛ فالقاهرة، قاهرة المعز، حيث الثراء الفكري والغنى الجمالي الذي لا ينضب؛ ثم أذربيجان، ومعمارها الذي تفنّنت في هندسته زها حديد، ما دفعني للبحث أكثر عن إنجازاتها.
​الرحلة حين بلغت رواندا، تغيّر كل شيء. بدأ الوجع يتصاعد، وراحت الذاكرة تُثقَب، كأن الجمال يتلاشى تدريجيًا. فمن يقرأ عمّا حدث هناك، عن الإبادة الجماعية في رواندا، لا بد أن يخجل من إنسانيته. كم من انتهاكٍ للأعراض، واستباحةٍ للدم والأرض، تحت أعين العالم. عند تلك اللحظة، صار النص مواجهةً قاسية مع وجع الإنسان.
​تمامًا كما قال إميل سيوران: "ليس الله وحده في هذا العالم... كذلك الألم".
 
​بعد رحلة الاستجمام في إسبانيا، حيث شعرتُ أنني أتقاسم معهم المكان والزمان، انتقلتُ إلى كينيا. هناك، تسلّل إليّ إحساسٌ غامض بروابط لا أستطيع تحديدها؛ ربما الشاي، وربما بساطة العيش بسلام.
​ثم وصلتُ إلى اليونان، حيث توقفتُ عند حديث الكاتبة عن أشجار الزيتون في كل مكان. عندها ذهب خيالي بعيدًا:
​ماذا لو كانت شوارعنا تكتسي بأشجار البن؟
​وكم طفلاً يمنيًا يعرف شكل شجرة البن؟
أدركتُ أن التساؤل ليس عابرًا؛ أحيانًا يأتي كالمطرقة ليوقظ. فكل "ماذا لو" تحمل بذرة مشروع، لكنها لا تنمو إلا بوعيٍ يؤمن بما يمكن أن يكون.
 
​بعد اليونان، جاءت سويسرا... ويا ليتها لم تكن الأخيرة. بدت الرحلة كفسيفساء من عشر محطات، رتّبتها أحلام بعناية. في هذا الفصل شعرتُ أنني هناك فعلاً؛ أتلمّس الحجارة، أستمع إلى خرير الماء، أزور الكنائس، أحتسي قهوتي بهدوء، وأمامي علبة شوكولاتة فاخرة.
​لم يكن المال يعني لي شيئًا، بقدر ما دفعتني المتعة إلى إغلاق الكتاب... بلا كلمة؛ فالاكتمال نفسه يرفض أن يُكتب.
​فهل تحتاج هذه اللحظة إلى دبلوماسيةٍ تُهذّب اندفاعها؟
أم أن أجمل ما فيها أنها صادقة، عفوية، بلا تفسير؟
 

 

قراءة نقدية لكتاب: على طريق الغيوم لعزيز الباروت

 

استضافة في ألمانيا....حكاية وعي - عزيز الباروت
 
حللتُ ضيفًا على أسرة كريمة كانت تقيم في ألمانيا، فلم تبخل عليّ هذه الأسرة بتعريفي على معظم ما يدور في هذا البلد الأوروبي العريق، خاصة الأنظمة والقوانين الصارمة، وأسلوب الحياة فيه مقارنة بما هو موجود لدينا. ومن المواضيع التي سنتطرق إليها سيأتي في مقدمتها التعليم، ومن ثم الثقافة والوعي المجتمعي كونهما الركيزة الأساسية التي تنهض بها الأمم. بعدها نأتي إلى المعالم القديمة والعصرية، مرورًا بالتسوق والمراكز التجارية، والغابات، والحدائق، والأبراج، والمساجد، والمتاحف، والعطل والمناسبات، والمطارات، ومحطات القطارات ووسائل النقل الأخرى، وغيرها مما سيأتي ذكره.
احتفت بي تلك الأسرة احتفاءً كبيرًا، ورافقتني في زيارات إلى الكثير من المعالم والمرافق حتى أرى وأسمع وألمس كل شيء بنفسي.
 
أول المحطات كان مقهى "ليبيغهاوس" في مدينة فرانكفورت، مقهى متميز تناولنا فيه بعض الكيك والمعجنات التقليدية الألمانية الشهية مع القهوة.
أول ما لفت انتباهي، وكان بمثابة الدرس الأول، الفارق الكبير بين ما نعيشه نحن وما وجدته، وهو الطابور الطويل الذي وقفنا فيه لتحديد ما سنختاره، ومن ثم نحمله بأنفسنا إلى المكان الذي سنجلس فيه إن كان هناك مقاعد شاغرة. لكنه، بالرغم من هذا الطابور الطويل، فلا نسمع لأحد صوتًا أو ضحكًا أو ما شابه ذلك من الفوضى التي نعيشها في بلدنا. أعجبتُ جدًا بأول المحطات حيث اجتمع فيها حديقة ومقهى.
 
ومن هنا بدأنا بالتعرف على ما يدور في هذا البلد، في كنف هذه الأسرة الكريمة التي اتخذت أسلوبًا رائعًا في هذا الصدد، بحيث بدأت بتعريفي على الأشياء التي لا يمكنني زيارتها بشرحها شفويًا، أما بقية المحطات التي يمكن زيارتها ولا يمكنني التعمق فيها إلا من خلال زيارتها وتلمّس واقعها عن قرب، فقد رافقوني بالعديد من الزيارات إلى الكثير من المعالم التي سنحاول اختصار ما تعرفنا عليه.
ونحن في ذلك المقهى بدأ شرح المعلومات الشفوية، فبعد شرح مقتضب عن تفضيل السكن في الضواحي بعيدًا عن صخب المدن الكبرى مثل فرانكفورت، وشرح كيفية التعامل مع وسائل المواصلات، دخلنا في أهم محطة كانت تؤرقهم، وهي التعليم. فلديهم أطفال في مختلف المراحل بدءًا بالحضانة، وكونهم انتقلوا إلى مجتمع وبيئة مختلفة عن مجتمعهم، ولا توجد أي روابط من حيث اللغة أو الدين أو الثقافة، ولا توجد مدارس عربية، ومن الصعب على الأولاد تكوين صداقات في هذه البيئة الغريبة عليهم، الأمر الذي فكّروا فيه بعودة الأم مع الأولاد، ويظل الأب لممارسة عمله الذي انتُدب إليه. وبعد دراسة الوضع واستشارة أمثالهم ممن سبقوهم، وجدوا أن ألمانيا تعتبر التعليم الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، وبالتالي من الممكن تأقلم الأولاد، ولو أن هناك نوعًا من الصعوبة، إلا أنه يمكن التغلب عليه نظرًا لجودة التعليم في ألمانيا ووجود نظام دقيق يوفر عدة مستويات ومسارات متعددة تتناسب مع مختلف الذهنيات، كل حسب مستوى فهمه، حتى يصل الطالب إلى المستوى الذي يستوعب قدراته بنفسه، فيسهل عليه شق طريقه ويختار تخصصه بما يتناسب مع استيعابه. كون تحديد المسار يبدأ مبكرًا من المرحلة الابتدائية حسب توصية المعلمين بما يتناسب مع قدرات الطالب، حيث إن هناك خمسة مسارات من الأعلى إلى الأدنى، ولا يلتحق بالتعليم الثانوي الأعلى إلا من يتأهل له، وإلا فهناك مسارات التدريب المهني التي يتخرج منها مهنيون وحرفيون ماهرون، وهناك طلب كبير لهذه الفئة في سوق العمل وبرواتب ممتازة. وبهذا تم اتخاذ القرار والتحق الأولاد بالمدارس، وبالجهد الكبير للأم تم التغلب على تلك المصاعب.
 
بعد ذلك انتقلنا إلى الحياة اليومية، مثل إخراج النفايات وكيفية توزيعها وترتيبها ووضع كل قسم منها بالطريقة والمكان الذي يخصه، ومن خالف ذلك يخضع لعقوبة من سلطات المدينة ورفض المجتمع أيضًا. كذلك كيفية التعامل مع النظام البيئي واحترام خصوصيات الجار. كما تطرقوا إلى بعض الأحداث التي حصلت معهم، بعضها يصيبك بالدهشة، ومنها:
تعرضنا لحادث سرقة حقيبة صغيرة في مطار فرانكفورت أثناء انشغالنا بإكمال إجراءات السفر، ويوجد فيها الجوازات والتذاكر وبعض الوثائق الهامة، وعند إبلاغنا للقسم المختص في شرطة المطار أفادنا الشرطي بكل هدوء أن مثل هذه الحالات منتشرة في المطار، لكن الأوراق حتمًا ستعود، فاضطررنا للعودة دون سفر.
 استغربتُ بشدة: كيف لبلد مثل هذا يتوفر فيه الأمن والنظام والوعي والصدق والأمانة وتنتشر فيه السرقة في مرفق حيوي هام، وبشهادة الشرطة نفسها؟ تم الرد على استغرابي بأن هذا البلد حتى اللصوص لديهم بعض الأمانة! قطبتُ حواجبي مستغربًا الأمر، لكنه استطرد قائلًا: بعد أيام قليلة تلقيت مكالمة بالعثور على الحقيبة، وذهبت لاستلامها. واستفسرتُ من الشرطي كيف تم العثور عليها، فذكرني بأمانة اللصوص وقال إنهم يتمتعون بشيء من الظرافة والأمانة، ويقومون بوضع الوثائق الهامة التي لا يستفيدون منها ماديًا بجانب براميل النفايات، وعند عثور أحد عمال النظافة عليها يقومون بإيصالها إلينا.
 
حادثة أخرى رواها لي رب الأسرة، ولكنها كانت في زيارة سابقة، فقال:
أنت كزميل تعرف طبيعة عملي ودقة مواعيده وتأثير التأخير ولو لدقائق على العملاء. ففي أحد الأيام وجدت نفسي متأخرًا، وأنا في طريقي إلى مكان العمل أقود سيارتي، الأمر الذي دعاني لتجاوز السرعة المحددة في منعطف من منعطفات الطريق. بعدها وصلني إشعار بإيقافي عن القيادة لمدة شهر عقوبة لذلك. في اليوم الثاني ذهبت للمختص في سلطة المرور وشرحت له طبيعة عملي وأهميته، عله يعفيني، فاعتذر بكل أدب وأنه لا بد من تطبيق النظام. حينها تبادر إلى ذهني فكرة، قلت لعلها تنجح، وتحججت بأن من كان يقود السيارة هو سائق المكتب وليس أنا، عله يحيل إيقاف العقوبة عليه. وبكل هدوء، وبلمسة خفيفة من أصابعه على الحاسب الذي أمامه، وضع أمامي صورة، أول ما رأيتها كاد الدم يتجمد في عروقي، لأني رأيت الصورة توضحني وأنا ممسكًا بمقود السيارة، وواضح فيها أيضًا اللوحة المعدنية للسيارة، وبنفس المكان الذي تجاوزت فيه السرعة، إضافة إلى سرعة عداد سيارتي والسرعة المسموح بها. اعتذرت بشدة واضطررت لركوب القطار بدلًا عن السيارة لفترة العقوبة. هذه بعض مما قيل لي، وغيرها من التفاصيل الصغيرة بشرح دقيق مبسط جعلني أصغي وكأنني أمام مشهد حقيقي يكشف لي ثقافة الانضباط والاحترام السائدة في المجتمع.
 
بعد تكوين هذه الفكرة عن هذا المجتمع، تملكني شغف كبير لزيارة المعالم الهامة في ألمانيا، ولم تبخل عليّ هذه الأسرة الكريمة. وكانت أول زيارة في مدينة فرانكفورت هي منزل الأديب الكلاسيكي الشاعر والكاتب المسرحي "يوهان غوته"، وكذا المتحف الملاصق له. ودخلنا فعلاً إلى البيت، وكنت أظن أن هناك مرشدًا سياحيًا سيشرح لنا تفاصيل ما يحتويه البيت والمتحف، لكننا وجدنا جهازًا آليًا، مسحنا عليه رمزًا معينًا خلف تذكرة الدخول، فحصلنا على ملفين كاملين عن كل تفاصيل البيت والمتحف، بما فيهما من غرف وصالات وأدوات ومكتبات تحوي أكثر من 2000 كتاب لعدة مؤلفين، والعديد من اللوحات الفنية، ولا تكفي زيارة واحدة للتعرف على كل شيء فيه.
 
مررنا بشارع غوته الذي يُعد أغلى شارع تسوق في فرانكفورت، يضم عددًا من أغلى وأرقى المتاجر والمقاهي. وصلنا إلى برج غوته الذي شُيّد بالكامل من الخشب بطول 43 مترًا، وأبينا إلا أن نصعد عدد درجاته الـ196، ليس فقط لاختبار لياقتنا البدنية، ولكن لنستمتع أيضًا بالإطلالات الرائعة على مدينة فرانكفورت، كونه يقع على الحافة الشمالية لغابة المدينة.
زرنا أيضًا حديقة الحيوان التي تضم أنواعًا كثيرة من الحيوانات، ولها بيوت بتصميمات فريدة قريبة من بيئتها الطبيعية. استمتعنا كثيرًا، خاصة الأطفال. ولم نجد ما ينافس هذه المتعة إلا عندما زرنا حديقة "هوليدي بارك فرانكفورت" للألعاب الترفيهية، حيث قضينا فيها وقتًا ممتعًا جدًا، والتقطنا صورًا تذكارية مع الأولاد والألعاب المختلفة، وخاصة المخيفة منها التي تغلب عليها صرخات الناس من مختلف الأعمار.
كما أن هناك زيارة استحوذت على إعجابنا الشديد، وهي "حديقة بالمن جاردن"، كونها أكبر حديقة تضم أنواعًا عديدة من النباتات من جميع أنحاء العالم، وتم توفير المكان والمناخ المناسب لكل نبتة كأنها في بيئتها الأصلية، لذلك عندما تتنقل فيها كأنك تزور معظم دول العالم.
 
زيارة أخرى رائعة تم اصطحابنا فيها إلى متعة التسوق، وهذه المرة كانت في "شارع المشاة تسايل"، ويوجد على جانبيه العديد من المحلات والمراكز التجارية الضخمة والمتنوعة، وتقام فيه العديد من المهرجانات. ومن اللافت أن نذكر حدثًا مؤثرًا: عند مرورنا بأحد أكشاك بيع البيتزا، حيث طلبت الأم عددًا من الشرائح، تأمل البائع الشاب وجهها وسألها: "أنتِ مسلمة! إذًا هذا الطلب لا يناسبك لأنه يحتوي على لحم الخنزير"، وأحضر لها نوعًا آخر. تأثرنا جميعًا من هذا الموقف الذي بيّن لنا مدى روعة الإنسان عندما يضع أمانته وصدقه فوق أي اعتبار. وفي نفس الزيارة أدهشني موقف آخر في محطة القطارات تمثل في مدى تطور تقنية الأنظمة، وعلى مستوى أبسط الأشياء، حيث لاحظنا توقف عجلات عربات التسوق عند خط معين لمنع خروجها خارج المحطة.
أما الزيارة التالية فكانت إلى نهر الماين، وصلنا إلى ضفافه المزدحمة بالناس، واستمتعنا بمشاهدة المتزلجين المثيرة. وما لفت انتباهي ونحن على جسر المشاة الحديدي الذي يعلو النهر ويوفر لنا إطلالة رائعة على المدينة، وجود أقفال معلقة عليه. وبينما أتأملها وأفكر في سر وجودها، رأيت شابًا وشابة يشترون قفلًا من بائع متواجد على الجسر، وقاموا بتعليق القفل ورمي مفتاحه في الماء.
 
لم تفتنا زيارة برج أوروبا ذو الشكل المخروطي، حيث صعدنا إلى المطعم الدوار في أعلاه، واستمتعنا برؤية فريدة لمنطقة الراين ماين بأكملها. بعدها مررنا أثناء جولتنا بحي زاكسينهاوزن، لفت انتباهي وجود صندوق كبير ذو قاعدة خرسانية وواجهات زجاجية، بداخلها رفوف مملوءة بالعديد من الكتب ولمختلف الكتّاب والمؤلفين، ولم يكن ذلك سوى صندوق لتبادل الكتب مجانًا.
 
لم تكتفِ تلك الأسرة الكريمة بمرافقتي للتعرف على مدينة فرانكفورت، بل رتبت لنا زيارة إلى مدينة باد همبورغ، حيث استمتعنا بكل شيء جميل فيها، كونها منتجعًا صحيًا شهيرًا ترتاده المجتمعات الراقية من مختلف دول العالم، يقصدها النبلاء والعائلات الملكية ومختلف الطبقات الأرستقراطية الأوروبية، ليستمتعوا بهذا المنتزه الذي أهم ما يميزه حمامات ينابيع الشفاء، ويتوفر فيه العلاج بالمياه الطبيعية الساخنة، وبالطين أيضًا، والأعشاب المجففة وغيرها، ويقوم بذلك معالجون ذوو خبرة ومهارة عالية.
لم تكتفِ هذه الأسرة الرائعة بكل ما تقدم، بل أصرت على أن تعطيني فكرة عن زيارتهم إلى برلين الشرقية أيام التشطير، حتى تكون لدي فكرة عن تقسيم ألمانيا الذي حدث بعد الحرب العالمية، ومدى المعاناة من جراء فصل مدينة واحدة فيها أسر وعوائل انقسمت، كل يتبع الجزء الذي فُرض عليه، وتم عمل جدار فاصل يقسم المدينة إلى شرقية وغربية، يصعب على كل من سكن في جزء أن يصل إلى الجزء الآخر، وتم تشديد حراسة الحدود، مما يثير الاستغراب كيف لذلك أن يتم في مدينة واحدة ومجتمع متحضر بوعي ثقافي وتعليمي عالٍ، لكنها المصالح وحب السيطرة التي فرضت نفسها كحرب باردة بعد أن سكتت أصوات المدافع. وأوضحوا لنا مدى الفوارق الكبيرة في كل المجالات بين أبناء البلد الواحد، بل والمدينة الواحدة التي يفصلها سور إلى شطرين.
 
فكل شيء في برلين الشرقية كان قديمًا وغير محدث وبجودة متدنية ومليئًا بالعيوب، بدءًا بالسيارات القديمة مرورًا بكافة السلع والخدمات، وحتى في حرية ممارستهم للعبادة، وكيف أن النظام فرض قبضة حديدية ورقابة مشددة على حركة الناس بما فيهم الأجانب، إلى درجة أن هناك فنادق مخصصة للأجانب فيها خدمات أعلى مستوى من البقية ويتم الدفع فيها بالعملة الصعبة، وفي نفس الوقت مفروضة عليهم رقابة مشددة. وكل هذه العوامل أدت إلى الركود واستياء المجتمع، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إعادة توحيد ألمانيا وهدم السور الذي فصل برلين إلى شطرين (وكل ما ذكر ينطبق تمامًا على ما كان حاصل بين شطري اليمن)، إلا أن الوعي والثقافة العالية في المجتمع الألماني أديا إلى إرساء قواعد الوحدة على أسس سليمة وقواعد متينة، فذاب المجتمع في بعضه، وانتهت تمامًا أي علامة للتشطير، كبيرة كانت أم صغيرة.
 
الآن، وبعد أن عشنا كل هذه اللحظات في ألمانيا، لا بد من معرفة كيف حصلت على تأشيرة الدخول رغم صعوبتها البالغة. فالفضل يعود لنادي القصة صنعاء، حيث قدم لي رئيس النادي دعوة لقراءة كتاب:
("على طريق الغيوم" الترحال مع طيوف المكان) للكاتبة الأستاذة الأديبة أحلام يحيى جحاف، والذي ضم بين دفتيه ما خرجت به من انطباعات خلال سفرياتها وترحالها إلى العديد من الدول، وكان الجزء الأكبر منه مخصصًا لألمانيا، كونها أقامت فيها أطول فترة ممكنة.
 
إذًا استضافتي في المانيا كانت عن طريق قراءة هذا الكتاب، وللجزء الخاص بألمانيا فقط، كون الفصل المخصص لألمانيا رحلة متكاملة جمعت بين الماضي والحاضر، النظام والوعي، وبين الدهشة والنقد، وكل ذلك بأسلوب مبسط وواضح ومشوق جعلني لا أترك الكتاب حتى انتهيت من هذا الفصل، كون الكاتبة حولت كل التفاصيل، من أصغرها (إخراج النفايات) إلى أهمها، وهو التعليم والثقافة والوعي والنظام، مرورًا بزيارة المعالم التاريخية والعصرية والمراكز التجارية الهامة، حولت الكاتبة كل ذلك بمهارة بارعة، ليس إلى مشهد أدبي فحسب، بل مشهد حي كأنك عايشته في زيارة حقيقية.
نبارك للأستاذة احلام جحاف اصدار هذا الكتاب المتميز وشغوفين لقراءة اصداراتك وإبداعاتك
 
 

 

قراءة الأستاذ: الغربي عمران لكتاب على طريق الغيوم:

 


"شكرا
أستاذة جحاف.
من أهدتني كتاب "على طريق الغيوم" شكرا فها هو رفيقي في ترحالي بين صنعاء والقرية وعبور ذمار، أكملت فصل "المانيا".
لم أتوقع ذلك الثراء المعرفي، لقد قدمت المانيا بشكل مثير من خلال مجتمعات ريفها، ومدنها فرانكفورت وبرلين، رأينا هن بعيونك وأحسسنا بإحساسك وأنت تصفين مجتمع ذلك البلد الأخضر، بداية من زيارتك الأولى لبرلين الشرقية، ثم إقامتكم في مدينة صغيرة:
"عدت بذاكرتي إلى التسعينات، حيث بدأت حكايتي مع العيش في المانيا ببلدة إيشبورن تحديدا، والتي عشت بها أربع سنوات مع زوجي واطفالي الثلاثة عندما انتدب زوجي للعمل في المانيا..."
تصفين حياة بلدة خارج فرانكفورت، كما تصفين فرانكفورت وصفا دقيقا لغاباتها، وأنهرها، متاحفها وحدائقها، مسارحها وأسواقها، ميادينها وأشهر معالمها، وصف نابض بتفاصيل دقيقة وشفيفة، كما تصفين مذاقات أطعمتها وأشربتها، حتى أننا جربنا إعداد صلصة المانية وصفتها أنت على صفحة 27 من الكتاب، جربنها وكانت الذ ما يكون، ولذلك نعد أنفسنا لأن تكون أحد أطباق يوم يانفس ما تشتهي، شكرا على ذلك العطاء المعرفي المتدفق. الذي ينم عن ثقافة موسوعية، وكذلك قدرتك على البحث والتقصي حتى قدمت تلك الأماكن وذلك المجتمع بتلك التفاصيل التاريخية والجمالية والرائعة.
فالتاريخ حاضر في "على طريق الغيوم"، من خال الأثار المدمرة للحرب العالمية الأولى والثانية، وأثر ذلك على تقسيم المانيا إلى شرقية وغربية، وكذلك تشطير برلين، وانعكاس اختلاف التوجاهات الإيدلوجية بين شطري البلد، تفاصل دقيقة لتلك الاختلافات، ثم عودة الألمان في دولة اتحادية ديمقراطية، وتطور ذلك الوطن الذي تحكمه القوانين لتحوله إلى واحة من الأمن والتطور المتسارع لشعب يطمح لأن يكون في مصاف أرقى المجتمعات الإنسانية.
سافرنا وعايشنا مجتمعات عدة، لكن قارئ "على طريق الغيوم" يدرك أن ليس كل من سافر يمتلك ذلك الإحساس بما حوله، وكذلك القدرة على تسجيل كلما يعايش ذهنيا وتدوينه كما دونته أستاذة جحاف وكأننا حين نقرأ المانيا نرى ما تصفينه بعيونك ونشعر بإيقاع ما تعيشه. إذ تستهلين معظم فقرات الكتاب بـ:
"من الأمكنة التي أستمتعنا بزيارتها في برلين الشرقية، برج برلين أو برج التلفزيون الذي يقع في ميدان الكسندر بلتز..."
وهكذا يستمر وصفك ذاكرة تاريخ بنائه وما يحيط به من معالم وكذلك أطواله الخ أو تستهلين فقرتك بـ:
"ولفتت انتباهي لوحة مهيبة بالأعلى، بها اقتباس من الأنشودة الأولى بملحمة هوميروس الشهيرة، الأوديسه، باللغة اليونانية، في منتصف الجسر للملك الأسطوري أوليسيس الذي قاد معركة طروادة الشهيرة..."
أو تبدائين بـ:
"تخيل أن تشرب القهوة وتستمتع بأكل قطعة من (الكيزة كوخان) وأنت محاط بمعروضات واحد من أهم متاحف النحت الدولية.... وفي كل مرة طابور طويل، ورغم ذلك لا نسمع صوتا ولا محادثات ولا ضحكات عالية، ولا وجود لمحاولات تخطي الطابور..."
إن كتابك هذا يعيد ترتيب وعي القارئ، فما تصفينه لمجتمع منظم ومتطور، لا يخص جنس دون غيره، بل أن أي مجتمع إذا أراد نخبه تطوير مجتمعاتهم، بعد تخلصهم من الذاتية والأنانية وحب التسلط والإستحواذ، أن يؤسسوا لحياة ديمقراطية تحميها القوانين وتكفل لكل فرد حقوقه دون إفساد لحياة كريمة قوامها الواجبات والحقوق.
"تقوم المانيا على أساس مبدأ الدولة الاجتماعية التي ترى في ضمان معيشة جميع أبنائها أولوية مطلقة، فهنا لا ترى مشرداً في الشوارع، كما قد يصادفك في بلدان أخرى، ولا ترى متسولا واحدا..."
الحديث عن مجتمع المدينة وهو ما ينطبق على مجتمعات الريف الألماني "المانيا بلد يتمتع غالبية الناس فيه برؤية عالمية، ومستوى عال من المعيشة، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة، من خلال توفر الخدمات في كل مكان، سواء في المدينة أو الريف، لا مكان يتعرض لإهمال الحكومة، وانعدام الخدمات كما يتمتع الغالبية هنا بفضاء واسع من الحرية والتفرد في اختيار وتصميم شكل حياتهم"
وتستكملي:
"عندما غادرنا المانيا لم أحمل لها سوى ذكرى جميلة لبلد يتميز بالتنوع الثقافي والعرقي والديني، بلد مدهش، بلد غوته، وباخ، وفاغنر، وبيتهوفن، وبرامز، وآينشتاين، ورنتغن، وبلاك، وبنز، وأوتوا، وشتيفان..." الخ تلك الأسماء العظيمة.
شكرا أستاذة أحلام شكرا لحسك الأدبي، وهمك الإنساني، ولذائقتك الإبداعية وثقافتك الشمولية، ولما تبذلينه من جهد بحثي تجلى من خلال التفاصيل التاريخية الدقيقة حول تماثيل الساحات ومحطات السكك الحديدة وتلك المعالم بل وما يعيشه ذلك المجتمع... الخ التفاصيل الثرية
هناك الكثير والكثير من الحديث حول جزء المانيا من هذا الكتاب المكون من عشرة أجزاء، في 300 صفحة، صادر عن دائرة الثقافة بالشارقة. غير أنها تحية لأديبة نتمنى لها المزيد والمزيد من الإبداع.
..............
حين قرأت
المانيا وجدت أن جحاف أفسحت لها فصل من عشرة فصول، ضمن كتابها "على طريق الغيوم" والذي شغل ما يقارب ثلث صفحات الكتاب، واحتلت بقية الفصول التسعة الثلثين:
إيطاليا، جيبوتي، القاهرة، أذربيجان، رواندا، إسبانيا، كينيا، اليونان، سويسرا. متوزعة: خمسة دول أوروبية، وأربع إفريقية، ودولة واحد من آسيا.
وأميركا لا شيء.
ليتضح أن الكاتبة أعجبت بما عاشته في جرمانيا خلال سنوات إقامتها هناك، مقربة القارئ أكثر من تاريخ هذه الدولة ومجتمعها وما يعيشه اليوم من تطلعات عظيمة.
كنت قد أعرت الكتاب لصديق وحين أعاده سألته، فأجاب بأنه كتاب شيق وفيه الكثير من المعارف، غير أنه تمنى لو أن الكاتبة زادت من ذكر معايشتها لتلك المجتمعات، كما تمنى لو أن زيارتها لبعض البلدان امتدت لسنوات بدل من أيام قليلة.
الكتاب بعد أن قرأه الصديق في طريقه إلى أصدقاء آخرين، بدوري أنا في شوق لمعرفة أراءهم حوله.
أكملت قراءة بقية الفصول واكتب إعجابي بما احتواه.
إيطاليا:
تقول جحاف "جاءت الفرصة للمرة الثانية، للعيش بمدينة أوروبية لأربع سنوات أيضاً"
فتحدثنا عن مدينة روما القائمة على سبعة تلال، يتخللها نهر "التيبر”، وعن تاريخها تأسيسها 753 ق. م وكعاصمة للإمبراطورية الرومانية... التي أصبحت جمهورية في 509 ق. م وبعدها بسطت سلطاتها على دول البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق... بل وعلى العالم من المحيط إلى الخليج "وتقع بداخلها دولة الفاتيكان التي تعد أصغر دولة في العالم" وكذلك جمهورية "سان مارينوا" داخل إيطاليا، وهي أقدم جمهورية في العالم إذ تأسست عام 301م، ولها أقدم دستور ساري المفعول منذ عام 1600م.
جحاف تصطحب قارئها في جولاتها إلى أهم معالم المدينة: نافورة تريفي الباروكية، وتمثال أوقيانوس، إلى مجمع الكولوسيوم "أشهر المعالم الأثرية بروما... ويقع وسط روما، أنشيء عام 80م ، وهو عبارة، عن مدرج روماني عملاق، بيضاوي الشكل، يعد العمل الأكبر الذي شيدته الإمبراطورية الرومانية ، تتراوح سعته الاستيعابية 50000 إلى 80000شخص..." ومبنى البانثيون، شوارعها مثل شارع فيا ديل كورسو وسط البلد وساحاتها مثل ساحة بربريني وساحة فينيسيا وتنزهاتها، مقاهيها ومطاعمها الراقية، إذ تتميز الأطباق الإيطاليا عالميا، كما هي عاصمة للموضة والسينما العالمية، وتعكس لنا إيقاع الحياة فيها، وتبين اختلاف الحياة عن فرانكفورت، من زحام وظواهر سلبية لا توجد في المانيا، وتعكس لنا نبض المجتمع ومعايشتها كوافدة إليه، وتلك الفروق في التعامل.
رأينا هذه المدينة العريقة من خلال وصفها الدقيق لمكوناتها وتلك المعلومات التاريخية للفن وللمخترعات، ولتاريخ معالم المدينة، وكذلك اختلاف هذه المدينة عن بقية مدن أوربا. شكرا جحاف على ذلك الحس والبحث التاريخي الدقيق لمكونات روما وما جاور تلك المدينة الحلم.
جيبوتي:
كنت أظن أن وضع هذا البلد أفضل، لصلاتها بفرنسا، ورغم مجاورتها اليمن إلا أننا نجهل الكثير عنها، وما قدمته جحاف لحياة مجتمع هذا البلد كان دقيق، حيث تحدد موقع جيبوتي
"تقع على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، ويفصلها عن اليمن حوالي 30 كيلو متر... تحيط بها إريتريا من الشمال وأثيوبيا من الغرب والصومال من الجنوب..."
وتضيف في صفحة أخرى
"تأسست جيبوتي عام 1977 بعد استقلال المنطقة من فرنسا... عاصمة جيبوتي من أهم الموانئ في إفريقيا وخليج عدن" وتضيف "يعيش حوالي خمس السكان تحت خط الفقر، ويتفاقم الفقر نتيجة تزايد أعداد اللاجئين..." من دول الجوار... وما يضحك القارئ ما ذكرته عن أحد سلاطين جزيرة "موشا" -عربي- الجيبوتية الذي تنازل وسلم سلطنته للاستعمار البريطاني مقابل عشرة أكيس رز! وهي جزيرة ضمن جزر وسواحل وأراضي ضمتها بريطانيا إلى مستعمراتها حول العالم.
زيارة جحاف إلى جيبوتي لم تتجاوز الأيام القليلة ومع ذلك لم تستقر، إذ استغلت كل ساعة من وجودها رغم مخاطر وباء كورونا المنتشر أنذاك لتقدم لقرائها ذلك المجتمع الذي يتكون من عدة أعراق "استقر بعض التجار الوافدين من حضرموت وعدن وصنعاء في الجزء الشمالي من مدينة جيبوتي المعروفة محليا باسم جيبوتي فوق، إلا أن غالبية صغار التجار كانوا من تعز والتربة استقروا في الجزء الشمالي من المدينة، وعرفوا باسم عرب جيبوتي، وباستقرارهم فقد الكثيرون صلاتهم بعادات وثقافة بلدانهم بحلول عام 1927 شكل المنحدرون من أصول يمنية 45% ... وبعد الاستقلال أصبحت جيبوتي مركزا للمهاجرين من الصومال وأثيوبيا وإريتريا العفر" وتذكر أن جيبوتي متعددة الثقافات حيث ظهر ذلك في موسيقاهم وفنونهم المزيج من العربية والأفريقية.
يتعاطى أفراد الشعب الجيبوتي القات المجبول من دول الجوار.
قدمت جحاف تضاريس هذا البلد الواقع بين الجبل والبحر بسواحله الرملية البيضاء، مبرزة موقع جيبوتي الهام كمينا من مهم بين مواني شرق أفريقيا، كما قربت لقارئها حياة مجتمع بتكوينه وعاداته، وكذلك العديد من مظاهر حياتية.
القاهرة:
الفصل الرابع والذي أحتل خمسة عشر صفحة لزيارة ضمن زيارات جحاف العابرة، حيث ذكرت أن أول زيارة لها كانت في طفولتها، حينها أذهلها المصعد الذي لم تعرف ما يكون، حتى كانت وأسرتها في موسكوا لتعرف هناك ماهو المصعد وما وظيفته.
قد يدهشوا من زاروا القاهرة مما كتبته عنها، فهي لم تكتفي بوصف ما يراه الجائل في هذه المدينة العملاقة، بل قدمت ما وراء تلك المعالم وما يخصها من معلومات بادئة من مقولة "اللي يشرب من نيلها، يعود لها...." لتعود إلى زمن الخديوي إسماعيل حفيد محمد علي باشا الذي كان مغرم بهندسة بناء المدن الأوربية وأراد أن تكون القاهرة بنفس المستوى، فعمل على استقدام المهندسين من باريس لتخطيط وبناء ما يعرف اليوم بالقاهرة الخديوية، أو ما يطلق عليه بوسط البلد، بعد أن كانت تلك المساحات الواسعة سبخات ومستنقعات تتكاثر فيها القوارض والحشرات الضارة. سردت جحاف بأسلوب جميل ذلك التحول الذي طرأ على القاهرة التي تحولت في عصر الخديوي إسماعيل إلى أجمل المدن في شرقنا العربي، وهو الشغوف بالجمال والفن الأوربي، وتسرد الكثير مما يجهله معظم من زاروا هذه المدينة المتعددة الأوجه. ولم تكتفي الكاتبة بتقديم روح المدينة الخديوية، بل ذهبت لتقدم العديد من المعالم المهمة مثل حديقة الحيوانات بالجيزة، إلى حديقة الأورمان، وجامعة القاهرة، وأول كوبري على مجرى النيل، كوبري قصر النيل، وأول دار كتب، وأول مرصد، وأول دار أوبرا في الشرق، وتذكر لنا ما لا نعرف عن فندق ماريوت منذ بداية تأسيسه كقصر يستقبل فيه الخديوي إسماعيل ضيوف افتتاحه لقناة السويس عام 1869 وفي حقيقة الأمر أن الخديوي أراد استقبال الإمبراطورة "أوجيني "زوجة الإمبراطور نابليون الثالث ملك فرنسا، التي كان يعشقها الخديوي إسماعيل، والمدعوة إلى حفل افتتاح قناة السويس ضمن من دعاهم من ملوك أوربا.
من أجمل ما رصدته جحاف زيارتها للقرية الفرعونية التي تجسد حياة المجتمع الفرعوني على ضفاف النيل، وقد وصفت أجزائها وصفا دقيقا، من عاملين فيها على النسج والزراعة والصيد، إلى حدائقها ونباتاتها الفريدة لتقدم ما يجهله الزائر في القاهرة، أو مخفي بأسلوب جميل ومشوق.
إيقاع زيارتها وما عاشته مع موظف الجوازات في مجمع التحرير، تعامل موظفي الفندق، احتكاكها بالمجتمع، راصدة لذلك الروتين الممل في دوائر الدولة، وصعودها إلى أعلى برج الجزيرة واصفة تلك المشاهد الأفقية للقاهرة، ومنمنمة أخرى من الحكايات التي عاشتها لتقدم لنا القاهرة بعيون فاحصة، وبتجارب مغايرة.
أذربيجان:
الدولة الأسيوية الوحيدة التي شملها هذا الكتاب "جمهورية أذربيجان تقع في منطقة جنوب القوقاز... يحدها بحر قزوين من الشرق، وأرمينيا وتركيا وإيران من الجنوب، أستقلت عن جمهورية القوقاز الاتحادية الديمقراطية عام 1918وأصبحت أول دولة ديمقراطية علمانية ذات أغلبية مسلمة، لم يمر وقت حتى دمجت بالقوة ضمن الإتحاد السوفيتي ... واستقلت منه في عا1990"
تذكر جحاف أن مدينة "باكو" العاصمة هي أكبر مدن أذربيجان، وبها مركز حيدر علييف الثقافي الشهير بتصميمه الفريد، الذي صممته المهندسة "زها حديد" ويضم معرض التراث والحرف التقليدية، بل هو مركز لتاريخ أذربيجان. ثم تصف لنا المدينة القديمة بأسواقها الشرقية وما يعرض في متاجرها من سجاد ومنسوجات ومشغولات أصلية، لتطوف أزقة أحيائها العتيقة، إلى قصر "الشيرفانشاه" وما يحيط المدينة من أسوار وأبراج تاريخية، ومنها برج العذراء الذي تتعدد حكايات سبب تسميته، وساحات وحدائق المدينة المتنوعة، إلى ما تشتهرت به أذربيجان من "حمامات النفط" وحمامات المياه الكبريتية، والذي يقع خارج المدينة. وتختتم جحاف بذكر الموسيقار أو المنشد الشهير سامي يوسف "أشهر أذري عرفناه، المنشد والملحن والمنتج الموسيقي ومؤلف الأغاني، الذي يعزف على البيانو والكمان والتار والعود والطبلة وهو مسلم بريطاني من أصل أذري... انتشرت أغانيه في البلدان العربية والإسلامية وصفته "ذا تايم" بأنه أكبر نجم روك إسلامي...."
رواندا:
ذلك البلد الذي عرفه العالم من خلال أخبار المجازر المروعة بين قبيلتي "الهوتو" و "التوتسي" في عام 1994 وقد ذكرت جحاف ضمن ما ذكرته "خلال تلك الحرب أغتصب ربع مليون امرأة" و "في مايو من عام 2021 اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لاحد النصب التذكارية للإبادة الجماعية بدور بلاده في مقتل 800 الف..."
ووصفت جحاف خلال زيارتها لنصب أقيم لشهداء المجازر
"هذا المتحف الذي زرته، هو أحد النصب لجرائم الإبادة الجماعية التي حدثت برواندا، ولا يزال هناك ثلاثة نصب أخرى، الأول كنيسة "نيماتا" حيث قتل 50 الف شخص لجأوا إلى الكنيسة، التي تحولت إلى نصب تذكري، بمثل كنائس أخرى قتل فيها ضحايا آخرون. والثاني نصب تل "مورامبي" حيث دعت السلطات المحلية والقوات المسلحة الرواندية السابقة، التوتسي في ابريل 1994 الى التجمع في معهد تقني قيد الإنشاء بحجة ضمان أمنهم، وقامت بذبحهم، ونصب آخر في موقع بيسيسرو الذي يحيي ذكرى المقاومة التي قادها التوتسي ضد مرتكبي الإبادة فتعرضوا بدورهم لمجزرة."
مجتمع رواندا اليوم يحرز قفزات تنموية لافتة "كانت في رواندا عام 1994 جامعة واحدة وأصبحت اليوم بها 27 مؤسسة تعليمية عليا في العاصمة كيغالي والمدن الأخرى" ما قدمته جحاف يثير الرعب والخوف، حول بشاعة ما يرتكبه هذا الكائن الغامض الإنسان، في كل وقت وكل مكان، ولأبسط الأعذار.
جحاف زارت أكثر من نصب في عدة مواقع لضحايا تلك المجازر، واصفة ما تراه مقرونا بمعلومات دقيقة عما حدث، وخلفيات ذلك وملابسات ما دار، وتواطئ دول أوربية كبلجيكا وفرنسا، وصمت المجتمع الإنساني، بما فيه الأمم المتحدة. مذكرة ما يدور اليوم في السودان وسوريا وليبيا واليمن وصمت المجتمع الأممي المتكرر.
إسبانيا:
دوما ما تحضر الأندلس عند ذكر إسبانيا أمام القارئ العربي، والجميع على يقين أن دخول العرب جزيرة إيبيرية نوع من أنواع الفتوحات، بينما نصف من دخل أجزاء من الوطن العربي بالاحتلال!
جحاف قدمت لنا مدريد العاصمة "رابع أكبر مدن الإتحاد الأوربي" وتذكر تاريخ تأسيسها بعام 852م "حين بُني قصر صغير يسمى بالإسبانية الكازار من قبل المسلمين لأحد أمراء قرطبة، في المكان الذي يقع القصر الملكي الحالي، بالقرب من نهر "مانثاناريس" والذي سماه المسلمون مجريط أي مصدر المياه أو النبع..." ثم تجول بقارئها في أهم معالم المدينة من قصور وكنائس التي منها كاتدرائية "المودينا" وشوارع وساحات منها ساحة الشمس وساحة "ارموري" والشارع العظيم، واصفة تلك المعالم بدقة متناهية، مضيفة شيء من تاريخها العريق ، لنرى ما تصفه في لوحات وصفية زاهية، وكذلك نرى بعيونها حركة الناس في الأسواق والمقاهي والساحات، ونشاركها تلك البهجة في مدن عريقة ومجتمعات حياة ونشطة.
كينيا:
البلد الإفريقي المدهش بمحمياته الطبيعية الشاسعة وبقرب حدوده من أعلى قمة إفريقية جبل "كليمنغارو" الذي يقع قرب الحدود مع تنزانيا، الجبل قرب خط الاستواء ومع ذلك تكلله الثلوج لارتفاعه "أعجبتني إطلالة المطعم على الحديقة الوطنية" تصف أحلام أن كل ما حولها في الفندق بديكور إفريقي مدهش "نيروبي عاصمة كينيا وأكبر مدنها وجاءت من لغة قبائل الماساي من كلمة "إنكارا نيروبي" وتعني مكان الماء البارد. تأسست عام 1899بلدة صغيرة ومحطة على خط سكة الحديد..."
وقد استقلت عام 1963 عن الاستعمار البريطاني تقول جحاف
"أن في كينيا 42 قبيلة ولكل قبيلة لغتها وثقافتها وتُعرف بأرضها الخصبة وأنها من بين اربع دول في العالم الأكثر إنتاجا للشاي والبن.
وتحدثنا عن تنوع أطباقها، خاصة لحوم التماسيح والنعام والجمال، غير أن وصفها لرحلتها إلى محمية "ماسي مارا" الوطنية التي تعد المحمية الطبيعية الأكبر في العالم كان الأكثر غرابة حيث تصف تلك المساحات اللا متناهية من الحياة البرية، التي يمكن للزوار رؤية الحيوانات من على حوض سيارة مكشوفة تجوب بهم فيافي واسعة، قطعان حمار الوحش وأبقار برية وغزلان بأعداد كبيرة وفروس النهر وتماسيح وأفيال وحيوان النو الذي يجمع بين رأس وقرني ثور ووجه البقرة وذيل وشعر الحصان. وكذلك النعام والجواميس والضباع والزراف..."
وكانت المفاجأة عندما توقفت السيارة بجوار أسد ينام بالقرب من ثلاث لبؤات وشبلين... شعرت بالخوف فالمفروض أن يهاجمنا ملك الغابة لكنه في الواقع وعلى الطبيعة يستمتع بنوم عميق ولا يهتم لوجودنا.
ماذا لو فكر في الهجوم علينا؟ لكن السائق يؤكد أن الأسود لا تهاجم البشر، وأحاول إقناع نفسي بذلك" تقديم الكثير والكثير مما رصدته عيون جحاف وعايشته في كينية من عادات وتقاليد وأنماط حياة حتى اختتمت بزيارتها للنصب التذكاري "لثلاثة أشخاص أفارقة: حمال وعسكري وحامل أسلحة يحمل النصب إسم"أسكار التذكاري"... وكلمة أسكاري أعسكري تشير للجنود الأفارقة الذين جُهزوا للحروب بشكل سيء ومن أعتمدت عليهم بريطانية لتوفير غطاء أرضي ودعم لتجنيب أفرادها الموت..."
ثم تذكر أن الوطنيين أزالوا تمثال الملكة فيكتوريا في العام 2015 بعد أن ظل لأكثر من قرن، وتستغرب من تحطيم وإزالة تلك النصب التي تمثل تاريخ حصل، وبإزالتها لا يمكن تغيير ما حدث.
اليونان:
الفصل ما قبل الأخير، يومين كانت زيارة جحاف زارت ملا يزوره غيرها في أسابيع، "هي المرة الأولى التي أزور فيها مدينة يونانية، ويأخذني الخيال إلى الحضارة اليونانية القديمة وكأني في رحلة عبر الزمن لأقابل شخصياتها الشهيرة والأسطورية من فلاسفة ومفكرين الذي قدموا للعالم أساسيات العلوم والطب والهندسة والأدب والفلسفة...
ممتع أن تزور مكانا قرأت تاريخه وتشعر بأرواح من عاشوا فيه وقرأت عنهم تحيط بك من كل اتجاه، ها أنا في أثينا عاصمة اليونان وأكبر مدنها...".
متعة التعبير عن مشاعرها لوجودها في بلد الحضارة الإنسانية، لكني كنت أسأل نفسي وأنا أقرأ هل تكفي يومين من الزيارة لتقدم لنا جحاف اليونان ومجتمع اليونان، لتجيب أسطر ثلاثين صفحة بداية من وصف لأثينا ومينائها الذي يطل على بحر إيجة، ذاكرة نبذة من جغرافيتها وما يحيطها ثم جذور تسميتها "أثينا آلهة الحكمة والحرب راعية الفنون والمعرفة والحرف والعلوم" لنعرف أن أثينا موغلة في القدم فقد كانت مدينة مهمة خلال العصر الذهبي لليونان بين 500 و300 قبل الميلاد وما فلاسفتها سقراط وأفلاطون وأرسطو وكذلك اسخيليوس وسوفكليس ويوريبيديس خير شاهد على مكانتها. المدينة التي تصنف بأول مدينة ديمقراطية في التاريخ البشري، فهي مدينة الآلهة الذين عاشوا على جبل أوليمبوس أشهر جبل في العالم ضم: ربات الفصول، وزيوس، وهيرا، وأبلو، وبوسايدون إله البحر، وإله النبيذ ديونيسوس، وديمتير، ارتميس، هيبي، آرس، هرموس، أثينا، أفروديت، هيستيا... اليونان بلاد الأساطير والبحر وأشجار الزيتون.
تتسائل الكاتبة "ما الذي يمكن رؤيته وزيارته خلال يومين في مكان يزدحم بالأساطير" لكنها وصفت لنا الكثير من الحياة هناك من خلال تجوالها وتنقلها بين معبد بوسايدون اله البحر والعواصف والزلازل والخيول و ميناء بيرايوس التي ذكرت في رواية زوربا، ووصفت جحاف في زيارتها لأكروبوليس اشهر مواقع الأثار اليونانية ثم أكبر المعابد البارثينوس،
لتتساءل "ماذا حل بمدينة كهذه مدينة هي مسقط رأس الديمقراطية، الفلسفة، الأدب، الفن، والعديد من الفنون. لم لا تقود العالم المعاصر"
لتنهي تجوالها بساحة موناستيراكي ثم تغادر وفي قلبها أمل بزيارات أخرى.
سويسرا:
خاتمة فصول الكتاب تبدأها جحاف
"أنا الآن في بلد الشوكولاتة، بلد الساعات والجواهر الثمينة وأجراس البقر وأيضا النافورة الشهيرة"
ثم تحدد موقع المدينة التي تزورها
"جنيف تقع في الجزء الغربي من سويسرا، على الجانب الغربي من بحيرة جنيف عند منبع نهر "الرون" وهي المدينة الأكبر في سويسرا، تحيطها جبال الألب وجبال يورا" ثم تصف لقارئها فندق نزلت فيه، متحدثة عن أشهر غرفة 122 سكنها مؤلف مغامرات "تان تان" وكلبه "ميلو" الكاتب البلجيكي "جورج ريمي" واحتفاء الفندق الدائم بتلك الشخصية من خلال المجسمات والملصقات المنتشرة في صالات وردهات الفندق. وتصف لقارئها ما يميز هذا الفندق خاصة تلك الساعة العملاقة التي بطول 30 متر، وقد عُلقت بين الطابق التاسع والأرضي.
وصف جميل لما تعيشه جحاف وقد وفر الفندق لنزلائه بطاقات لاستخدام المواصلات العامة، بحيث يجول النزلاء بتلك البطاقة المجانية. لتبدأ جحاف تصف لنا ما زارته: محطة كورنافين، كنيسة نوتردام، شارع ديمون بلان، تماثيل على الطريق ودوارتها إلى بحيرة جنيف ونافورتها العملاقة، وبجعاتها البكماء.. ثم منارة الشاطئ، ومرصد جنيف الفلكي ومعرضة بمناسبة مرور 250 سنة على تأسيسه، مستعرضة ما قرأته بداخل متحف المرصد من لوحات وملصقات، لتقف محتارة أمام سؤال "هل نحن وحدنا في الكون" ثم تشرح لنا بعد خروجها خط سيرها "عبرنا جسر مون بلان بموازاة جزيرة روسو، وهي جزيرة وحديقة في وسط نهر الرون، وبها تمثال المواطن السويسري الشهير والفيلسوف والكاتب جان جاك روسو صاحب العقد الاجتماعي" وتستمر تصف لنا ما تراه في شارع ليه بكيس الذي يضم منازل للدعارة المقننة، والمقاهي والمطاعم والمتاجر المحيط.
من المعلومات التي أوردتها حول سكان جنيف الذي تصل نسبة عدد المهاجرين إلى سكانها السويسريين 50% إلا قليلا "سويسرا ليست عضوة في الإتحاد الأوربي، بلد متعددة اللغات: الفرنسية الألمانية، الإيطالية الرومانشية القديمة، مدينة جنيف هي عاصمة كانتون جنيف الناطق بالفرنسية تقريبا هي محاطة بالكامل بفرنسا..."
وتضيف بأن سويسرا دولة ديمقراطية فيدرالية ولها دستور تأسس عام 1848ويحكمها مجلس الحكم الفيدرالي المنتخب.
ثم ترد لقارئها معلومة مهمة حول تأسيس المذهب البروتستانتي في سويسرة الذي أعتبر أكثر انفتاحاً من الكاثوليكي، على يد جان كالفن1536م.
لتعود إلى وصف تاريخ صناعة الشكولاتة الفاخرة وأنواعها، وكذلك الساعات الفاخرة وبدايتها، ثم أقلام مونت بلاك الفاخرة، كل ذلك وغيرها من الماركات الشهيرة لها حكايا البدايات المدهشة، ثم الحديث حول الحسابات السرية التي اشتهرت بسريتها بنوك سويسرا، والحديث يطول حول مواضيع أخرى أوردتها جحاف فيما تتميز به هذا البلد الصغير والعريق والمتطور.
لكن أجمل ما يكون أن تصف ما تشاهده وتعيشه في صور أو مشاهد سردية نرى ما تراه وكأن القارئ أحد زوار تلك المعالم الجميلة.
وقبل النهاية تحكي عن دور جنيف باستضافة المؤتمرات الدولية منها المؤتمر العالمي لنزع السلاح عام 1932، وتأسيس الصليب الأحمر الدولي عام 1864 كمنظمة أممية ومقره جنيف ومؤتمرات نسوية عالمية لتتحول جنيف إلى عاصمة أخلاقية لترميم جرح العالم. كما تحتضن مقرات أكثر من منظمة إنسانية.
تختتم جحاف أيامها الأربعة بوداع قدمتها لقرائها في صور رائعة، لتصف لنا استعدادهم للمغادرة بحزم الحقائب والخروج من الفندق باتجاه المطار، تصف ما التقطت عينيها أثناء عبورهم في شوارع مرتبة ومشجرة تحيطهم المباني الباسقة، تودعها وهي تشعر بالحنين فالأيام كانت قليلة، لكنها تعد نفسها بزيارة أخرى.
من الصعب نقل ما احتواه هذا الكتاب المختلف، والذي صاغته بأسلوب مشوق، ولغة باذخة تصل بعض مقاطعها إلى أن توصف بالشاعرية، حيث ظلت تنتقل وبخفة بين وصف ما تشاهده، وتعيشه وسط تلك المجتمعات، وبين تطعيم ذلك بمعلومات دقيقة تاريخية وتكوينية، ذلك النسيج الذي أمتاز به هذا الكتاب يعطي القارئ جرعة معرفية عالية، ومتعة التفاصيل لوصف مكونات تلك المدن والبلدان وما تعيشه مجتمعاتها.
فشكرا للأستاذة أحلام جحاف، على هذا الشغف، وهذه الجرعات المعرفية التي تنم عن كائن ذا ثقافة موسوعية وبحثية دقيقة، وقدرة على الوصف والصياغة الجميلة.

 

القات في اليمن بعيون صحفي نمساوي

 

خصص الصحفي النمساوي فريتس زيته في كتابه:
"اليمن بؤرة صراع" حيزاً لافتاً للحديث عن "القات"....
وحلله كظاهرة اجتماعية... اقتصادية... وسياسية تؤثر في صناعة القرار في اليمن كما لاحظ بعين الصحفي الغربي الذي يحاول فهم لغز الشخصية اليمنية....
تقريبا أبرز النقاط التي ركز عليها في هذا الفصل الذي حمل عنوان: القات في اليمن:
​وصف زيته جلسات القات اوالمقيل...بأنها هي "البرلمان الحقيقي" لليمن. لاحظ أن أهم القرارات السياسية..والتحالفات القبلية... وحتى صفقات التجارة لا تُحسم في المكاتب الرسمية.. بل في "الدواوين" أثناء مضغ القات.... ولاحظ كيف كان القات هو "المفتاح" الذي يفتح ألسنة السياسيين والمقاتلين ليدلوا بأسرار لا يمكن قولها في ظروف أخرى.
​وصف زيته حالة "التخزين" بدقة وما يحدث لمن يتناول القات مشيراً إلى مراحلها:
​البداية: النشوة والتدفق في الأفكار والحديث.
وحتى ​الذروة التي يطلق عليها الساعة السليمانية... حيث يشعر المخزن بالقدرة على حل مشاكل العالم ...
وبعدها تأتي ​النهاية وهي مرحلة الانطواء أو الكآبة الخفيفة بعد انتهاء الجلسة....
​كصحفي استقصائي... لم يغفل زيته الجانب المظلم لتناول القات في حياة المجتمع اليمني ...
ف تحدث عن كيفية استنزاف القات لميزانية الأسرة اليمنية...وللوقت المنتج.
كما أشار إلى أن زراعة القات بدأت تلتهم الأراضي التي كانت مخصصة لزراعة البن اليمني الشهير والمحاصيل الغذائية...مما جعل اليمن "بؤرة صراع" حتى مع لقمة العيش...
كما ​لاحظ زيته أن القات يكسر الحواجز الطبقية أحياناً...ففي المقيل قد يجلس الوزير بجانب المواطن البسيط....والشيخ بجانب الجندي مما يخلق نوعاً من "الديمقراطية القبلية" الفريدة التي لم يرها في بلدان أخرى...
وأشار إلى رأي الأطباء حول القات...فهناك من يعده مادة تنشيط وتسلية غير ضارة أي يعتبرونه "بيرة اليمنيين" ...
لكن البعض الآخر يعتبره من المخدرات أي آفة عامة...
مثير للانتباه رؤية القات من وجهة نظر صحفي غريب بعيدا عن آراء من أدمن تناوله....
 


 

دون كيخوت دِ لامانتشا لميغيل دِثربانتس

 

دون كيخوت دِ لامانتشا لميغيل دِثربانتس يعد من أهم الأعمال في تاريخ الأدب على رأي النقاد...
تدور القصة حول ألونسو كيخانو النبيل الإسباني الريفي متقاعد الذي يفرط في قراءة روايات الفروسية القديمة... لدرجة أن يُصاب بالجنون فيقرر أن يصبح فارسا متجولا باسم دون كيخوت دِ لامانتشا...ساعيا لإحياء الفروسية وحماية المظلومين.... يرافقه سانشو بانثا جاره الفلاح البسيط والساذج فيصبح تابعا أو حاملا لسلاحه...
 
تدور أحداث الكتاب حول الصراع بين الوهم والواقع
وكأن الهدف الأساسي للكاتب هو نقد والسخرية من أدب الفروسية الذي أصبح باليا وغير واقعي في عصره...
 
وفي الجزء الثاني من الكتاب يظهر تطور لافتا في البناء الروائي عندما يجد القارئ أن شخصيات الرواية قد قرأت بالفعل مغامراتها التي نشرت في الجزء الأول...
بعد عدد من المغامرات الزائفة يأتي الفصل الأخير الذي ينتهي بموت بطل الحكاية بعد أن يعود لشخصيته الحقيقية ويتبرأ من شخصية دون كيخوت ومن أعمال الفروسية ...
وينتهي الجزء الثاني من الكتاب بالعبارة التي يوجه الراوي كلامه للقارئ:
"ولم يكن هدفي غير أن أبعث الملل عند الناس من حكايات كتب الفروسية المزيفة والحمقاء، فهي ستصطدم بحكايات دون كيخوت الحقيقي وستسقط دون أدنى شك". والسلام.
 
يستمتع القارئ بمغامرات دون كيخوت وحامل سلاحه عبر 1130 صفحة يجد نفسه في بعض الصفحات لايستطيع كتم ضحكاته لظرف المواقف التي يقع فيها بطل الحكايات وحامل سلاحه ...
 
في مدريد يجد الزائر للمدينة نصب تذكاري للكاتب ثربانتس وبطل حكايته دون كيخوت على حصانه روثينانت وهو ممسكا برمح طويل...وحامل سلاحه سانتشو على حماره...
 




الإخوة كارامازوف-المجلد الرابع لدوستويفسكي، ترجمة سامي الدروبي:

 

تتوزع بقية أحداث الرواية في هذا المجلد على أربعة أبواب:
في الباب العاشر الذي يحمل عنوان الصبيان يربط
دوستويفسكي الصراع النفسي لعائلة كارامازوف بالجيل الروسي الصاعد ...الأطفال هم مستقبل البلاد...
 
نرى الدور الذي يلعبه أليوشا مع الأطفال فهو بحسب رغبة الشيخ زوسيما الذي طلب منه الخروج من الكنيسة ومواجهة الحياة ، نراه هنا يمارس ما يؤمن به من التسامح والحب بين الأطفال وعن طريق التعامل الطيب يستطيع وضع بذرة التغيير والتسامح بين الأطفال ..
 
الباب الحادي عشر: الأخ إيفان فيدوروفتش، في هذا الباب يعيش القارئ ذروة الرمزية الفلسفية ...
 
جنون وتهيؤات إيفان وحديثه مع الشيطان يمثل تجسيد للجانب المظلم من فكر إيفان الذي يتصارع مع أفكار المنطق والإلحاد بعيدا عن حقائق الإيمان وكأن الجنون هو النتيجة الطبيعية للفخر العقلي ...
 
في الباب الثاني عشر: الذي يحمل عنوان خطأ قانوني ...نرى كيف تتخبط العدالة الإنسانية العمياء في المحاكمة التي ترمز لعدم كفاءة القوانين ، وكيف يدين وكيل النيابة المتهم بناء على أدلة سطحية وظرفية...
مرافعة المحامي كانت رائعة لكن الحكم يدل على فشل البشر بتحقيق العدالة وكيف تتأثر أحكامهم بنظرتهم للمتهم والأحكام المسبقة حتى في غياب أدلة واضحة ..
مرافعة المحامي عرت المجتمع وقوانينه الظالمة التي لا تدين أب يحرم الأبناء من الحب والعطف
"إن بين الآباء من هم كارثة"
 
"يجب أن نبرهن على أن التقدم الذي تحقق في هذه السنين
قد شمل تطورنا الروحي والأخلاق.
يجب أن نعلن بغير تردد أنه ليس يكفي المرء أن ينسل نسلا حتى يكون أبا، وإنما ينبغي له أن يستحق شرف هذا الاسم أنا أعلم أن هناك رأيا مختلفا عن هذا الرأي ، أن هناك فهما آخر لمعنى كلمة الأب، هو أن أبي يظل أبي ولو كان شيطانا رجيما ومجرما عاتيا في حق أولاده، وذلك لمجرد أنه أوجدني.
ولكن هذا التصور تصور غيبي إن صح التعبير ، تصور لا يستطيع أن يدركه العقل، ولا يمكن قبوله إلا على أنه عقيدة وإيمان، مثله كمثل كثير من الأمور التي لا يفهمها عقلنا ولكن الدين يأمرنا أن نؤمن بها. ومثل هذا التصور يبقى عندئذ في خارج الحياة الواقعية "
 
تنتهي الرواية بخلاصة فلسفية...حيث ترى أن الحياة رغم معاناتها لكنها ملأى بالجمال الذي يمكن العثور عليه من خلال الإيمان بالخير...
 

 

كتابي الجديد: على طريق الغيوم

 صدر كتابي الجديد: على طريق الغيوم وهو من نوع أدب الرحلات. 

الناشر: دائرة الثقافة بالشارقة 

ويعرض الآن بمعرض الكتاب بالشارقة الذي بدأ يوم 5 نوفمبر ويستمر حتى يوم 16 نوفمبر.

الكتاب عن انطباعاتي لزيارات لعدد من الدول مثل: 

ألمانيا، إيطاليا، جيبوتي ، مصر ، أذربيجان، رواندا، إسبانيا، كينيا، اليونان، وسويسرا. 

الانطباعات عما لفت انتباهي في تلك البلاد وعن أهلها، وشيء من تاريخها. 

 

"دائما هناك في القلب شيء لا يحكى، هو سر ابتسامتك المفاجأة..
عالمك الخاص، لكن يأتي وقت تريد فيه أن تطفو تلك الذكريات على السطح، أن تتخذ طريقها للغيوم، لعلها تنزل مطراً يروي عطش الذاكرة.
كان الوقت متأخرا، عندما قررت السفر مرة أخرى، ولكن هذه المرة داخل أروقة ذاكرتي، وقد ارتفع من الشرق قمر أبيض، خفف الغسق، وزاد وضوح الحدود الخارجية للمنازل المحيطة بي على طول الشارع، ليرسم لي حدوداً داخلية، لم أتحرر منها إلا والكلمات تنساب بكل حرية، لتملأ الصفحات البيضاء أمامي."
جزء مما جاء في أول صفحة للكتاب ...
 

 


 

قراءة لرواية: الأخوة كارامازوف - المجلد الثالث لدوستويفسكي ترجمة : سامي الدروبي

 


الجزء الثالث من الرواية يحتوي على الأبواب من السابع حتى التاسع....
هذا الجزء يشكل ذروة الصراع النفسي والفلسفي...حيث . تتكثف المواضيع الرئيسية في الرواية:
الإيمان والإلحاد والحرية والمسؤولية الأخلاقية والذنب والمعاناة....
​​الباب السابع يحمل عنوان: أليوشا...هنا ترصد الرواية لحظة انهيار الإيمان ... لحظة ​صدمة أليوشا ومظاهر الانهيار النفسي والروحي لأليوشا وهو الشخصية التي تمثل الإيمان النقي والرحمة....
 
تحدث وفاة الراهب الأب زوسيما وصدمة تحلل جسده وانبعاث الرائحة الأمر الذي شكل صدمة هائلة للمؤمنين الذين كانوا يتوقعون حدوث معجزة أو عدم تحلل الجسد كما يظن
الجميع أنه يحدث عادة للقديسين.
​فيواجه أليوشا لحظات قاسية تهز إيمانه....
فيبتعد عن الرهبنة وتحت تأثير الصدمة يقع تحت تأثير أفكار الآخرين ...خاصة الأفكار المادية والمُتشككة.
ترتبط عادة الأديان بالكثير من المعجزات ولكن ماذا يحدث عندما تنهار تلك المعجزات؟
هل يضيع الإيمان أم ينبعث إيمانه حقيقي يقوم على الفهم الحقيقي للدين وغاياته بعيدا عن أفكار البسطاء!!!
 
الباب الثامن بعنوان ميتيا وهو الابن الأكبر من الإخوة كارامازوف....
يركز هذا الباب على الدوافع الداخلية والأحداث التي سبقت لحظة القتل المباشر... ويصوّر تخبط ميتيا وفوضاه العاطفية والمالية....
​يبرع دوستويفسكي في تصوير مشاهد الصراع الذي يعيشه ميتيا وكيف يجد نفسه في مأزق رهيب....
إنه مدين لخطيبته السابقة كاترينا إيفانوفنا بمبلغ كبير ويحتاج بشدة إلى المال للهروب مع عشيقته جروشينكا....
هذا الضغط يدفعه إلى تصرفات حمقاء ... ويزيد من حدة كراهيته لوالده الذي ينافسه على جروشينكا.
 
​بتابع القارئ تفاصيل تصرفات ميتيا الذي يفقد القدرة على التحكم بأفعاله وهو يخشى أن يفقد جروشينكا خاصة عندما يعتقد أنها قد تكون في منزل والده...
ويأتي مشهد ضربه للخادم جريجوري الذي يحاول منعه من الدخول للبيت....
كل هذه اللحظات الحمقاء ستتراكم لتصبح أدلة تدينه في حادثة قتل لم يرتكبها .
​في ذروة يأس ميتيا يقرر أن ينتحر ...
عندما يلتقي بجروشينكا بعد أن لحق بها يتجهزان لقضاء ليلة صاخبة مع آخرين ويقرر أنه سيطلق النار على نفسه في الصباح. 
 
​ الباب التاسع: التحقيق التمهيدي
في ​هذا الباب الدرامي يتغير فيه مصير ميتيا وتنتقل أحداث الرواية من الصراع النفسي الداخلي إلى الواقع القاسي للعدالة البشرية....
يتهم ميتيا بقتل والده...
 
بعد ​العثور على الأب فيودور مقتولا توجه أصابع الاتهام على الفور إلى ميتيا بسبب تاريخه العنيف...وتهديداته العلنية لوالده ...وصراعهما على المال والمرأة.
​يبدأ التحقيق مع ميتيا ويقوم المحققون بعملية التحقيق والاستجواب في النزل حيث كان ميتيا مع جروشينكا.
​ يصر ميتيا على براءته من القتل..... ويروي قصته حول كيفية حصوله على المال الذي أنفقه لكن المحققين لا يصدقونه...وهنا المشكلة عندما يصبح الشخص متهما وحيدا وتشير كل الأدلة ضده رغم براءته حيث يسير التحقيق حول إثبات التهمة وإهمال أي إشارة لبراءته...
و​الخلاصة المأساوية....أن الأدلة الظرفية التي تترابط لتؤكد التهمة بشخص بريء مثل تهديداته...صراعاته...وجوده في المنطقة... واعترافه بتوقه للقتل...والمال الذي أنفقه...تتراكم جميعها ضده لتثبت التهمة.
المحققون بدورهم مستندين إلى التحليل النفسي لشخصيته المندفعة والشهوانية يذهبون دون دليل مادي إلى أنه هو القاتل...
يتم اعتقال ميتيا بتهمة قتل والده... وهي النقطة التي تحول ميتيا من فوضوي عاطفي إلى شهيد للمعاناة التي لم يكن مسؤولا عنها بالكامل ولكن كل ذلك يدفع القارئ للتفكير عن حقيقة العدالة وكيف يتم التعامل مع من تشير إليه الأدلة بأنه هو القاتل رغم براءته وكيف يتجاهل الناس الحقائق ويسيرون في تأكيد التهمة على شخصية بريء لأسباب كثيرة ...
 
كيف يشهد من لا يعرف شيئا...
كيف يؤكد التهمة من لا علم له بما حدث !!!!
لماذا يتصرف الناس بهذه الطريقة الغريبة ويتسببون بتدمير إنسان لم يسيء اليهم؟
 
 
 

 

رواية: من أنت أيها الملاك؟ لإبراهيم الكوني



هل يحق للإنسان أن يطلق على مولوده الجديد الاسم الذي يختاره هو؟
ماذا يحدث إذا رفضت السلطات الاسم الذي تختاره لابنك؟
لماذا نختار اسم بعينه ؟ هل للأسماء دلالات مهمة أم أنها كما يقال في التعبير الشعبي مجرد خطام؟

بطل الرواية مسي هو الطارقي أو الأمازيغي الذي ينتقل إلى المدينة...ويذهب لاستخراج شهادة ميلاد لابنه الذي يختار له اسم يوجرتن....
مسي يعني مولاي ويوجرتن يعني البطل الكبير في لغة الأمازيغ....وهما اسمان لهما دلالة عميقة في تاريخهم ووصايا أسلافهم

تبدأ مأساة الرواية برفض موظف السجل المدني تسجيل اسم المولود يوجرتن... بحجة أنه:
"اسم ليس منا، بلسان ليس من زماننا، لإنسان ليس من زماننا" وأنه اسم وثني غير مُدرج في لائحة الأسماء المنزلة.....
وجود لائحة منزلة للأسماء أو لائحة بالأسماء المسموح بها يثير التساؤل بحجم تدخلات السلطة في خصوصيات الناس وتفضيلاتهم وأسباب ذلك التدخل؟
هي نقطة تستحق الوقوف عندها لأنها نقطة جوهرية في الرواية ...


رغم رفض الموظف للاسم الذي اختاره مسي لابنه إلا أنه يصر على ذلك الاسم وهكذا تنطلق رحلة بطل الرواية في دوامة إدارية بيروقراطية وعنكبوتية محفوفة بالانتظار واليأس... في محاولته لإثبات حق ابنه في اسمه... وهو ما يوازي التمسك بـ الهوية والتاريخ.
تصرفات الموظف تذكرنا بمشكلة تعامل المواطن في أغلب الدوائر الحكومية حيث يصبح المواطن ضحية لموظف يفرغ فيه كل احباطاته وعقده !!!!
دون تسجيل الاسم رسميا لا يكون للشخص وجود قانوني في البلد ...
فالمدرسة ترفض تسجيل الطفل ...
دون أوراق ثبوتيه يصدرها السجل المدني يكون الإنسان شبحا لا أحد يعترف به ولا حقوق له ...


تتدهور العلاقة بين الأب والابن الذي يلوم أباه على هذا الاسم الغريب الذي لم ترض عنه السلطات...

من المنطقي أن يتحول الابن لخارج عن القانون وينضم لجماعة تتبنى العنف وتخطط لنسف مبنى السجل المدني ...
فهل السلطات هي من تفرخ الجماعات العنيفة والخارجة عن القانون ؟

تنتهي الرواية بطريقة مأساوية مفاجئة عندما يقتل الأب ابنه....
الرواية تناقش أزمة الهوية والانتماء ...ومعضلة التنوع في البلد الذي لا تعترف به السلطات...
السلطات تريد لون واحد وتعمل على طمس بقية ألوان الطيف أو التنوع في المجتمع العربي ... والرواية تركز على واقع الشعب الامازيغي أو الطوارق في ليبيا...
ترمز الرواية إلى الفناء المحتوم لشعب تحول السلطات بينه وبين ثقافته ومن تلك الثقافة الأسماء وكل ما له صله بالثقافة ...

يشعر القارئ كأن الرواية صرخة يائسه تعكس استسلام هذا الشعب لقدر محتوم يهدد بإنهاء ثقافته واندثارها والتي جاءت في الرواية بمشهد مقتل الابن الذي يمثل اندثار ثقافة ذلك الشعب بين الأجيال الجديدة التي لا تعرف الكثير عن ثقافة الآباء والأجداد وصعوبة الصراع بين الاقليات والسلطات للحفاظ على هويتها...
في الرواية الصحراء هي رمزية النقاء والحرية والتاريخ وثقافة الأجداد ووصاياهم والهوية الأمازيغية...
المدينة هي رمزية السلطة والقهر والبيروقراطية والاستسلام وضياع الهوية والواقع الحاضر
اللائحة المنزلة للأسماء ترمز للقانون الجائر والسلطة القامعة وصهر الهويات وطمس أي إختلاف ...
في الرواية يستعين الكاتب بمرويات ونصوص من الكتاب المقدس وقصص الأنبياء وخاصة ابراهيم مع ابنه الذي هم بذبحه لكن الملاك يأتي منقذا للابن ...
وهنا يأتي عنوان الرواية الذي يذكر الملاك ويتساءل عن حقيقته...

الرواية عمل عميق يناقش قضايا سياسية واجتماعية تتعلق بحقوق الأقليات في المجتمعات العربية
معتمدا على لغة أدبية جميلة تمزج بين الحدث الواقعي والترميز الفلسفي ليعبر عن عمق الاغتراب والتهميش الذي يعانيه الإنسان الذي يفقد اسمه...يفقد حرية الاختيار ... فيفقد بذلك وجوده وانتمائه في نظر السلطة.