‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

" التصنيف العرقي والمناطقي والانقسام الاجتماعي"

 

نظرة سريعة على بعض التعليقات على صفحات الفيسبوك تصيب المرء بالذهول لحجم الكراهية التي تفوح من التعليقات التي تقطر حقدا وكراهية، الأدهى أن هناك أوراقا بحثية عن الوضع في اليمن لمختصين تصيب القارئ بكثير من الدهشة والذهول لكم المغالطات فيها، دراسات أبسط ما نقول عنها إنها تفيض بغضا وتحريضا، أبحاث علمية لا علاقة لها بالرصانة العلمية والموضوعية وتحري الدقة والموضوعية.
 
فيقفز التساؤل: ما الذي يحدث؟
هل نحن مجتمع مريض بالتعصب؟
لقد عشنا سنوات في مجتمع متسامح، لم نسمع عن التعصب والاختلاف المذهبي بهذه الحدة والقوة إلا في السنوات الأخيرة.
هل تظهر الأمراض الاجتماعية بشكل مفاجئ؟
هل تنفجر براكين الحقد والغضب والثارات بين أبناء مجتمع واحد هكذا بين يوم وليلة؟
ولكن في المقابل هل هناك بلد في العالم يعيش فيه مواطنون لا اختلافات ولا خلافات بينهم؟
هل هناك مجتمع نقي بمعنى أن جميع أفراده هم من نفس البلد منذ الآف السنين؟
 
هذا البلد غير موجود على أرض الواقع، لأن طبيعة حياة البشر التنقل وعدم الاستقرار منذ بدء التاريخ، البعض يتنقل بحثا عن الرزق في أماكن وبلدان أخرى والاستقرار فيها، والبعض يهرب طلبا للنجاة بحياتهم بسبب فظائع الحروب والاضطهاد، ولا ننسى أثر العوامل الطبيعية كالزلازل والبراكين والجفاف وغيرها.
 
عبر التاريخ اعتاد الناس التنقل من بلد لآخر، في هجرات جماعية أو فردية.
وبلد مثل اليمن بموقعه الجغرافي المتميز وطبيعته المتنوعه كان محطة لبعض القوافل عبر الزمن، فكما هاجر اليمنيون خارج اليمن، جاء واستقر في اليمن أناس من أماكن مختلفة، والتركيبة السكانية في اليمن متنوعة. اليمن كان ذات يوم جزءا من الإمبراطورية العثمانية وكل إمبراطورية تجلب رجالها ومواطنيها وتوطنهم في الأراضي التي تحكمها، عدن والحديدة والمخا مدن ساحلية شهدت عبر التاريخ نشاط تجاري دفع بكثير من الجنسيات المتنوعة للاستيطان في البلاد فذابوا بمرور الزمن في المجتمع اليمني وخاصة في المدن الرئيسية.
 
كما أن الإمبراطورية البريطانية التي احتلت جنوب اليمن والمعروفة بولعها الشديد بتغيير التركيبة السكانية لكل بلد تحتله، جلبت معها الهنود وغيرهم ووطنتهم في اليمن، وكلما عدنا إلى مسافات أبعد في التاريخ سنرى جموع البشر التي تستوطن، ونرى تلك التي تغادر. وسنرى اليمني يخرج مقاتلا في الجيوش في شمال أفريقيا وحتى الأندلس حيث يستقر هناك بعيد عن موطنه الأصلي ويتحول لمواطن في بلد آخر.
هناك ما يقارب 5 مليون اندونيسي من أصول يمنية، وأعداد ليست قليلة في ماليزيا وسنغافورة وجنوب الفلبين رحلوا من اليمن عبر عصور مختلفة لمزاولة التجارة واستقروا هناك، هم مواطنون لتلك الدول رغم أسمائهم العربية الواضحة لكنهم مواطنون لتلك البلدان بحكم العيش هناك لفترات طويلة لا أحد ينادي بطردهم وإعادتهم لليمن بلدهم الأصلي الذي أتوا منه. بل نرى من يحملون أسماء يمنية يتبوأون مناصب قيادية في تلك المجتمعات. وعلى سبيل المثال، حليمة يعقوب التي فازت بالانتخابات الرئاسية في سنغافورة رغم أنها من أصول هندية ومتزوجة بماليزي من أصل يمني، وهذا ما يسمى بالمواطنة في المجتمع المعاصر.
 
وجود الاختلافات والتنوع داخل كل مجتمع هو أحد سنن الكون، لكن الشيء المهم هنا، كيف يتم التعامل مع هذا التنوع والاختلاف والخلاف؟ وهذا ما يميز البلدان المتحضرة المستقرة عن غيرها من البلدان التي يكثر فيها الصراعات والقلاقل. رغم وجود نوع من العنصرية في الدول المتحضرة لكن يتم تطويقه وحصره في أضيق نطاق.
المجتمعات المتحضرة لها دساتير تصون حقوق جميع المواطنين مهما كانت أصولهم وخلفياتهم العرقية والدينية، الكل سواء أمام القانون، الكل لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، لا أحد فوق القانون.
 
عندما نلقي نظرة على دولة متحضرة نلاحظ الانسجام الاجتماعي، والاهتمام بالجميع وتوطين المهاجرين، والاعتراف بتنوع المواطنين الثقافي والعرقي وحتى الديني، والمسارعة في إيجاد حلول لدعم الشباب واستيعابهم ودمجهم في التخطيط لمستقبل البلاد ليشعروا بالثقة بالمستقبل ومستقبلهم في بلادهم، فالفقر والبطالة وانعدام العدالة كلها تؤدي، بكل تأكيد، للتشرذم والحقد المجتمعي.
ما يعيب مجتمعاتنا العربية هو المبالغة في تقدير الانتماء الاجتماعي الذي يرثه المرء. والمؤسف في الأمر أن المثقف اليمني لا يستطيع التحرر من هذه الثقافة المنغلقة، فينطلق من عقد ورثها ورضعها في طفولته، عقد انتقلت عبر الحكايات من الماضي المليء بالصراعات.. هذا المثقف لم ينجح تعليمه وثقافته في إكسابه عقلية علمية تتساءل وتحلل وتنقد مشاكل المجتمع اليمني نقدا بنّاءً ليساهم في البحث عن حلول لها.
 
المثقف اليمني يساهم في استمرار ثقافة الماضي بكل ما فيها من عيوب وأخطاء، فهو يعيش الحاضر بجسده، لكن عقله وفكره أسيران هناك في دهاليز الماضي، يجتر حكايات التاريخ المؤلمة وصراعات الماضي البغيضة وتسيطر عليه أفكار الثأر والانتقام.. في مجتمعنا وهو مجتمع تقليدي تجاوزه الزمن، يوجد صراع بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، عكس المجتمعات الحديثة التي يطور فيها الإنسان المعاصر مسارات للجمع بين المصلحتين، فالكل يفوز.
في تلك المجتمعات يخدم الناس مصالحهم الشخصية وهم في الوقت نفسه يساهمون في تطوير مجتمعاتهم وتقديم الخدمات للآخرين بغض النظر هل ينتمون لنفس العرق أم ينتمون لعرق آخر، وهم بذلك يساهمون في تطوير اقتصاد بلدهم وتقوية النسيج الاجتماعي فيه، ويعلمون أنهم يقدمون خدمة للبلد الذي سيتربى على ترابه أبناؤهم وأحفادهم بأمان.
 
مجتمعنا يقوم على التعصب للقبيلة، وللنسب والعرق، والدين، حتى بين المتعلمين ونخب المجتمع، في المجتمعات الحديثة يميل الناس للتآلف مع الآخرين، يعيشون ضمن نظام مرن قابل للتعديل والتطوير، نظام تعلم من دروس التاريخ وتخلى عن الكثير من العصبيات التي لا تتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، لكننا نعيش في نظام جامد ومنغلق، ولا يعترف بتغير الزمان.
وبالعودة للتساؤلات في بداية المقال عن حقيقة التعصب في مجتمعنا.. سنبدأ من مفهوم التصنيف، التصنيف هو عملية تمييز الأشياء إلى مجموعات بحيث كل مجموعة يكون بينها وحدات مشتركة من الصفات أو الخواص.
 
والتصنيف العرقي هو نظام يستخدم لتصنيف البشر إلى جماعات مختلفة حسب الخصائص الظاهرية، والأصول الجغرافية. الغريب أن التصنيف العرقي يقودنا للعنصرية ال Racism، حيث يكون هناك جماعة تظن أنها أفضل من غيرها وتبيح لنفسها ما تحرمه على الآخرين.
والسؤال هو: لماذا تنشأ الصراعات العرقية في أي مجتمع؟
جاء في كتاب لإيان لوو الذي يحمل عنوان “العنصرية والتعصب العرقي من التمييز إلى الإبادة الجماعية” أن “العامل السياسي هو السبب الأول، فالنظام السياسي الذي لا يتصف بالعدل يكون سبب لتفجر موجات الكراهية والعنصرية والتنازع للسيطرة على الموارد الاقتصادية، وكذلك التنازع حول فرص التعليم والتوظيف الحكومي، وقد ينشأ الصراع بحثا عن العدالة في تحديد الموارد ، وينتج عن عدم العدالة إحياء لتلك المزاعم القديمة وخلق مزاعم جديدة”.
 
وفي العادة “تتعايش مجموعات عديدة مختلفة ثقافيا وإثنيا بشكل سلمي بينها، ولكن عند نقطة بعينها يتفجر الصراع، إما بسبب الإهانة أو بسبب التهديدات التي تمس المصالح الحيوية للجماعة”.
باختصار، نجد أن هناك محاولات مستميتة للعب على وتر العداء الطائفي ونبش التعصب العرقي والمناطقي في اليمن في الوقت الحالي، رغم أنه لاخلاف سني شيعي حقيقي في بلادنا، نستطيع إدراك ذلك بسهولة من تواجد الناس وتعايشهم في مدينة مثل صنعاء جنبا إلى جنب. وبالتالي لا صراع طائفي في اليمن، ولا عرقي ولكن ما يحدث هو صراع سياسي. أطراف هذا الصراع يلجأون لاستخدام أوراق الاختلاف المذهبي والعرقي، رغم أن هذا يؤدي لتمزق النسيج الاجتماعي، لكن أطراف الصراع وفي سبيل تحقيق أهدافهم لا يبالون بتفتيت البلد وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
يصبح الخطر أكبر عندما ينقسم الناس فيؤيد البعض طرفا ويؤيد البعض الآخر الطرف الآخر، هنا يكون الخطر الحقيقي الذي يمزق اللحمة داخل البلد الواحد، ويحدث تهتك كبير بالنسيج الاجتماعي.
 
ما يحدث هو فعلا لعب بالنار، قوى سياسية تستخدم الورقة المذهبية والمناطقية لحشد الناس وضمان تأييدهم، وهي طرق تستدعي كل الخلافات التاريخية التي عفى عليها الزمن. خلافات مرت بها كثير من الشعوب وتجاوزتها، لكن لدينا من يصر على إثارة النعرات والبحث عن مبرر ديني لحربه ضد الطرف الآخر، حتى وصل الأمر لبعث السلالية والمناطقية والتي كادت تختفي بمرور الوقت وانتشار مساحة التعليم والوعي بين الناس، وبدلا من أن تصبح جزءا من تاريخ مضى ها هي تجد أياد عابثة تنفخ فيها الحياة مما يعزز من انتشار الكراهية باستدعاء كل الحزازات والأحقاد القديمة، والمخيف أن الأثر سيبقى لسنوات طويلة في النفوس لو استمر هذا الحشد البغيض.
 
هناك من يتعامل باستخفاف ساذج بالعقول، وينشر بين الناس محدودي الاطلاع أكاذيب كأنها حقائق، وينسى أن معالجة أخطاء التاريخ والماضي لا تتم بتدمير الحاضر ونسف المستقبل، فهذا انتقام من الجميع، كيف يتم الانتقام من شخوص الماضي في الحاضر. الانتقام الصحيح من كل مخلفات الماضي تتم بنشر العلم وقيم التسامح حتى لايبقى مجتمعنا أسير لذات الممارسات، ولنفس الطغاة الذين لا يقيمون وزنا لتطلعات المواطن اليمني للعيش بكرامة وأمن على أرضه.
 
الصراع والاختلاف طبيعي لأن الله خلق الناس باختلافاتهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين).
وهذه طبيعة الحياة، لكن كيف سنواجه هذا الاختلاف، وهذا الصراع؟
مستقبل البلاد يتوقف على هذا، كيف سنتعامل مع كل هذه الصراعات. هل سنعي أنه صراع سياسي يحاول جر الجميع للهاوية، فهل سنهوي باختيارنا؟ أم نستطيع أن نتخذ الخطوات التي تمنع المزيد من التدهور؟
كيف سنخفف من آثار هذا الصراع؟ هل نملك الشجاعة والقدرة على التعايش مع بعضنا رغم اختلافنا، واختلافاتنا؟
هل نستطيع أن نعتبر هذه الاختلافات تنوعا إيجابيا يثري حياتنا ونقبل ببعضنا ونتفق على قوانين وقواعد تنظم حياتنا وتضمن الحيلولة دون المزيد من الانحدار؟
 
نعم نحن بحاجة لأن نتغير، لأن نخرج من دوامة الماضي، لنقتنع أن الماضي حدث، ونحن نعترف به بكل ما فيه، لكن ما فيه بكل أحداثه هو قصص للعبرة ولتعلم الدروس وليس لشحن العواطف والإصرار على العيش في الماضي. فالهدف من دراسة التاريخ ينبغي أن يكون منع حدوث نفس أخطاء الماضي من جديد، ومنع وقوع الظلم على أي مكون من مكونات الجتمع اليمني تحت أي مبرر، فلا نصلح الأخطاء بالوقوع في أخطاء أكبر.
 
فهل نملك الخيار، خيار أن ننزلق للصراع الطائفي لتحقيق أطماع أهل السياسة، أو ترميم ما يمكن ترميمه لنعيش حياة كريمة؟
(مقال نشر بموقع منظمة نسيج بتاريخ 19يونيو 2020)

فيزياء الحزن لغيورغي غوسبودينوف

 عنوان الرواية " فيزياء الحزن"!!!
فيزياء!!!
هل الحزن مشاعر أم هو يشبه المادة له ثقل وكتلة وكثافة وتنطبق عليه قوانين الفيزياء؟
أي قوانين؟
قانون حفظ الطاقة مثلا:
فنقول الحزن لا يفنى ولا يستحدث من عدم لكنه يتحول من شكل لآخر ومن جيل لآخر !!!
الموضوع الأساسي في الرواية هو الحزن ...الذي لا يمر مرورا عابرا في حياة أبطال الرواية ..
هنا الحزن شيء أساسي ...
ربما هو البطل....
يسلط الراوي الضوء على الحزن من زوايا مختلفة ...
ويتتبع الحزن حتى من شخوص الأساطير
فنرى حكاية المينوتور ذلك الوحش الأسطوري برأس ثور وجسد إنسان...في الأسطورة هو وحش مرعب يستحق القتل وهو محبوس في متاهة ...
لكن الرواية تعكس الحكاية فالمينوتور يعبر عن فكرة الطفولة المهجورة والوحدة التي تنهش الإنسان...


هناك تناص بين حكاية المينوتور وعم الراوي الذي هجرته أمه والوحش الذي يعاقب بلا ذنب وتهجره أمه ويحبس في متاهة...
هنا الوحش ضحية والحزن ينهش قلبه وهو رمز لكل طفل تتخلى عنه أمه ويعاقب لأي أمر لا ذنب له فيه...
وهناك الحزن البلغاري...الكآبة الصامتة الناتجة من العيش في أطراف التاريخ والشعور بأن الأحداث العظمى تحدث دائما في مكان آخر وأهل البلد كأنهم في عزلة جغرافية وسياسية واجتماعية خاصة في مرحلة ما بعد الشيوعية...
فيزياء الحزن تدفعك لتتأمل بعمق في تفاصيل الحزن ...
الحزن في حياة طفل مهجور وحيوان لا ذنب له ومهمش لا يلتفت لحزنه ومعاناته أحد ...
هل ينتهي الحزن؟
إنه ينتقل من جيل لآخر ...
الرواية فلسفية عن معنى أن تكون إنسانا وحيدا في هذا الكون الفسيح...

الكاتب خرج عن المألوف والكتابة التقليدية التي تلتزم ببداية وعقدة وحل ...
السرد في هذه الرواية يشبه المتاهة...
وهناك فكرة كبسولات الزمن التي يصنعها البطل الذي يؤمن بعبثية الوجود ونهاية العالم الحتمية ومع هذا يصر على جمع أشياء صغيرة وكأنه يحتج على فكرة الفناء ...
القبو والتنقل بين الأقبية في الرواية يرمز للحياة السرية وذلك النوع من الحصار الذي عاشته الشعوب تحت وطأة الانظمة الشمولية...


الخلاصة فيزياء الحزن ليست عمل أدبي عادي ...فهي سيرة ذاتية ومقالة فلسفية ولغة شعرية وتوثيق تاريخي ونقد أو اعادة كتابة للموروث الذي يمجد القسوة وإعادة الاعتبار للشخصيات المظلومة ...
رواية تتركك في حيرة وتدعو لإعادة ترتيب أفكارك 


 

جزء من الصورة

 

سأحاول هنا أن ألخص أفكاري بلغة بسيطة، بعيدة عن التعقيد والتنظير الذي لا يؤدي في الغالب لشيء ملموس. نحن نراقب ما يحدث من نقاشات وحوارات ومحاولات لفهم ما يحدث في اليمن، ولكن يبدو واضحا أن لا أحد عنده الجرأة للكلام عن المشاكل الحقيقية لليمن، عادة يتم التطرق للظواهر والنتائج، ويمكن أن نشير على استحياء للمشكلة، لأننا نخشى لو أشرنا لوجود مشكلات في النظام الجمهوري منذ لحظة تشكله، بأن يفسر ذلك على أننا ضد النظام الجمهوري وبالتالي نؤيد العودة للنظام الملكي. وهذا طبعا نوع من الإرهاب الفكري الذي يرفض إي نقاش حول جذور أي مشكلة ويقفز لإطلاق التهم الجاهزة، ويكمم الأفواه ويعرقل أي حلول أو محاولات جادة لتصحيح الأوضاع في اليمن.

لكن علينا بعد مرور 62 عام من قيام النظام الجمهوري، أن نبحث عن أسباب الاختلالات التي حدثت من أول يوم فعرقلت تحقيق أهداف من قاموا بالثورة! فما نحن فيه اليوم يؤكد بما لا يدع مجالا للشك غياب رؤية واضحة وموحدة للجميع منذ قيام الثورة.

 ما بأيدينا الآن، بالنسبة لي كقارئة عندما اقرأ ما كتب عن الثورة من مذكرات وكتب متنوعة عن الفترة من بعد استقلال اليمن عن النظام العثماني وخروج الأتراك من اليمن وما حدث حتى يومنا هذا، سنلاحظ بوضوح أن أهداف الثورة لم تتحقق حتى اليوم، وأننا لا نزال نعيش في شبه عزلة عن العالم.

وسيبرز سؤال واضح: لماذا؟

      الكتابات التي كتبت عن الثورة لم تكن عميقة، وتبدو كأنها خطاب موحد، تملك لغة لابد أن تسود جميع الكتابات، جميعها تكرر تلك العبارات: الحكم الكهنوتي البائد السلالي الوراثي الرجعي، في غياب كامل لتحليل ورؤية الكاتب ووجهة نظره المستقلة والحرة للأحداث وكيف سيتم إخراج اليمن من الظلام والرجعية والتخلف، وكيف سينطلق اليمن للعصر الحديث بكل ما يتطلبه ذلك، وما هي الوسائل والطرق لتحقيق ذلك. بدلا من استجرار النقد والسخرية وإلصاق كل عيب بالماضي في غياب الحديث الجاد والمسؤول عن واقع اليوم وخطط واضحة لدخول المستقبل. وتقع أغلب الكتابات في فخ تفخيم دور الكاتب وبطولاته، وتركز جميعها على من فعل، على الأشخاص، ليخرج القارئ بانطباع من هو البطل الذي فعل، ومن هو الأكثر بطولة. ويشكو بعض من كتبوا ذكرياتهم من حجم الضغوط التي مورست عليهم حتى لا يذكروا حقائق، بل يرددوا كلام وأحداث محددة سلفا. الأستاذ أحمد المروني مثلا كان بصدد تأليف كتاب يحمل عنوان "في سبيل الدستور"، لكن الكتاب خرج بعنوان" الخروج من النفق المظلم"، بعد ضغوط مورست عليه حتى لا يذكر شيء مما كان يخطط له.

وفي الجزء الأول من مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم، يذكر أن الطبعة الأولى من الكتاب تعرضت لنقد كبير، والنسخة الموجودة بالسوق هي نسخة بعد التعديل، لهذا لا يجد القارئ فيها شيء عدا بعض التلميحات والإشارات التي لا يفهم القارئ منها شيء. أحد ضباط الثورة تعرض لنوبة قلبية بعد حضوره لثلاثة أيام مع لجنة من تنظيم الضباط الأحرار لإعداد وثائق عن الثورة اليمنية في مركز الدراسات والبحوث، وقال إنه لم يستطع تحمل الوضع البعيد عن المصداقية والضغوط التي تمارس على الجميع لقول أشياء محددة سلفا بعيدا عن واقع الأحداث الحقيقية، وأضاف إنهم يزورون تاريخ الثورة وتاريخ اليمن، وقرر الاعتذار عن المشاركة.

من الواضح عند قيام الثورة أن الثوار الأصغر سنا لم يكن لهم رؤية مشتركة مع الثوار الأكبر سنا أو المخضرمين، بدليل أن هناك من كان يشير لدولة يمنية إسلامية، فهو يرفض الإمام لكنه يريدها دولة دينية، نظام إسلامي سني ربما، وهناك من يريدها جمهورية لكن بنظام محافظ للعادات والتقاليد لإرضاء دول الجوار وعدم إثارة حفيظتهم.، وهناك من تأثر بالنظام المصري والقومية العربية أو النظام الاشتراكي.

ويبدو أن ما حدث في الواقع بعد صراعات ظاهرة ومخفية، تلخص في استبدال عائلة حميد الدين بعوائل أخرى تتنافس على الحكم، دون تغيير كبير في الأدوات والثقافة وتم الاكتفاء بالنذر اليسير من التغيير.

لهذا لم ندخل عصر العلم والمعرفة والصناعة بما يتناسب مع طموحات الشعب اليمني للعيش بكرامة في بلد يستوعب ويتعلم لغة العصر ويمتلك أدواته ، عن طريق البدء بالخطوات الصحيحة نحو بناء دولة القانون والمؤسسات، واستمر الاستبداد السياسي بما يتناقض مع أول هدف للثورة الأم:

 " التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتها، وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"

فالحكم الجمهوري العادل هو الذي يضمن مستوى معيشة كريمة للشعب، لكن عندما تصدمنا التقارير والإحصاءات بأن اليمن يعتبر أفقر دولة عربية، ونسبة الفقر في اليمن تتزايد فهذا يدعونا للتساؤل حول حقيقة العدالة والامتيازات لفئات معينة، ( نسبة الفقر في اليمن 82.7% حسب مسح التنمية البشرية في اليمن الذي أجراه البنك الدولي)، ونسبة الأمية لاتزال 70% في إشارة لعدم كفاءة مشاريع التعليم كما جاء في وثيقة استراتيجية اليمن للحد من الفقر عام 2002 والتي نصت على أن: 

" التعليم الأساسي ما زال من المتعذر توفيره لكل الأطفال في سن الالتحاق بالمدرسة"، وتشير الوثيقة إلى المشكلات التعليمية الرئيسية في اليمن التي سببها ضعف النظام التعليمي وعدم كفاية التمويل العام والافتقار إلى القدرات المؤسسية اللازمة لتقديم خدمات التعليم الأساسي بكفاءة ، وبعد المسافة إلى المدرسة في المناطق الريفية والافتقار إلى وسيلة النقل للتلاميذ الصغار ومدارس النوع الواحد في المناطق الريفية، وانخفاض تدريب المدرسين ومؤهلاتهم، هذا جزء من مشاكل التعليم في الوقت الذي أصبح توفير مدرسة وسبورة لا يعد كاف في عصر السبورة الذكية ودخول الإنترنت والحاسوب للمدرسة الحديثة. 

بل أن وسائل القمع أصبحت أكثر قسوة ووحشية بعد دخول نظام التعذيب في السجون والمعتقلات. هذه النقاط، التي تمس حياة وواقع المواطن العادي، التي علينا أن نركز عليها، ونفهم أسبابها، حتى لا نظل دوما عالقين في الديباجات والتنظير لأطراف الصراع السياسي الأمر الذي لا يغير ولا يحسن واقع الناس ومستوى معيشتهم وثقافتهم وفهمهم للعصر الذي يعيشون فيه.

معالجات اليوم ينبغي أن تكون مختلفة عن تلك التي كتبت سابقا تحت سيطرة الرقيب، والتي يبدو على أنها متأثرة بسلطة النظام الحاكم ورؤيته وتفسيراته خاصة الكتابات الصادرة من مركز الدراسات والبحوث التي تمتلك جميعها الديباجة والمفردات والآراء ذاتها، لا نقرأ فيها أي تحليل حقيقي للأوضاع ومعرفة ما هي الأخطاء التي حدثت بعد الثورة وحتى اليوم، ووضع اليد على مكمن الخلل، لأنه من الصعب أن نجد كتاب واحد يتطرق لفساد النظام الحاكم، لكننا نجد الكتابات والإعلام كذلك كلها تدور حول نفسها وتكتفي بتوجيه النقد والسخرية للماضي وكأن الحاضر لا إشكالات فيه، ومحاولة إقناعنا أننا تخلصنا من واقع رهيب رغم أن واقعنا مقارنة بالعالم لا يزال رهيب.  كانت الثورة ضد نظام عزل اليمن عن العالم، ولكن إلى أي درجة نحن الآن جزء من العالم بما فيه من تقدم وعمران؟

 اليوم وفي ظل الفوضى التي نعيشها ينبغي على المفكر الحر أن يفكر بحلول للوضع اليمني وهو يرى الصورة كاملة لكل اليمن بما فيها من تناقضات، وهو مدرك أن ما وصلنا إليه هو نتائج لأخطاء الحكومات السابقة التي كانت تتهرب من مواجهة المشاكل الحقيقية وتغطي على ذلك بالخطب والشعارات حتى تفاقم الوضع وانفجر أخيرا. والحكمة تقتضي ألا نستمر في الهروب وأن الوقت حان لنقف ونتعرف على مشاكلنا الحقيقية دون زيف ولا تزوير. 

علينا أن نتجاوز موضوع زيدي شافعي، سني شيعي، شمالي جنوبي، هاشمي قحطاني، أصحاب مطلع وأصحاب منزل، وانبعاث هذه المفردات اليوم دليل واضح على فشل منظومة التعليم. لأن التعليم لم يساير التطورات السريعة في عالم المناهج المدرسية وطرق التدريس التي ظلت معتمدة على أساليب التلقين التي لا تشجع على التفكير الحر وتنمية الإبداع خاصة بعد إلغاء كل الأنشطة المدرسية والاستخفاف بأهميتها مثل: الموسيقى والمسرح والرسم وحصص المكتبة والرحلات المدرسية وغيرها والتي تلعب دور كبير باكتشاف مواهب الطلاب وتجعل البيئة التعليمية جذابة غير منفرة، كما أهملت المعاهد الفنية وتقلصت أعدادها.

كما أن الوضع الاقتصادي للمواطن يلعب دور كبير في استعداد الناس لتلقف أي اتهامات توجه لذلك الفصيل أو غيره بأنها سبب مشكلات البلاد، عكس ما يحدث في بلد يعيش فيه الناس في وضع يضمن لهم العمل والعيش بكرامة تحت ظل حكومة تشجع الاستثمار وتحمي المستثمر دعما للاقتصاد ومصلحة البلاد.

ونعرف أن كل هذه القضايا التي تنسف الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع اليمني ستزول تدريجيا عندما تسود الدولة الحقيقية، دولة العدالة للجميع بعيد عن تلك الحسابات السياسية التي دمرت ولاتزال تدمر وتمزق النسيج الوطني لصالح جماعات ترى مصلحتها فوق مصلحة المواطن العادي والبسيط. 

الآن، الحلول يجب أن تنطلق من رؤيتنا العصرية لدولة المواطنة التي لا تفرق بين أحد من المواطنين بسبب الجنس أو العرق أو المذهب، دولة المواطنة تضم الجميع ولا علاقة لها بكل ذلك فوظيفة الدولة حماية مصالح وحقوق كل الناس، وتوفر بيئة آمنة للاستثمار ولعيش الجميع، وعلى وسائل الإعلام ألا تتبنى أي صراع مذهبي أو سياسي ولا تتدخل بمعتقدات الناس واختياراتهم. وعلينا تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه الدولة سابقا، عندما سلطت جزء من الخطاب الديني ضد خطاب ديني آخر، وبدلا من ذلك على الدولة أن تعترف بالتنوع المذهبي في البلاد ويجب احترام هذا التنوع، وبالتالي ينعكس هذا التنوع على المناهج الدراسية خاصة منهج التربية الإسلامية.

 يجب أن نكون أكثر وعيا وحكمة من الحكومات السابقة وتعديل ذلك الخلل ولا نسمح لأي مجموعة بإن تعتدي على أي مجموعة أخرى داخل المجتمع، لتفرض رؤيتها على الجميع. نعرف جيدا أن هذه أمور ليست سهلة لكنها تحفر وتعمق الشرخ في كيان المجتمع اليمني، ويسهل على من له مصلحة في دمار البلد أن يدخل من هذه الثقوب لتأجيج جماعة، تظن أن هناك نوع من الظلم يقع عليها، على جماعات أخرى. 

على المفكر الحقيقي أن يضع يده على المكان الصحيح للألم، أن يضع يده على جذور المشكلة وليس على النتائج لأننا نلاحظ أغلب المناقشات والحوارت تناقش النتائج والأعراض وتتجنب الجذور الحقيقية للمشكلة.

لسنا ضد القبيلة، ولكن على القبيلة أن تلتزم بالقانون، وشيخ القبيلة عليه أن يكون هو أول من ينفذ ويلتزم بالقانون، القانون الذي هو في صالح الجميع، ولا يكون أبناء المشايخ فوق القانون، وإلا فإن الثورة لم تفعل سوى استبدال حاكم ظالم بطبقة أخرى تمارس الظلم والفوقية على بقية الناس.

علينا أن نناقش كل الاختلالات مثل أن يتم التعامل مع شخص بحسب لقبه، من يفعل هذا هو المثقف أو المفكر المؤدلج، وهو مثقف أو مفكر غير حقيقي لأن عليه بالأساس أن يتبنى مشاكل وهموم المجتمع كافة ولا يقع فيما يدعي أنه يحاربه من عنصرية وطائفية. والمثقف الحقيقي يعمل لصالح كل مواطن وهو على مسافة واحدة من الجميع، أما اختزال مشاكلنا في التخلص من فئة أو مذهب أو عرق فهذا دليل على أننا لانزال في المربع الأول حيث يتجاوزنا الزمن والعصر ونحن نقبع هناك نحمل أفكار عفي عليها الزمن.

علينا أن نتعلم مما حدث في رواندا ونعرف كيف ساهم الاحتلال البلجيكي والألماني في غرس معلومات مضللة حول العرقيات في البلاد التي تتكون من: الهوتو والتوتسي والتوا، وفرضوا بطاقات هوية يذكر فيها العرق، وبثوا أن التوتسي عرقية دخيلة على البلاد، فرغم التحرر من الاحتلال لكن الحكومات التالية كانت حكومات تتبنى أفكار عنصرية ضد جزء من مكونات المجتمع الرواندي الذي يتكون من غالبية هي الهوتو ضد أقلية هي التوتسي. وظل الإعلام الرسمي يبث تلك الأفكار التي دسها المستعمر بأن البلد لن تستقر إلا بالتخلص من التوتسي. وعام 1994 قامت حرب الإبادة ضد التوتسي والتي استمرت 100 يوم من المجازر البشعة على مرأى ومسمع العالم. وعندما توقفت تلك المجازر وهروب مجرمي المجازر تمت ملاحقتهم، وعادت البلاد كما كانت من العرقيات الثلاث، ولكن بجروح عميقة يصعب أن تندمل، وهناك متحف في العاصمة كيغالي أنصح كل يمني أن يذهب لزيارته ليرى جماجم الضحايا التي تقترب من المليون، مع صور مجرمي الإبادة والضحايا. تعلمت رواندا إلغاء تحديد العرقية من البطاقة، وحرمت أي خطاب رسمي أو حتى بين الناس للإشارة لعرق أي مواطن لأن الجميع الآن سواء تحت مظلة القانون. فهل بيننا من يؤيد أن تذهب البلاد باتجاه حرب إبادة ومجازر تزيد من هوة المسافة بيننا وبين العالم المتحضر؟!

     في بلادنا نعلم أن الاستعمار البريطاني حاول تعميق الخلاف المذهبي - الزيدي الشافعي - من أجل تجسيد مبدأ "فرق تسد" كما جاء في كتاب تاريخ اليمن المعاصر للباحث عبد الوهاب العقاب والذي يذكر فيه كيف ألقت الطائرات البريطانية منشورا يوم 17 مارس من عام 1927، جاء فيه:

 "إلى أهل المذهب الشافعي في اليمن وفي المحميات البريطانية"

 وتحدث المنشور عن الدور الذي يقوم به الإمام الزيدي من انتهاك حرمة المحميات البريطانية، وأشار إلى أن المناطق الشافعية لن تصاب بالقصف الجوي إلا إذا قام الأهالي بدعم ومساندة الزيود إلخ. فركزت بشكل سلبي على التنوع الجميل في المجتمع اليمني، ولم يكن يذكر الإمام إلا بصفة الإمام الزيدي بدل من إمام اليمن أو حاكم اليمن، وهو دور مشابه لما فعلته بريطانيا في الهند والتي تجزأت وانقسمت بعد خروج قوات المحتل البريطاني بعد سنوات من إثارة عوامل التفكك بين أبناء البلد الواحد.

ليس من السهل على أغلب الناس تقبل التغيير، لأن التغيير يحتاج وقت. البعض يتقبل التغيير بسهولة والبعض ينتظر حتى يقتنع الجميع بالتغيير فيتغير ويحس بالأمان، وهؤلاء أكثرية.  

هل يكفي أن ترفع صورة العلم وتردد النشيد وتحتفل بمناسبة ذكرى الثورة لتثبت أنك جمهوريا؟

 أن تكون جمهوريا تعني أن تتقبل التغيير، لأن الثورة في حقيقتها هي تغيير. لكن ما حدث في واقعنا، هو تغيير فقط لرأس النظام وظل النظام والثقافة كما كانت، التغيير المنشود لم يحدث بعد، حدث تغيير طفيف، من يستنكر هذا عليه أن يقارن نظام الإدارة وأسلوب التعليم، وللفهم أكثر وتوضيح النقطة التي أريدها هنا: 

لو بحثنا ترتيب اليمن في جداول وإحصاءات الأمم المتحدة لنرى ترتيب اليمن مقارنة بالبلاد العربية سنلاحظ اليمن دوما تأتي في المرتب الأخير أو قبل الأخير. تصنيف وموقع اليمن في التعليم والصحة والفساد ومستوى معيشة الفرد أو أي مجال آخر، نعم كانت اليمن منعزلة عن العالم وتعاني من الفقر والجهل والتخلف في الماضي، لكن لاتزال هذه الصفات ملتصقة باليمن. والتغيرات التي حدثت متواضعة ولا ترتقي لما يطمح إليه المواطن الذي يحق له أن يعيش بكرامة في بلد منفتح على العالم، بلد يمتلك المزارع فيه أدوات الزراعة الحديثة التي تعينه وتحسن من عمله بعد أن تخرج من معهد زراعي وفر له كل ما يخص العلم الحديث في مجال الزراعة ولم يعد معتمدا على الطرق البدائية في الزراعة. 

بلد يشجع السياحة التي توفر للبلد مصدر دخل كبير وتوظف أعداد كبيرة من السكان، بلد يشجع الاستثمار في كل المجالات لتوفير فرص عمل للقضاء على البطالة في بلد أغلب سكانه في سن العمل. 

بلد يشجع القطاع الخاص على الاستثمار في مجال التصنيع بدل من أن تقوم الحكومة بإغلاق مصنع كان يوفر حياة كريمة لعدد غير قليل من العمال والعاملات كما حدث مع مصنع الغزل والنسيج بصنعاء، مع أن المتوقع هو فتح مصانع أخرى في عدد من المحافظات.

وعندما نقارن حجم التغييرات في البلد المنطقي أن نجري المقارنة مع الآخرين، لأن المقارنة مع الأمس هي مقارنة تعطي انطباع خاطئ لأنها تهمل حركة الزمن والمقارنة الحقيقة هي مع بقية العالم. أين وضع اليمن قديما مقارنة مع الآخرين ووضع اليمن الآن مع الآخرين كم تحسن؟

كيف وضع اليمن مقارنة مع العالم العربي وضع سيء! 

 السؤال: لماذا؟ ما هي الأسباب؟

إنه الصراع السياسي وشراء مواقف المثقف أو المفكر لصالح النظام السياسي لتبييض صفحة النظام وإقناع الناس بالمنجزات العملاقة والقفزة الحضارية مقارنة مع الماضي وكأن اليمني لا يستحق أفضل مما هو كائن. وكم رأينا المثقف المعارض وبشدة للنظام كيف ينقلب لمؤيد وبشدة للنظام.

الصراع السياسي يحول الناس لمنحازين لأحد الأطراف وهذه كارثة حقيقية تجعلنا في دوامة لن نخرج منها.

علينا أن نركز على مشاكلنا الحقيقية، لا زلنا حتى اليوم نعاني من الأمية!

 لايزال اليمني يسافر خارج اليمن ويندهش ويتحسر على وضع بلاده، لايزال مئات اليمنيين يسافروا للعلاج بالخارج كأن اليمن بلد لا يستحق ممن يحكمه أن يبني فيه مستشفيات بمعايير دولية. وكل مسؤول يمني يسافر للعلاج خارج اليمن ولا يهتم بالمساهمة بتوفير مستشفى حقيقي لبقية أبناء اليمن.

علينا أن نؤسس لثقافة تحترم الآخر وتعترف أن له حق في الوجود،  أن نتعلم كيف نعترف بتعدد الألوان وتعدد الأذواق وقبول الآخر.  في الدول المتحضرة هناك قبول للآخر، تعددية، قبول للتغيير بشكل مستمر، نقد للأخطاء لكن عندنا ممنوع. فكما هناك مشكلة تقديس في الموضوع الديني وممنوع النقد أو إبداء رأي آخر، أيضا هناك تقديس لمن يحكم وممنوع الحديث عن الأخطاء التي ارتكبت، لهذا لا نتعلم من دروس التاريخ وتجارب غيرنا من الدول التي شهدنا كيف تغلبت على مشاكل الفقر والتبعية.

علينا أن نكون أكثر وعيا وأكثر فهما وأكثر جرأة، هل نملك هذه الجرأة لنعرف فالمعرفة قوة؟

تاريخ الجمهورية والنضال، تم تشويهه، وتشويه تاريخنا هو تشويه للذاكرة. لابد أن يكون لدينا اعتزاز بتاريخنا الحقيقي لا المزور. كانت هناك فترة في تاريخنا، فترة عزلة عن العالم وتخلف عن ركب العالم المعاصر، لكن هذا لا ينفي وجود أدب وفكر وفن وحياة جميلة للناس، لماذا الإصرار على صبغ كل شيء بالبشاعة والقبح، هذا التزوير المتعمد للماضي خلق تشوه يجعل من الصعب أن يكون هناك مستقبل سليم لمن تشوهت ذاكرته.

نحتاج أن نتعامل مع كل شيء بحجمه الحقيقي، نقول للخطأ خطأ، نزيل التشوهات، حتى تستقيم حياتنا ويستقيم فكرنا وحتى نتمكن من دخول أبواب العصر بثقة وعزة، وإلا سنبقى نعيش في التشويه والعرج الفكري غير السليم، وهذا ما يعاني منه أغلب أهل الفكر المشوه. لأنه فكر يعاني من عقد النقص لهذا يكذب ويزور ويشوه.  وكأننا نؤمن بإن الغاية تبرر الوسيلة.

الشعوب الحية تتجاوز العقبات بعد أن تفهم سبب تخلفها عن بقية الأمم، والتحدي الحقيقي أن نتجاوز بعد أن نستوعب كل المعوقات، ولا نظل عالقين عند فكرة النقد لمجرد النقد دون أن نعي الدرس، نحتاج أن نخرج من هذا الوضع الرهيب الذي سببناه لأنفسنا، وهذا يتطلب أن نبدأ بإعادة النظر في أهداف التعليم ومناهج التعليم وأساليب التعليم وأدواته الحديثة، وتعليم الطلاب في المدارس تاريخنا الحقيقي  بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات، نعطي فرصة للنقد في المدرسة نفسح المجال لقول هذا صح وهذا خطأ دون إملاءات وخوف، نحن نمارس في تعليمنا تسلط وإرهاب فكري وتعنت  لهذا نرى كل هذا العشق للتسلط والحكم الديكتاتوري بين الناس، لنكن صادقين مع أنفسنا ولنواجه كما قلت جذور مشاكلنا وأسبابها لأن معالجة الظواهر عمل غير سليم. 

ليس بأيدينا إيقاف الصراع بين القوى المتصارعة في اليمن، لكننا نستطيع المساهمة في تغيير أفكار الناس ورفع الوعي ومحاولة الحد من ثقافة العنف والكراهية، وهذا لن يتم إلا عبر التركيز على تطوير منظومة التعليم، التعليم العصري بمدرسة عصرية تمتلك كل وسائل العصر وأساليبه بعيدا عند طرق التدريس التقليدية التي أصبحت من الماضي في عالم اليوم.

من المؤسف أن يتورط أصحاب الفكر والثقافة في التحيز لأي طرف ضد طرف أو أطراف أخرى وهذا ما يساهم في إطالة أمد الصراع بدلا من كشف عورات أهل السياسة وسقوط أقنعتهم أمام الجميع، ومعرفة ومدى أنانيتهم وتمسكهم بمصالحهم الشخصية التي تتعارض مع مصلحة البلاد ومصلحة المواطن اليمني البسيط الذي يدعون أنهم يديرون الحرب لأجله. 

نستطيع المساهمة بإحداث تغيير حقيقي عبر رفع وعي الناس وإحياء مراكز محو الأمية وتشجيع الشباب للتطوع في ذلك العمل في الفترات المسائية والعطلات الصيفية وإنشاء مراكز ثقافية تهتم بالقراءة والتشجيع على نشر الثقافة النوعية التي لا تسخر من أحد ولا تحط من قدر ثقافتنا الشعبية، بل تعزز كل ما هو جيد فيها، لان الناس يتفاعلون مع ما يفيدهم وينفرون مما يمس عقائدهم وخصوصياتهم الثقافية. وعندما يرتفع وعي الناس سيرفضون أن يحكمهم من لا يحقق طموحاتهم ويرفع مستوى حياتهم بما يناسب العصر الذي يعيشونه.

بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 نشطت مراكز ثقافية متنوعة تابعة لعدد من السفارات العربية والأجنبية كانت تفيد المجتمع بالتدريب في مجالات تعلم الطباعة التي كانت مناسبة لتلك الفترة وتعلم اللغة الإنجليزية وأعمال السكرتارية واستعارة الكتب وعرض أفلام سينمائية، لكن للأسف الشديد أغلقت رغم أهميتها وحاجة الناس لها.  وعندما جاءت فترة ما أطلق عليها فترة الصحوة الإسلامية تعرض المجتمع لنكسة ثقافية كبيرة لأن كل شيء أصبح ممنوع، الفن والمسرح والسينما وحتى الأنشطة المدرسية.

قد يبدو هذا غريبا للبعض، لكن التغيير الثقافي للناس هو الذي يدخلهم العصر، هو الذي يقنعهم بأن القوانين جاءت لمصلحتهم ويمدهم بمهارات تناسب الزمن ويمحو الأمية الثقافية ويشجع حركات التطوع لخدمة المجتمع حتى لا يتجه الجميع للهروب إلى مجالس القات الذي للأسف شجعته الأنظمة السابقة لأن من مصلحتها أن يبقى الناس دون تغيير حتى تتنصل من مسؤولياتها الحقيقية.

المشوار طويل لكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة...وطريق العلم والمعرفة وتمكين الناس هو التحدي الحقيقي رغم صعوبته.