ثلاث رسائل من قارئ لرواية إضرام النيران

 

ما سأكتبه ليس نقد للكتاب..
لكن مقدمة عن القارئ..
* قد تكتبين من حياتي روايات رائعة...
* هناك مقولة نسمعها دائما هي.. لكل أجل كتاب..
أنا أضفت إليها ولكل كتاب أجل.. طبعا هناك فرق في المضمون لكنها تعنيني شكلا..
بمعنى عندما اشتري كتاب لا أباشر بقراءته ولكن أضعه جانبا حتى أجد الرغبة الكاملة بقراءته سوى تلك الرغبه كانت بشكل مباشر أوغير مباشر...
المهم بعد أن أرسلتي الرواية كنت أرغب أن أضعها جانبا حتى يحين وقتها لكن طلبك لنقد الرواية جعلني اتعجل...
بدأت أقرأ أول عبارة..
[ التعليم اضرام النيران وليس ملئ الوعاء}
همت بهذه العبارة أيام ورغبت أن أفهمها فهم إدراكي...
بحثت عنها في النت وجدت من حاول يبسطها للقارئ فكتبها..
{ التعليم هو إيقاد شعلة وليس ملئ الوعاء} ونسبها للفيلسوف سقراط قد يكون المعنى متقارب بين العبارتين لكن روح سقراط في عبارة{ إضرام النيران }
قرأت الصفحات الاولى فوجدت دمج بين البطلة وشخصك هذا بالنسبه لي أنا..
عندما تحدثت عن مدرسة سالم الصباح لي معها حكاية وعندما تحدثت عن العادات وعلاقتها بالفتاه المتعلمة..
وجدت نفسي فيها حيث قررت أن أكسر هذه الحواجز المجتمعية فوافقت على سفر ابنتي للدراسة في تركيا لأن رغبتها كانت عارمة..
وهذا الموضوع بكل تفاصيلة يصلح أن يكون رواية واقعية ناجحة..
كانت المنحة من ضمن المنح المقدمة من تركيا وكانت المنحة هندسة معمارية لكن بعد عام من الدراسة طبعا بعد سنة اللغة حولت إدارة أعمال...
طبعا ضاقت ظروفنا المادية ولم نستطيع مواصلة دعمها ماديا فاضطرت إلى البحث عن عمل كي تستطيع مواصلة الدراسة..
ومنذ أربع سنوات لم تستطيع زيارتنا في اليمن.. 
 
فبعد أن قرأت الصفحات الاولى في روايتك قلت في نفسي ليتني كنت متزمتا ولم ألبي رغبتها في السفر..
وعندما تكلمتي عن مديرة المدرسة سميره إنما خطر ببالي سميره النجار هي بنفس الاسلوب التي تحدثت عنه.. وتعمل حاليا مديرة مدرسة حنيش الابتدائية...
وعندما تحدثت عن المعاهد العلمية وطريقة اختيارهم لكوادرهم..
هي معانات وطن صعب التخلص منها...
وتوقفت عند الصفحة [13} ..
اعتقد أن هذا الأسلوب أو هذا النوع من الروايات يكون بمثابة التوثيق لأزمنه وأماكن تتخللها طيات الرواية.. وهذا النوع من الروايات تعجبني جدا مثل رواية عزازيل ليوسف زيدان..
واليهودي الحالي..لعلي المقري..
وكذلك بخور عدني لعلي المقري...
..وشفرة دافنشي.. لدان براون..
والخيميائي لباولو كويلو.. وهكذا..
سأقرأ الرواية كاملة وسأكتب لك ليس نقدا إنما رأي صادقا...
*****
اليوم قرأت إلى صفحة 25 وكان عندما يقطع أحد القراءة الزوجه أو الأولاد أعود منذ بداية الصفحة..
في الصفحة 15 وأنت في أحد دروس المواعظ من مديرة المدرسة عندما قالت لك: اسمعي يا أحلام ادركت انك بطلة الاحداث وهذا ما أعطاني الرغبة في القراءة بتروي..
اعجبني الاستاذ عبدالله في الصفحة 18 عندما قال لو استمر حال الوزاة هكذا نحتاج مبيد ونأتي بكوادر حقيقية كي تنهض اليمن ولم يكن التعثر في مجال التربية والتعليم رغم انه الأهم لكن كان في كل الكيانات الاداري والاقتصادي والعسكري والسياسي..
مثل هذه المقولة الرائعة للاستاذ عبدالله.. قالها الدكتور محمد عابد الجابري بعد أن أكمل كوكبته من كتب نقد العقل العربي...
حيث قال لاحل للعقل العربي العقيم سوى إبادة المورثات السابقة ونأتي بفكر إنساني جيد ونسلكه كي ننهض..
طبعا ماطرحه هو من باب الإحباط لأن تلك الفكرة مستحيلة... الله يرحمة..
توثيق رائع سوف تخلد مثل هذه الكتب... 
 
*تساؤلك حول سبب وجود الاحذيه التشيكية لأنه كان في شبه علاقه تجارية مع اليمن مثل البنادق الشيكي والاحذية البنيه والحبال آنذاك وسلع أخرى..
سأستمر بالقراءة للرواية
كلما قرأت أحس بمتعه..
السلام على كل من تمرد على الاعوجاج كي يجعله سوياً..
................................................
هذا اليوم كان آخر أيام دوامي في عملي مع بداية إجازة العيد...
وجدتها فرصه في الليل نقلت الرواية من جهاز التلفون الى جهاز تابلت لان القراءة في هذا الجهاز تعطيني الشعور بقراءة كتاب ورقي...
وضعت وسادة خلف ظهري وقرأت الرواية من أول صفحة حتى آخرصفحة رقم 202 بكل شغف وتمعن..
عادة وأنا أقرأ في الروايات وخاصة العالمية منها أجد فيها خيط ذو طرفين يربط أحد طرفيه في عنوان الرواية وينسدل ذلك الخيط بين صفحاتها ليربط الطرف الآخر في الخاتمة...
لم أجد ذلك الخيط في الرواية وهذا شيئ طبيعي كون الرواية سرد أحداث حقيقية لايستطيع الكاتب التغيير فيها..
* الرواية كانت بمثابة عرض رائع لحقيقة الأحداث ليس على المستوى اليمني فحسب بل وصلت إلى المستوى الاقليمي أيضا لتظهر في طياتها حقيقة الشخصية العربية والتجذر الدكتاتوري فيها أينما كانت { مع عدم التعميم}
*كنت اعتقد انني سأجد ظالتي في الرواية للمعنى الشمولي للمقولة الفلسفية لسقراط ..
{التعليم إضرام النيران وليس ملئ الوعاء} لكنني لم أجدها...حاولتي إيجادها شكلا في آخر عبارة في الرواية..
فالدول التي يوجد فيها القوانين الجيدة والمنظمة لكل شيئ لاتحتاجي إلى إضرام النيران فيها. وتظل الفرصة سانحة للمبدعين..
*في ال100 الصفحة الاولى من الرواية كانت رائعة وخاصة للمهتمين ومن عاشوا تلك المراحل في حياتهم..
بعدها ال50صفحة تجعل القارئ يتململ نتيجة السرد الاجباري للأحداث من قبل الكاتب التي كنتِ حريصه على عدم تخطي أي مرحلة...
 
في ال50 الصفحة الاخيرة عاد الشغف بدخولك المدرسة الليبية مرورا بالمدرسة السعودية..
*قلت في خاطري بعد الانتهاء من الرواية لوكان اسمها{ ألابلة أحلام}
كانت مناسبة أكثر لمسيرة واقعية لبطلة الرواية...
 
اكتب لك بسرعة بعد إنتهاء العمل في هذا اليوم وقراءة الرواية بشكل متصل..
... التوثيق أخذ الجزء الاكبر في الرواية قد يكون دون قصد مباشر منك وهذا رائع بحد ذاته...
**
سأظل ابحث بحث ادراكي عن تلك الحكمة الفلسفية لسقراط عسى ان اجد المعنى الشمولي لها...
.......................... ...................
أتمنى لك التوفيق والنجاح في حياتك أينما كنت..
وأحب أن نتذكر بأن أشهر الأعمال الروائية العالمية هي أصلا فكرة في كل رواية من تلك الروايات فلنبحث عن تلك الأفكار مستقبلا بقدر ما نستطيع...
الاربعاء 20مايو2020م 5.18دقيقة فجرا...
المعذرة على التأخير...

[شكرا لصبرك حتى نهاية الكتاب أيها القارئ....وممتنة لرأيك وسعيدة لتواصلك معي]

 
 
 

كتاب: عزيزي الكاتب للصحفي الإيطالي ريكاردو بوزي

 

كتاب من نوع مختلف ...
فكرة الكتاب جميلة ومثيرة للاهتمام حيث يتخيل الكاتب خمسين رسالة رفض من دور النشر المعاصرة موجهة لأشهر الكتاب مثل:
شكسبير ، فرجينيا وولف، جيمس جويس، هوميروس، مارسيل بروست، صامويل بيكيت، كافكا، هوميروس، وغيرهم ...
تخيل الكاتب أن هؤلاء الكتاب الأكثر شهرة قدموا أعمالهم لدور نشر حديثة وكيف سيكون رد تلك الدور على أساس معايير السوق والعولمة التي تحكم عالمنا اليوم...
 
الكتاب مدعوم برسومات هزلية للفنانين...
 
يخيل إلي ان الكاتب عبر عن رأيه في تلك الأعمال بطريقة لطيفة !!!
من الرسائل التي أعجبتني رسالة رفض "بحثا عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست والتي أوردها هنا كاملة لأني استمتعت بها واظن من قرأ المجلدات السبع للرواية سيستمتع برأي الكاتب فيها: 
 
" مارسيل بروست‏
‫البحث عن الزمن المفقود
‫ لمدّة طويلة كنت أنام في وقت متأخّر. متأخّر جدّاً. كنت أواجه صعوبة في النّوم، وحتى لو استطعتُ النوم مبكراً، إلا أني كنت أستيقظ بعد الغفو مباشرة. وهكذا دواليك، طوال الليل. بمعنى آخر، كنت أعاني نوعاً حاداً من الأرَق، لا يمكن لأيّ ترياق أو مادّة مباحةً أو محظورة أن تداويه.
‫ بعدها جاء يومٌ، كلّ شيء تغيّر.
‫ ها قد وصل مخطوطكم بصفحاته التي تربو على سبعة ملايين.
‫ وكنت أنا المحظوظ الذي قد تمَّ اختياره لقراءته.
‫ في البداية، كان الأمر مزعجاً. كنت أقرؤه في المكتب، كما يحصل عادةً، كما ترى، فالأمر رغم كلّ شيء متعلّق بالمهنة.
‫ لكن، بفعلي لذلك، صرت أنام فوق طاولتي. صرت أفيق بعد مدّة من الزمن وسط تهكّم زملائي.
‫ «حلقات كاملة من المخدِّر، هذا بالضبط هو مصدر القلق»، كنت أقول لنفسي. لكني في النهاية فهمت: لم يكن الأمر متعلقاً بالخَدر، كان كتابُك.
‫ حملته إلى بيتي على سبيل التجربة.
‫ لاحظت أن بعض أسماء الأماكن أو الأشخاص مثل «كومبري/ Combray"، «تانت ليوني/Tante Leonie»، أو «غيرمانت/ Guermantes»، كان تأثيرها عليّ يعادل تأثير قرصين من الدواء الذي أتجرعه كي أنام.
‫ لا بأس، لكن ثمة أشياء بعد سأرويها. كان يلزمني شيء أقوى. حين تابعت القراءة وجدته الترياق المطلق المضاد للقلق.
‫ أنت تعرف حتماً حول أي شيء سأتكلم.
‫ حلوى المادلين / La madeleine.
‫ هذه الصفحة اللعينة أصابتني مباشرة بالضربة القاضية.
‫ لساعات وساعات. يكفي أن أتذكّرها الآن، ليهتزّ بدني بأكمله، ززز.
‫ هل ترى، عزيزي فالنتين لويس جورج أوجين مارسيل (أيتها الآلهة الكبيرة، حتّى اسمك الكامل منوِّم). هذه الصفحة وحدها، أسوأ (أو أفضل) من خليط من الأفيون، وحبوب الهلوسة، وتلك القذارات التي يتمّ التداول بها في مصاعد البنايات. إنها تنجح في أن تخلط تفاهة الحياة بذكريات شخص لا تمتّ أنت إليه بصِلة، والمللَ الداخلي في المشهد لشخص يتذوّق الحلوى مع كوب من الشاي بحالة الغيبوبة التي لا تطاق والتي تدفعك لأن تصغي لغريب يتحدّث عن عائلته. برافو. إنها قفزة هائلة للعلم. يمكننا رسمياً الإعلان أنّ الأرق، هذه الندبة القديمة في النوع الإنساني، قد تمّ القضاء عليها.
‫ غير أننا دار للنشر، مارسيل، ولسنا مختبراً للصيدلة.
‫ والآن، لأحيلك إلى «أضع الكوب من يدي وأعود إلى ذهني».
‫ بحشرية بسيطة، من كل العجائب التي تقدمها فرنسا الرقيقة في عالم الباتيسري، لماذا كان عليكم اختيار المادلين، هذه القطعة التافهة من العجين، الاسفنجية، إيتوف كريتيان(2)؟
‫ بينما هناك السان هونوريه، حلوى الماكارون، التارت تاتين، حلوى الإكلير: لماذا المادلين؟ لماذا أوه، لماذا، فالنتين لويس جورج، ززز؟
‫ لماذا هي نصف مطبوخة أيضاً؟ حبّاً بالرَّب؟
قضيت فترة طويلة ومكثّفة من حياتي مع خليلي الذي كان يحضّرها بسرعة فائقة.
‫ «الأمر بمنتهى البساطة»، كان يقول. كان ذلك يحصل على الفطور، يوم الأحد. كان كائناً محبّاً بمنتهى الرقّة.
‫ أشتاق إليه، هو، والحلوى نصف المطبوخة.
‫ آه من الذكريات.
‫ (2) إيتوف كريتيان: طبّاخ فرنسي شهير. "
 
********
 
ياخذنا الصحفي عبر صفحات الكتاب في رحلة مع عدد من الكتاب الأكثر شهرة لنرى رد فعل دور النشر المعاصرة وهي ترسل للمؤلف رسالة رفض لعمله ...
 
خيال جميل يجعلنا نتساءل عن عدد الأعمال الرائعة التي ترفض دور النشر نشرها ...
اخترت من تلك الرسائل رسالة الرفض للأوديسة لهوميروس: 
 
" الأوديسة
‫ أوك، صديقي. أرى أنك لست من نوع الكُتّاب الذي يستسلم بسهولة. لو كنت أنا الذي استلمت رسالة رفض شبيهة بالتي قد أرسلناها إليك بخصوص «الإلياذة»، أجزم لك بأنني لن أعود البتّة لـ»تأليف» أي شيء. بالتأكيد لا مزيد من «القصائد الملحمية». لكن أستنتج بأنّك مصرّ تماماً على هذا النوع. حسناً.
‫ رغم أنها أفضل من عملك الأول بشكل طفيف، لكن هذه الأوديسة تظل في خانة الضلال. طويلة أكثر مما ينبغي لقصة بسيطة تتعلق بالعودة إلى الوطن، رغم حبكة البطل والجانب الظريف لمغامراته على طول السفر.
‫ لكن هذا ليس بالمشكل الأساسي. الواقع أن هناك أشياء عديدة غير مقبولة بشكل مطلق. خذ تلك اللحظة التي يقع فيها البطل على تلك الفتيات الغريبات، الحريات العازفات ، وحين يطلب من رفاقه أن يسدوا آذانهم بالشمع هل تظن الأمر في غاية الحكمة؟ تقودني مخيلتي إلى مراهقين يقومون بمحاكاتهم ويتلفون جهاز السمع خاصتهم ليستحيلوا صُمّاً ربما، وليقاضينا ذووهم بعدها. كلا، شكراً.
‫ وهذا العملاق، المتعدد المواهب، المارد المعوق، الذي يهلك بالمكيدة التي يدبرها له بطلك حين يقتلع عينه الوحيدة. المشهد كذلك مقرف ومقزز. كل هذا المقطع يجب حذفه. وفي المشهد ذاته، يفلت رفاق «البطل» من قبضة المارد بأن يندسوا في بطون الغنم ـ أهلاً بالعنف تجاه الحيوانات.
‫ كل ذلك لم يحرك مشاعرك حتّى. حسناً، أظن أن الجواب هو: كلا. وداعاً صديقي القديم. أتمنى لك حظاً طيباً في مشاريعك القادمة.
‫ ملاحظة: لا أريد انتهاك خصوصيتك بأي شكل، لكن ألا ترغب بطريقة ما ان تكشف لي عن هويتك الحقيقية؟
أقسم لك اني لن أفشي السر لأحد، اجد نفسي مغفلا قليلا طالما أجهل من أنت "
 
صاحب دار النشر هذا كان سيحرمنا من أحدث الأفلام الملحمية !!!

 
 

" التصنيف العرقي والمناطقي والانقسام الاجتماعي"

 

نظرة سريعة على بعض التعليقات على صفحات الفيسبوك تصيب المرء بالذهول لحجم الكراهية التي تفوح من التعليقات التي تقطر حقدا وكراهية، الأدهى أن هناك أوراقا بحثية عن الوضع في اليمن لمختصين تصيب القارئ بكثير من الدهشة والذهول لكم المغالطات فيها، دراسات أبسط ما نقول عنها إنها تفيض بغضا وتحريضا، أبحاث علمية لا علاقة لها بالرصانة العلمية والموضوعية وتحري الدقة والموضوعية.
 
فيقفز التساؤل: ما الذي يحدث؟
هل نحن مجتمع مريض بالتعصب؟
لقد عشنا سنوات في مجتمع متسامح، لم نسمع عن التعصب والاختلاف المذهبي بهذه الحدة والقوة إلا في السنوات الأخيرة.
هل تظهر الأمراض الاجتماعية بشكل مفاجئ؟
هل تنفجر براكين الحقد والغضب والثارات بين أبناء مجتمع واحد هكذا بين يوم وليلة؟
ولكن في المقابل هل هناك بلد في العالم يعيش فيه مواطنون لا اختلافات ولا خلافات بينهم؟
هل هناك مجتمع نقي بمعنى أن جميع أفراده هم من نفس البلد منذ الآف السنين؟
 
هذا البلد غير موجود على أرض الواقع، لأن طبيعة حياة البشر التنقل وعدم الاستقرار منذ بدء التاريخ، البعض يتنقل بحثا عن الرزق في أماكن وبلدان أخرى والاستقرار فيها، والبعض يهرب طلبا للنجاة بحياتهم بسبب فظائع الحروب والاضطهاد، ولا ننسى أثر العوامل الطبيعية كالزلازل والبراكين والجفاف وغيرها.
 
عبر التاريخ اعتاد الناس التنقل من بلد لآخر، في هجرات جماعية أو فردية.
وبلد مثل اليمن بموقعه الجغرافي المتميز وطبيعته المتنوعه كان محطة لبعض القوافل عبر الزمن، فكما هاجر اليمنيون خارج اليمن، جاء واستقر في اليمن أناس من أماكن مختلفة، والتركيبة السكانية في اليمن متنوعة. اليمن كان ذات يوم جزءا من الإمبراطورية العثمانية وكل إمبراطورية تجلب رجالها ومواطنيها وتوطنهم في الأراضي التي تحكمها، عدن والحديدة والمخا مدن ساحلية شهدت عبر التاريخ نشاط تجاري دفع بكثير من الجنسيات المتنوعة للاستيطان في البلاد فذابوا بمرور الزمن في المجتمع اليمني وخاصة في المدن الرئيسية.
 
كما أن الإمبراطورية البريطانية التي احتلت جنوب اليمن والمعروفة بولعها الشديد بتغيير التركيبة السكانية لكل بلد تحتله، جلبت معها الهنود وغيرهم ووطنتهم في اليمن، وكلما عدنا إلى مسافات أبعد في التاريخ سنرى جموع البشر التي تستوطن، ونرى تلك التي تغادر. وسنرى اليمني يخرج مقاتلا في الجيوش في شمال أفريقيا وحتى الأندلس حيث يستقر هناك بعيد عن موطنه الأصلي ويتحول لمواطن في بلد آخر.
هناك ما يقارب 5 مليون اندونيسي من أصول يمنية، وأعداد ليست قليلة في ماليزيا وسنغافورة وجنوب الفلبين رحلوا من اليمن عبر عصور مختلفة لمزاولة التجارة واستقروا هناك، هم مواطنون لتلك الدول رغم أسمائهم العربية الواضحة لكنهم مواطنون لتلك البلدان بحكم العيش هناك لفترات طويلة لا أحد ينادي بطردهم وإعادتهم لليمن بلدهم الأصلي الذي أتوا منه. بل نرى من يحملون أسماء يمنية يتبوأون مناصب قيادية في تلك المجتمعات. وعلى سبيل المثال، حليمة يعقوب التي فازت بالانتخابات الرئاسية في سنغافورة رغم أنها من أصول هندية ومتزوجة بماليزي من أصل يمني، وهذا ما يسمى بالمواطنة في المجتمع المعاصر.
 
وجود الاختلافات والتنوع داخل كل مجتمع هو أحد سنن الكون، لكن الشيء المهم هنا، كيف يتم التعامل مع هذا التنوع والاختلاف والخلاف؟ وهذا ما يميز البلدان المتحضرة المستقرة عن غيرها من البلدان التي يكثر فيها الصراعات والقلاقل. رغم وجود نوع من العنصرية في الدول المتحضرة لكن يتم تطويقه وحصره في أضيق نطاق.
المجتمعات المتحضرة لها دساتير تصون حقوق جميع المواطنين مهما كانت أصولهم وخلفياتهم العرقية والدينية، الكل سواء أمام القانون، الكل لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، لا أحد فوق القانون.
 
عندما نلقي نظرة على دولة متحضرة نلاحظ الانسجام الاجتماعي، والاهتمام بالجميع وتوطين المهاجرين، والاعتراف بتنوع المواطنين الثقافي والعرقي وحتى الديني، والمسارعة في إيجاد حلول لدعم الشباب واستيعابهم ودمجهم في التخطيط لمستقبل البلاد ليشعروا بالثقة بالمستقبل ومستقبلهم في بلادهم، فالفقر والبطالة وانعدام العدالة كلها تؤدي، بكل تأكيد، للتشرذم والحقد المجتمعي.
ما يعيب مجتمعاتنا العربية هو المبالغة في تقدير الانتماء الاجتماعي الذي يرثه المرء. والمؤسف في الأمر أن المثقف اليمني لا يستطيع التحرر من هذه الثقافة المنغلقة، فينطلق من عقد ورثها ورضعها في طفولته، عقد انتقلت عبر الحكايات من الماضي المليء بالصراعات.. هذا المثقف لم ينجح تعليمه وثقافته في إكسابه عقلية علمية تتساءل وتحلل وتنقد مشاكل المجتمع اليمني نقدا بنّاءً ليساهم في البحث عن حلول لها.
 
المثقف اليمني يساهم في استمرار ثقافة الماضي بكل ما فيها من عيوب وأخطاء، فهو يعيش الحاضر بجسده، لكن عقله وفكره أسيران هناك في دهاليز الماضي، يجتر حكايات التاريخ المؤلمة وصراعات الماضي البغيضة وتسيطر عليه أفكار الثأر والانتقام.. في مجتمعنا وهو مجتمع تقليدي تجاوزه الزمن، يوجد صراع بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، عكس المجتمعات الحديثة التي يطور فيها الإنسان المعاصر مسارات للجمع بين المصلحتين، فالكل يفوز.
في تلك المجتمعات يخدم الناس مصالحهم الشخصية وهم في الوقت نفسه يساهمون في تطوير مجتمعاتهم وتقديم الخدمات للآخرين بغض النظر هل ينتمون لنفس العرق أم ينتمون لعرق آخر، وهم بذلك يساهمون في تطوير اقتصاد بلدهم وتقوية النسيج الاجتماعي فيه، ويعلمون أنهم يقدمون خدمة للبلد الذي سيتربى على ترابه أبناؤهم وأحفادهم بأمان.
 
مجتمعنا يقوم على التعصب للقبيلة، وللنسب والعرق، والدين، حتى بين المتعلمين ونخب المجتمع، في المجتمعات الحديثة يميل الناس للتآلف مع الآخرين، يعيشون ضمن نظام مرن قابل للتعديل والتطوير، نظام تعلم من دروس التاريخ وتخلى عن الكثير من العصبيات التي لا تتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، لكننا نعيش في نظام جامد ومنغلق، ولا يعترف بتغير الزمان.
وبالعودة للتساؤلات في بداية المقال عن حقيقة التعصب في مجتمعنا.. سنبدأ من مفهوم التصنيف، التصنيف هو عملية تمييز الأشياء إلى مجموعات بحيث كل مجموعة يكون بينها وحدات مشتركة من الصفات أو الخواص.
 
والتصنيف العرقي هو نظام يستخدم لتصنيف البشر إلى جماعات مختلفة حسب الخصائص الظاهرية، والأصول الجغرافية. الغريب أن التصنيف العرقي يقودنا للعنصرية ال Racism، حيث يكون هناك جماعة تظن أنها أفضل من غيرها وتبيح لنفسها ما تحرمه على الآخرين.
والسؤال هو: لماذا تنشأ الصراعات العرقية في أي مجتمع؟
جاء في كتاب لإيان لوو الذي يحمل عنوان “العنصرية والتعصب العرقي من التمييز إلى الإبادة الجماعية” أن “العامل السياسي هو السبب الأول، فالنظام السياسي الذي لا يتصف بالعدل يكون سبب لتفجر موجات الكراهية والعنصرية والتنازع للسيطرة على الموارد الاقتصادية، وكذلك التنازع حول فرص التعليم والتوظيف الحكومي، وقد ينشأ الصراع بحثا عن العدالة في تحديد الموارد ، وينتج عن عدم العدالة إحياء لتلك المزاعم القديمة وخلق مزاعم جديدة”.
 
وفي العادة “تتعايش مجموعات عديدة مختلفة ثقافيا وإثنيا بشكل سلمي بينها، ولكن عند نقطة بعينها يتفجر الصراع، إما بسبب الإهانة أو بسبب التهديدات التي تمس المصالح الحيوية للجماعة”.
باختصار، نجد أن هناك محاولات مستميتة للعب على وتر العداء الطائفي ونبش التعصب العرقي والمناطقي في اليمن في الوقت الحالي، رغم أنه لاخلاف سني شيعي حقيقي في بلادنا، نستطيع إدراك ذلك بسهولة من تواجد الناس وتعايشهم في مدينة مثل صنعاء جنبا إلى جنب. وبالتالي لا صراع طائفي في اليمن، ولا عرقي ولكن ما يحدث هو صراع سياسي. أطراف هذا الصراع يلجأون لاستخدام أوراق الاختلاف المذهبي والعرقي، رغم أن هذا يؤدي لتمزق النسيج الاجتماعي، لكن أطراف الصراع وفي سبيل تحقيق أهدافهم لا يبالون بتفتيت البلد وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
يصبح الخطر أكبر عندما ينقسم الناس فيؤيد البعض طرفا ويؤيد البعض الآخر الطرف الآخر، هنا يكون الخطر الحقيقي الذي يمزق اللحمة داخل البلد الواحد، ويحدث تهتك كبير بالنسيج الاجتماعي.
 
ما يحدث هو فعلا لعب بالنار، قوى سياسية تستخدم الورقة المذهبية والمناطقية لحشد الناس وضمان تأييدهم، وهي طرق تستدعي كل الخلافات التاريخية التي عفى عليها الزمن. خلافات مرت بها كثير من الشعوب وتجاوزتها، لكن لدينا من يصر على إثارة النعرات والبحث عن مبرر ديني لحربه ضد الطرف الآخر، حتى وصل الأمر لبعث السلالية والمناطقية والتي كادت تختفي بمرور الوقت وانتشار مساحة التعليم والوعي بين الناس، وبدلا من أن تصبح جزءا من تاريخ مضى ها هي تجد أياد عابثة تنفخ فيها الحياة مما يعزز من انتشار الكراهية باستدعاء كل الحزازات والأحقاد القديمة، والمخيف أن الأثر سيبقى لسنوات طويلة في النفوس لو استمر هذا الحشد البغيض.
 
هناك من يتعامل باستخفاف ساذج بالعقول، وينشر بين الناس محدودي الاطلاع أكاذيب كأنها حقائق، وينسى أن معالجة أخطاء التاريخ والماضي لا تتم بتدمير الحاضر ونسف المستقبل، فهذا انتقام من الجميع، كيف يتم الانتقام من شخوص الماضي في الحاضر. الانتقام الصحيح من كل مخلفات الماضي تتم بنشر العلم وقيم التسامح حتى لايبقى مجتمعنا أسير لذات الممارسات، ولنفس الطغاة الذين لا يقيمون وزنا لتطلعات المواطن اليمني للعيش بكرامة وأمن على أرضه.
 
الصراع والاختلاف طبيعي لأن الله خلق الناس باختلافاتهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين).
وهذه طبيعة الحياة، لكن كيف سنواجه هذا الاختلاف، وهذا الصراع؟
مستقبل البلاد يتوقف على هذا، كيف سنتعامل مع كل هذه الصراعات. هل سنعي أنه صراع سياسي يحاول جر الجميع للهاوية، فهل سنهوي باختيارنا؟ أم نستطيع أن نتخذ الخطوات التي تمنع المزيد من التدهور؟
كيف سنخفف من آثار هذا الصراع؟ هل نملك الشجاعة والقدرة على التعايش مع بعضنا رغم اختلافنا، واختلافاتنا؟
هل نستطيع أن نعتبر هذه الاختلافات تنوعا إيجابيا يثري حياتنا ونقبل ببعضنا ونتفق على قوانين وقواعد تنظم حياتنا وتضمن الحيلولة دون المزيد من الانحدار؟
 
نعم نحن بحاجة لأن نتغير، لأن نخرج من دوامة الماضي، لنقتنع أن الماضي حدث، ونحن نعترف به بكل ما فيه، لكن ما فيه بكل أحداثه هو قصص للعبرة ولتعلم الدروس وليس لشحن العواطف والإصرار على العيش في الماضي. فالهدف من دراسة التاريخ ينبغي أن يكون منع حدوث نفس أخطاء الماضي من جديد، ومنع وقوع الظلم على أي مكون من مكونات الجتمع اليمني تحت أي مبرر، فلا نصلح الأخطاء بالوقوع في أخطاء أكبر.
 
فهل نملك الخيار، خيار أن ننزلق للصراع الطائفي لتحقيق أطماع أهل السياسة، أو ترميم ما يمكن ترميمه لنعيش حياة كريمة؟
(مقال نشر بموقع منظمة نسيج بتاريخ 19يونيو 2020)

الجزء الثالث من رواية أطلس متململا لآين راند:

 


يقع هذا الجزء في 806 صفحة ، ويحمل عنوانا فلسفيا: " الألف هو الألف" مستوحى من قانون الهوية لأرسطو، وينص القانون على أن الشيء هو نفسه دائما...فالألف يظل محتفظا بذاته وحقيقته ولا يتغير .. هذا القانون يستلزم بالطبع، عدم التناقض، لأنه لا يمكن وصف الشيء بأنه موجود وغير موجود في ذات الوقت ...أو الحكم على قضية بأنها صادقة وكاذبة معا.
 
ولكن ما علاقة أرسطو وقانونه بالرواية؟
العلاقة تتضح في الواقعية الأخلاقية العليا التي تبشر بها الكاتبة حيث يتكرر في الرواية على لسان أكثر من شخصية بأن غاية الإنسان الأخلاقية هي تحقيق سعادته الشخصية وليس التضحية من أجل الآخرين.
في بداية هذا الجزء تكتشف داغني الوادي السري الذي لجأ إليه أصحاب العقول المبدعة من علماء وفنانين ورجال أعمال والذين اختفوا تباعا دون أن يعلم أحد بمكانهم، احتجاجا على القوانين التعسفية للدولة...
 
وكان هذا الاختفاء بمثابة إضراب عام للعقول المبدعة، وهو ما يتسبب بانهيار المؤسسات العامة والخدمات فتدخل البلاد في موجة من الفوضى وأعمال العنف .
في الفصل السابع الذي يحمل عنوان: هذا جون جالت يتحدث، يطل علينا جون جالت بخطاب إذاعي طويل يستغرق 84 صفحة تقريبا يعرض فيه سبب إضراب العقول المبدعة في البلاد...
تلك الصفحات الطويلة التي كان يمكن اختصارها لصفحات أقل يجد فيها القارئ بيان فلسفي طويل بجمل مكررة ...
 
"نحن مضربون. نحن، رجال الفكر، مضربين عن العمل. نحن نحتج ضد قيمة التضحية بالنفس، وضد مبدأ الأجر دون عمل "
"لقد علموكم أن الاخلاق وحي من قوة فوق طبيعية، وأن الغاية منها هي خدمة الله وخدمة الاخرين، لا أن تخدم حياتكم أو متعتكم. وعلموكم ايضا أن متعتكم توجد في الفجور واللاأخلاق، وأن مصالحكم ستكون أفضل لو أنها خدمت الشر، وأن أي قانون أخلاقي يجب ألا يكون في صالحكم، بل ضدكم، وألا يثري حياتكم، بل يستنزفها" 
 
تنتهي الرواية بعد انطفاء كهرباء المدن الكبرى في أمريكا ، وعندها يقرر جون جالت ورفاقه العودة لبناء عالم جديد يقوم على أساس الحرية الفردية والرأسمالية المطلقة واحترام العقل البشري ...
 
نشرت الرواية في خمسينيات القرن الماضي وهي تبين مساوئ وسلبيات تحكم الدولة في الأنظمة الشمولية وتبشر بجنة الرأسمالية والحرية التامة لأصحاب رؤوس المال والصناعة ، لكننا نعيش في زمن عرفنا أن تلك الحريات المطلقة لا تقل سوء عن ديكتاتورية الأنظمة الشمولية ...
 
الرواية رغم عدد صفحاتها الطويلة لكنها تشد القارئ لمعرفة ما سيحدث ...
يعيب الرواية الخطاب الإيديولوجي الطويل عبر خطابات طويلة ومكررة ووصف طويل ومفصل لتوصيل أفكار الشخصيات وهذا يأتي على حساب الخط الدرامي للقصة ...
فالشخصيات ليست بأهمية الأفكار في الرواية.
كما أن الرواية تصور شخصيات المبدعين كشخصيات مثالية وخارقة الذكاء والجمال والوسامة وهم دائما على حق ...
 
في حين تصور خصومهم بالقبح والتبلد يملأ نفوسهم الحسد والطمع...وتجاهلت طبقة العمال والموظفين والحرفيين وكأن لا رأي ولا أهمية لهم...
 
لغة الرواية باردة حادة تشبه المقال الصحفي أكثر الأحيان، وكأن اللغة مجرد أداة لتوصيل الأفكار وهناك تدفق كبير للأفكار عند الكاتبة وكأن الرواية رسالة لإنقاذ العالم من الخطر ....
رغم ذلك فالبناء الهندسي للرواية محكم وهناك خيط يشد أحداث الرواية حتى آخر صفحة رغم الحوارات الطويلة والوصف المكرر الذي يشبه عملية تلقين للأفكار.
 
وهناك نقطة تسترعي الانتباه، وهي أمريكا الرواية تختلف عن أمريكا الواقع الذي نعرفه. في الرواية غزل عميق بالعدالة والمجتمع الرأسمالي المثالي . أمريكا اليوم ليست المجتمع المثالي حيث التنافس الشريف بين الشركات، بل نجد نظام معقد يتداخل فيه مصالح الشركات مع السياسة حيث يمكن للمال شراء القوانين وتجاوز الأخلاقيات ..وكأن أمريكا الرواية هي بلد موجود في خيال الكاتبة لا الواقع.
 
الرواية رغم كل شيء لا تزال تحظى بمكانة في عالم القراء وكما يقول عنها النقاد إنها تحولت إلى حالة سيكولوجية تبيع للقارئ الأمل في قوته الفردية وتمنحه الشعور بالبطولة.

 

كتاب:تاريخ مدينة صنعاء - ابو العباس أحمد بن عبد الله الرازي

 

استمتعت بقضاء أيام مع كتاب تاريخي من أقدم المصادر عن مدينة صنعاء صحبة أحد علماء القرن الخامس الهجري...
الممتع أن هذه هي القراءة الثانية للكتاب ...
يحمل الكتاب صفحات عن فضائل وجمال مدينة صنعاء ويعود لأسطورة التأسيس على يد سام بن نوح عليه السلام.
 
ويقدم الكتاب وصف دقيق لجغرافية المدينة ومبانيها وتفاصيل بناء الجامع الكبير بها....وأسواقها وحاراتها والآبار والأودية ...
في الكتاب سجل لتراجم عدد من الشخصيات الشهيرة التي عاشت أو زارت مدينة صنعاء من الصحابة والتابعين ، ويتوقف عند أنساب أهل صنعاء ويركز على الأسر العلمية التي كان لها دور في نشر العلم ورواية الحديث...
 
ولا ينسى المؤلف أن يتحفنا بأهم الأنشطة التجارية والحرفية لأهل المدينة، ولمحة عن العادات والتقاليد ونوع اللباس والأطعمة...
ومثل معظم الكتب القديمة هناك أساطير عن ملائكة تحمي المدينة واسطورة الطائر الذي حدده موقع تأسيس المدينة وعجائب قصر غمدان والتماثيل الناطقة ...ونزول النبي عيسى، والخضر والنبي الذي قتله أهل حضور .
وتطاير الجبال عندما تجلى الله سبحانه وتعالى للجبل في قصة النبي موسى...
كما أفرد صفحات لروايات تؤكد أن صنعاء بلدة "محفوظة" ومحصنة بطبيعتها الإلهية ...
 
أتوجه بالشكر لموقع جودريدز لفصل صفحة المؤرخ أبو العباس أحمد بن عبد الله الرازي عن صفحة مؤلفات الطبيب الشهير أبو بكر الرازي.
وذلك بعد أن رفعت لهم بالدليل أن كتاب تاريخ مدينة صنعاء للرازي والذي حققه الدكتور حسين بن عبد الله العمري لا علاقة له بمؤلفات الطبيب والفيلسوف والكيميائي الشهير صاحب كتاب الحاوي في الطب .
الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي لم يزر اليمن، عكس صاحب كتاب تاريخ مدينة صنعاء الذي ولد بمدينة صنعاء ...
 
يبدو أن عدد من النساخ القدامى خلط بين الرجلين لأن كلاهما يحمل لقب الرازي نسبة إلى مدينة الري الفارسية.
كما أن شهرة الطبيب الرازي جعلت الأذهان تذهب تلقائيا إليه بمجرد سماع لقب الرازي.
سيجد الباحث في بعض النسخ الخطية القديمة لكتاب تاريخ صنعاء الخطأ الذي وقع فيه النساخ الذين كتبوا في مقدمة الكتاب:
"تأليف الشيخ أبي بكر الرازي" بدلاً من "أبي العباس أحمد الرازي".
هذا الخطأ جعل القراء اللاحقين يظنون أن المؤلف هو الطبيب الشهير.
 
اقتباسات:
عمران أبو الهذيل عن زياد بن فيروز أنه سأل ابن عمر عن أداء الزكاة إلى الأمراء فقال:
"لا تزكين إليهم ولا تصل معهم"
 
 
حدثني عمر بن عبد الرحمن ، قال : سمعت وهب بن منبه يقول :
« كان ملك من ملوك ذلك الزمان ، وكان له ثمانون أخاً ، فقيل له :
إن لم يقتلك فلان من إخوتك قتلك فلان ، وإن لم يقتلك فلان قتلك فلان حتى خُوِِّف بجميعهم ، فأمر طبّاخَه أن يصنع طعاماً وأرسل إلى إخوته يدعوهم فقال :
إني أريد أن أخصكم بمجلس ، وأمر الشرط إذا دخلوا أن يقبلوا عليهم فيقتلوهم .
قال : فجاء إخوته فلما دخلوا وجلسوا أثار إليهم الشرط فجعلوا يقتلونهم ، فقتلوا جميعاً إلا واحداً فَلَتْ ، فلما خرج من القرية صعد جبلاً فأحرز نفسه فيه فأرسل له صاحب الشرطة ، فجاءه فإذا هو في مكانه ، فرجع صاحب الشرطة وأرسل رسولاً أن من شأنه كذا وكذا ، فإن أحببت أن نرميه فعلنا ، قال :
فركب إليه هو ومن معه ، فلما انتهى إليه قال له هذا الفار : إن مثلنا ومثلك مثل العِضاه ، قالوا :
نؤمّر علينا أميراً ، فذهبوا إلى النخلة فقالوا : نريد أن نؤمرك علينا . قالت : وأي حاجة لي في ذلك ؟ فوالله إني لطويلة في السماء خضرة السَّعَف ، حلوة الثمر ، باردة الظل ، فأي حاجة لي في أن أكون أميرة عليكم ، فذهبوا إلى الحُبْلة ، فقالوا :
نريد أن نؤمرك علينا ، قالت :
وأي حاجة لي في ذلك ، فوالله إني لخضرة الورق طويلة الشرع ، حلوة الثمر ، باردة الظل ، ( فأي حاجة لي في أن أكون أميرة عليكم ) ، فذهبوا إلى الزيتونة فقالوا : إنا نريد أن نؤمرك علينا ، قالت : وأي حاجة لي في ذلك ، فوالله إني لوَدِكة الثمر ، كثيرة الورق ، باردة الظل .
قالت العوسجة : إليَّ إليَّ فوالله إن ورقي لقليل ، وإن شوكي لحديد ، وإني لشديدة الحر أحرقكم بناري ، وأحرق بناركم ، وإنك قد أحرقتنا بنارك وايم الله لنحرقنّك بنارنا ، قال
: فعطف برأس دابته ورجع . فلما كان بباب القرية ، وعجوز على سور باب القرية معها رحا فألقته عليه فقتلته » .
 
 
يبقى ريح ذلك إلى جمعة أخرى، وللقدور واللحم بها رائحة لا يكون في غيرها، وسمعت مشايخ صنعاء يقولون:
إن للحم إذا طبخ ريحا عجيبا لا يوجد في سائر البلدان مثل ذلك كما يكون في الشارع المعروف بالمبيضين إلى دار فيروز الديلمي، وذلك أسفل الشارع وقد حكى ذلك جماعة منهم ابن مقفع وغيره، ومات أبو القاسم بن مقفع هذا وهو يقارب المئة السنة.
قال: 
سمعت جماعة يقولون:
إن للقدر إذا طبخ في هذا الشارع من الريح والطعم مالا يوجد في غيره من صنعاء، ولصنعاء في ذلك مالا يوجد في غيرها من البلاد إلا حيث يشاء الله ولا نعلم ذلك
 
 
 
دخل عيسى بن مريم - عليه الصلاة والسلام - صنعاء، وصلى في موضع الكنيسة فاتخذ النصارى الكنيسة بصنعاء على إثر مصلاه؛ وهذه الكنيسة في وقتنا هذا خربة وهي أسفل زقاق المبيضين من صنعاء في الجانب العدني محاذية لبيعة اليهود التي هي اليوم باقية بصنعاء، وقد بقي من هذه الكنيسة ضبر شبه أسطوان على حرف الطريق إلى سوق العطارين، وإلى درب دمشق، وقد أدركت عقودا كثيرة كانت باقية إلى سنة تسعين وثلاث مئة. 
 
 
 
قال:
كانت صنعاء امرأة وكانت ملكة وبها سميت صنعاء. 

 
 
 
 
 
 

فصل آخر من رواية: جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه(حلقة جديدة)

 

عندما رأيت صديقتي الجنية بعد طول غياب انهمرت دموع الفرح ...
عبرت عن شوقي الكبير لها ...
ضمتني لصدرها بكل ما حملته من شوق وشرحت لي تفاصيل عن رحلتها التي طافت بها عددا من الأماكن في بحثها المستمر عن الحقيقة ...
ثم أخرجت لي مجموعة من الهدايا المدهشة من عوالم اتمنى زيارتها... وأطلعتني على مسودة كتابها الذي دونت فيه أدق تفاصيل تلك الرحلة...
وهناك، قطعنا وعدا بأن نعود للقاءاتنا التي اعتدناها من قبل لنستكشف سويا ما حملته لها تلك الرحلة من خبرات عميقة ...وما أضاءته في عقلها من حقائق جديدة سنغوص في تفاصيلها حوارا تلو الآخر.
 
كان الحديث بيننا، أنا وصديقتي الجنية ينتقل من موضوع لآخر .
وعندما عرجنا على موضوع الطلاق الذي انشغل به الناس منذ فترة، قالت لي بحزن:
- ذات مرة وبعد فترة قصيرة من الزواج ربما ثلاث سنوات لم أعد أتذكر عادت ابنة عمي إلى بيت والدها غاضبة وتريد أن تنفصل عن زوجها .
 
يومها كنت في بيت عمي؛ جلست معي وبدأت بالشكوى. كان صوتها يحمل مرارة المعاناة مع زوج لا يحترم شريكة حياته ولا يقدر سعة صدرها وتسامحها معه.
وأخبرتني أنها قررت أن تشكو لوالدها كل تصرفاته، فهي لم تعد قادرة على التحمل ومواصلة الحياة على هذا النحو...
فجأة دخل عمي والغضب مرتسم بوضوح على ملامح وجهه الذي بدا أكثر قسوة، وصرخ بها:
"يا الله قومي روحي بيت زوجش ما بتفعلي هانا...زوجش مراعي"
استجمعت شجاعتها، وردت عليه بصوت مرتعش بأنها لا تريد العودة لبيت زوجها وجاءت لتشكوه وتريد الطلاق.
 
قطب والدها حاجبيه ونظر ناحيتها بكثير من الغضب وقاطعها:
" قومي الآن الرجال مراعي...ما بش عندي بنات يتطلقين...أعقلي من الجنان زوج بنت القبيلي واحد ...قومي الآن قبل ما افعل لش ملطام لوما أخرب صابرش "
خرج مسرعا من أمامنا وهو يتوعدها بالويل لأن زوجها ينتظرها بالشارع...
انهمرت الدموع من عينيها وهي تقف وجسدها يرتعش، نظرت بحزن آلمني تجاه أمها وقالت:
- سأنسى أن معي أهل ...لن أعود لهذا البيت ما حييت ...لم يكلف أبي نفسه أن يسمعني!!!.هل يعلم ما يؤلمني ؟ما يحزنني؟ ما جعلني اليوم ألجأ اليكم؟ من أغلى لديه مني؟
تعلمين ، كلما تذكرت ذلك اليوم وهي تغادر، أشعر بقلبي يغوص عميقا، وبلهيب يحرق صدري .
أمها لم تجرؤ على فعل شيء سوى البكاء على ابنتها.
 
تعرفين...كرهت عمي، وزادت كراهيتي له كلما رأيت ابنة عمي التعيسة، التي يبدو واضحا عليها أنها داست على قلبها وحياتها بأكملها لتعيش حياة بائسة خالية من أي معنى...
 
(فصل آخر من رواية: جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه وهي رواية خيالية وكل أشخاصها من عالم الخيال )

 
 

كتاب مهنتي هي الرواية لهاروكي موراكامي


ما يميز هذا الكتاب أن الكاتب ينقل فيه تجربته وطريقته الخاصة في الكتابة ...فهو لا يقدم نصائح جاهزة، ولا يلخص خطوات لجعل الكتابة أكثر إبداعا...
لكنه يتحدث ببساطة عن نفسه ...عن طريقته ونظرته للأدب والكتابة... ينقل تجربته الفعليه ويشرح مدى الانضباط الذي يتطلبه عالم الكتابة ...
 
في حديثه عن تجربته يقدم دليل عملي وبسيط ويترك الكاتب ليفكر في الطريق المناسب له.
يؤكد موراكامي ان الكتابة حرفة تعتمد على الانضباط وليست مجرد إلهام، فهي تتطلب روتين يومي صارم وتحديد لعدد معين من الصفحات التي تنجز كل يوم.
 
كما يرى أن الكتابة تحتاج جسم قوي ولياقة بدنية عالية لهذا يمارس رياضة الجري بشكل يومي مهما كان حال الطقس...
مع الكتابة وبمرور الوقت سيجد الكاتب صوته الخاص دون شك. 
 
الكتابة الأجمل هي التي تتخلص من القوالب التقليدية والأفضل اعتماد أسلوب بسيط ومباشر.
قبل أن تكون كاتبا لابد أن تكون قارئا نهما...تقرأ في كل المجالات..دون التقيد بنوع مفضل من الكتب.
 
ويشرح أسلوبه في مراجعة ما كتب بشكل يومي ، ثم ترك المسودة لأسبوع والعودة لقراءتها وتهذيبها...وتكرار ذلك حتى يشعر الكاتب بالرضى عما كتب قبل أن يعرضها على شخص مقرب.
 
الكتاب خفيف ويمثل جرعة مكثفة عن عالم الكتابة من كاتب مشهور كتب الكتاب وكأنه يدير حوار مع ذاته ..
 
اقتباس:
الروائيُّون في الأصل يروون القصص.
ورواية القصص تعني أن تحفر عميقًا في لاوعيك، أن تهبط إلى أعتم الأماكن في عقلك.
وكلَّما اتَّسع نطاق القصَّة، اضطُرَّ الروائيُّ إلى الهبوط أعمق.
الأمر أشبه بتشييد بنايةٍ كبيرة، إذ يتوجَّب عليكَ أن تحفر عميقًا لوضع الأساس.
وكلَّما زاد خفاء القصَّة التي ترويها، زادت العتمة السفليَّة سماكةً وثقلًا.
‫ هناك، في وسط العتمة السفليَّة، يعثر الروائيُّ على ما يحتاج إليه (من غذاءٍ لازمٍ للرواية)، ويعود به إلى المناطق العليا من الوعي. وحين يعود، يعطيه شكلًا ومعنى بالكتابة.
في بعض الأحيان تكون تلك العتمة مليئةً بالخطر، وكثيرًا ما تتَّخذ الموادُّ الموجودة فيها أشكالًا عديدةً لخداع الناس.
لا توجد لافتاتٌ إرشاديَّةٌ أو خرائط، وبعض الأماكن قد تكون متاهاتٍ حقيقيَّة.
هي كالكهف الموجود تحت الأرض، فإن خانتكَ فطنتك تُهت، وربَّما لن تستطيع العودة إلى السطح أبدًا.
في تلك العتمة مزيجٌ من اللاوعي الجمعيِّ واللاوعي الفرديّ، قديمه وحديثه.
نأخذ تلك الموادَّ معنا من دون فرزها، وقد يقود ذلك في بعض الأحيان إلى نتائج كارثيَّة.
ولكي تكون مستعدا لتلك العتمة العميقة، ومواجهة مخاطرها العديدة المتأصلة فيها، فإنك تحتاج إلى القوة البدنية.
ليس بمقدوري أن أُقدِّم أرقامًا واضحةً عن المستوى المطلوب لذلك، لكنَّ المهمَّ هو أنَّ القوَّة خيرٌ من الضعف. وهذه القوَّة التي أتحدَّث عنها ليست من النوع الذي ينبغي لكَ أن تقارن نفسكَ بالآخرين فيها، بل هي أقرب إلى مقدار القوَّة الذي تحتاج أنتَ إليه. 
 

 
 
 

الأغاني للأرجباني للكاتب الساخر احمد رجب:

 

كتاب من نوع مختلف، يسلط الضوء على مبالغات وتناقضات كلمات الأغاني العاطفية. لا يترك أحد فهو يسلط الضوء على مقاطع من أغاني محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وفائزة أحمد ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش...
 
فكان يذكر اسم المطرب أو المطربة و يقتبس شطرا من الأغنيته ليثبت فكرته الساخرة عن المبالغات في تصوير الشوق والحنين وغيرها من عذابات الغرام والعاشقين...
 
تعامل أحمد رجب مع هؤلاء العمالقة كـمدرسة فنية موحدة تنتج مشاعر مكررة حولت أغاني الحب لنوع من الشكوى والنوح وعذاب الفرق والسهر وغيرها من المبالغات العاطفية...
صدر الكتاب عام 1973 زمن سيطرة الأغاني على الاذاعات والحفلات وشرائط الكاسيت...
 
في هذا الكتاب الساخر كسر الكاتب هيبة الفن في زمن تعامل الناس مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ بهالة من التقديس ليثبت أن الفن العظيم ليس معصوما من الخطأ وهو يلقي على مسامع الناس كلمات رومانسية ساذجة ومبتذلة...
وكأن الكاتب يرفض تحويل الحزن والدموع والهجر إلى بضاعة تجارية بعيدة عن الجمال الحقيقي والعاطفة الصادقة...
 
وكتابات أحمد رجب هي من نوع الأدب الساخر الذي يعد مرآة مكبرة تعيد صياغة الواقع الأليم بشكل يمكن تحمله وفهمه....
وعندما يسخر كتاب مثل لأغاني للأرجباني، من تزييف المشاعر والمبالغات، فهو يربي عند القارئ ملكة الشك النقدي... ويعلمه ألا يستسلم للشعارات الرنانة، سواء كانت في أغنية عاطفية أو خطبة مجتمعية...
 
لأن السخرية تفكك العادات والتقاليد والأفكار البالية وتظهر مدى سخافتها وعدم منطقيتها، مما يدفع المجتمع لإعادة التفكير في سلوكياته.

 

حوار شيق وثري مع الكاتبة العزيزة أحلام يحيى جحاف في مجلة #القشم العدد الثالث

 

حوار مع الكاتبة أحلام جحاف

المحاور: عيشة صالح

في عالم تتشابك فيه الحكايات مع الضوء، وتتحول فيه الكلمات إلى مفاتيح تفتح أبواب الخيال، تبرز الكاتبة المعروفة أحلام جحاف بوصفها أحد الأصوات المخلصة لأدب الطفل في اليمن والعالم العربي، إضافة إلى إنتاجاتها الأدبية والثقافية الأخرى.

في هذا الحوار الخاص لمجلة "القِشْم"، تفتح لنا الكاتبة نافذة على رؤيتها لفن الكتابة للطفل، وعلى التحديات التي تواجه هذا الأدب النبيل في زمن الشاشات. حوار يحمل دفئاً وفلسفة بسيطة عميقة، ويقربنا من العوالم التي تُنبت فيها الحكاية وتكبر، حتى تصبح كتاباً بين يدي طفل.

- كيف كانت الشرارة الأولى التي جذبتك للكتابة للطفل؟

هل نطلق عليها شرارة؟ أم هي امتداد لما يسمى بحب طفولي للحكايات لم ينتهِ، ذلك العشق والدهشة عند سماع الحكايات الخيالية التي تحكيها الجدات. وانتقل ذلك العشق عبر الحكايات المصورة والتي لا تزال تشدني؛ العالم السحري الذي عشته يستحق أن يُنقل لأطفال اليوم بما يناسب لغة اليوم، وعالم يناسب أحلام الأطفال البريئة والتي تحمل إجابات وتثير أسئلة.

- بين "التعليم" و"الإمتاع"، أين يجد الكاتب نفسه أثناء صياغة القصة؟ وكيف يتحقق التوازن بينهما؟

عندما يستمتع الكاتب بما يكتب عندما يكتب بحب تصل المتعة للطفل فيكمل القراءة.

الطفل ذكي وينفر من القصص التي تكتب بهدف التعليم، عكس تلك الحكايات التي تحترم خياله وعقله فيتقبلها بحب وشغف.

- خلق شخصية طفل "بطل" ليس بالأمر السهل، ما هي السمات التي تحرصين على توافرها في أبطال قصصك؟

البطل المثالي هو البطل الذي يشبه الطفل... شخصية تملك صفات الضعف البشري ليفهمها الطفل، ويتماهى معها، بعيداً عن الشخصيات المثالية التي لا علاقة لها بالواقع وتشعر الطفل بالإحباط.

وكذلك على الشخصية أن تملك نوعاً من الشجاعة أو القدرة على المبادرة ليتعلم الطفل أن يكون له صوت ورأي، والحق حتى في ارتكاب الخطأ والتعلم منه.

- كيف تختارين اللغة المناسبة التي تجمع بين الرصانة اللغوية والبساطة التي لا تستهين بذكاء الطفل؟

كلما كانت اللغة بسيطة كان ذلك أجمل، بعيداً عن الكلمات المعقدة أو العامية المبتذلة بحيث تثري مفردات الطفل دون أن تثقل عليه.

- هل تعتقدين أن أدب الطفل العربي اليوم يواكب القضايا المعاصرة (مثل الهوية، التنمر، أو حماية البيئة) بشكل كافٍ؟

نعم هناك عدد من الكتابات الرائعة التي بدأت تخرج من عباءة التقليد والوعظ المباشر، لتناسب عقلية الطفل وقضاياه.

- كيف يمكننا غرس حب القراءة في نفوس الأطفال في وقت تزداد فيه المشتتات من حولهم؟

حب القراءة لا يوجد دليل لغرسه في نفوس الأطفال...

هذا يتم بالقدوة...

ومن المهم اختيار الكتب التي تثير فضول الطفل، لأن الاختيار السيء ينعكس سلباً على علاقة الطفل بالكتاب. وأيضاً عندما تترك للطفل حرية التعبير عن محتوى الكتاب، دون فرض إجابات وآراء محددة سلفاً، يتم غرس العلاقة الصحية مع عالم القراءة والفكر الناقد والتحليلي.

- ما هو التحدي الأكبر الذي يواجه كاتب قصص الأطفال في منطقتنا حالياً؟

التحدي الأكبر اليوم هو منافسة الشاشات والمحتوى الرقمي.

لذلك علينا العمل على سهولة التواصل مع دور النشر ووجود دعم حكومي للكتاب.

والدعم المطلوب هو شراء الكتب لمكتبات المدارس ووصول الكتاب بسهولة للطفل.

- لو أُتيحت لك الفرصة لتوجيه رسالة لكل أم وأب يقرؤون قصصك لأطفالهم، ماذا ستقولين؟

أوجه لهم الشكر لأن ما يفعلونه ليس أمراً عابراً، هم لا يغرسون حب القراءة في نفوس أطفالهم فقط، بل ما يقومون به هو نوع من الدعم العاطفي الذي يساعد الأبناء على التصالح مع ذواتهم ومع العالم من حولهم.

ففعل القراءة هو مفتاح سحري للحياة تنيرها الكلمات والخيال والسعادة بلا حدود.

هنا ينتهي الحوار شاكرين للكاتبة ما تفضلت به من إجابات، تلخص أن الكتابة للطفل ليست مهمة تعليمية فحسب، بل هي فعل إنساني عميق، يعيد بناء علاقة الطفل بذاته وبالخيال وبالكتاب... علاقة تستحق أن نحتفي بها، وأن نواصل دعمها في كل بيت وكل مدرسة وكل مكتبة.

 




 

«على طريق الغيوم..» مدونة في ذاكرة الأمكنة بقلم: أماني إبراهيم ياسين

 


أدب الرحلات أحد أقدم أنواع الأدب وأكثرها متعة، فهو ليس مجرد تدوين للذكريات أو حصر لمشاهدات السائح العابر، بل وسيلة لاكتشاف الذات، واستنطاق لروح الأمكنة، التي تبوح بأسرارها لمن يملك عين الرائي وشغف المؤرخ.

في هذا السياق، يأتي كتاب «على طريق الغيوم.. الترحال مع طيوف المكان» للكاتبة اليمنية أحلام يحيى جحاف، الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة (2024م)، ليؤكد أن السفر في عصر التكنولوجيا لم يفقد بريقه كمغامرة أدبية مدهشة.

الكتاب رحلة بصرية ونفسية عبر عشر دول مختلفة الأصقاع والجذور والثقافات، بدءاً بسحر القارة الإفريقية في جيبوتي وكينيا ورواندا، مروراً بعراقة التاريخ في مصر، ووصولاً إلى جماليات العمارة والطبيعة والحياة الاجتماعية في سويسرا، وإسبانيا، واليونان، وألمانيا، وإيطاليا، وانتهاءً بالمراكز الثقافية بأذربيجان في منطقة القوقاز.

سجلت المؤلفة انطباعاتها عن هذه الدول، فذكرت الكثير عن تلك البلاد وتاريخها وأحوال أهلها، بأسلوب يجمع بين السرد والتحليل والانطباعات الشخصية.

ترى الكاتبة أن السفر والتنقل بين البلدان مغامرة تستحق الحكاية والنشر، ففي السفر نقابل أناساً يحملون عادات وثقافات مختلفة قد تدهشنا، ونتعرف إلى بلدان نتعجب لما فيها من تضاريس وأماكن غريبة عما ألفناه، وتقول: «كان الوقت متأخراً، عندما قررت السفر مرة أخرى، ولكن هذه المرة داخل أروقة ذاكرتي، وقد ارتفع من الشرق قمر أبيض، خفف الغسق وزاد وضوح الحدود الخارجية للمنازل المحيطة بي على طول الشارع ليرسم لي حدوداً داخلية، لم أتحرر منها إلا والكلمات تنساب بكل حرية، لتملأ الصفحات البيضاء أمامي».

لم تكتفِ الكاتبة برصد رؤاها الذاتية، بل اهتمت بالتوثيق للشخصيات والوقائع والأماكن؛ فجمع كتابها بين السيرة والحكاية والرصد التاريخي، حيث قدمت في السياقات معلومات وافرة عن المتاحف، والفنادق، ودور العلم، وقوانين البيئة والمسارات التعليمية، ومن الأمثلة على ذلك؛ تاريخ ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وثقافة القهوة في روما، والأزقة القديمة في أذربيجان، ما يجعل العمل دليلاً مفيداً لكل من يرغب في زيارة تلك الوجهات.

ومما ذكرته عن «برنامج حماية الحشرات» في ألمانيا: «ومن العجيب في هذا البلد أن تسمع عن برنامج عمل حماية الحشرات.. نعم، تسعى الحكومة الألمانية الاتحادية إلى تحسين الظروف المعيشية للحشرات؛ لأن الإخلال بحياتها يؤثر في التوازن البيئي».

ولم يخلُ الكتاب من المواقف الطريفة، كحكاية «الزنزانة» أو «الـزاعجة» في روما، تقول الكاتبة: «من الأشياء التي لا تُنسى في روما الزنزانة، وهي البعوضة الغريبة التي رأيناها للمرة الأولى، نحن نعرف البعوض العادي الذي يحدث ضجيجاً يسهل معه التخلص منه، لكننا هنا واجهنا نوعاً مختلفاً بجسم أسود وأشرطة بيضاء، ويصدر أزيراً عالياً يثير الأعصاب، حتى إن الإيطاليين يشبهون الشخص الذي يتحدث بنبرة مزعجة بصوت الزنزانة».

وحرصت الكاتبة على الربط بين التاريخ الغربي والعربي، في أسلوب مقارن، ففي الفصل الخاص بإيطاليا، سلطت الضوء على اهتمام الدول العربية الإسلامية بالتوسع براً وبحراً، منذ أيام الدولة الأموية، وحرصهم على نشر الإسلام بين سكان صقلية، والتي كانت امتداداً لشبه الجزيرة الإيطالية، تقول الكاتبة: إن الأغالبة حملوا على روما ودخلوها في أغسطس عام (846م)، وكان ذلك أيام الأمير أبي العباس محمد بن أبي عقال الأغلب السعدي، رابع أمراء الأغالبة.

يتميز الكتاب بكونه مزيجاً بين السيرة الذاتية والغيرية، وأدب الرحلات، والعمل التوثيقي، ومما يُحسب للمؤلفة تدوين تجربتها الشخصية بكامل تفاصيلها من أسماء شوارع ووقائع وشخصيات ومشاهدات وحكايات عابرة وتفاصيل يومية، بهمة عالية وحرص على التقاط كل شاردة وواردة.

إن كتاب «على طريق الغيوم» مرجع بصري ومعرفي يجمع بين متعة الحكاية ودقة التوثيق، وهو بذلك دعوة لإعادة اكتشاف العالم بعيون تمزج بين دهشة الطفل وفلسفة الحكيم، تبرهن على أن أدب الرحلات سيظل النافذة الأجمل لمعرفة الآخر وفهم الذات.

العدد (115) - مايو 2026م - الشارقة الثقافية 141