كتاب: بنات سبأ - رحلة في جنوب الجزيرة العربية لهاري سانت جون فيلبي

 

وثق الكاتب رحلته التي انطلقت من وسط الجزيرة العربية متجها جنوبا ...
الرحلة شملت نجران والربع الخالي وشبوه وصولا إلى حضرموت ...
فهي رحلة تمت في عام 1936 انطلقت من الرياض إلى بحر العرب عبر عسير ونجران...
في هذه الرحلة رسم الخرائط واهتم بالتضاريس لكل منطقة ....
صفحات من الوصف الدقيق لمكونات المكان وحالة الطقس ودرجة الحرارة ونوع البشر الذي يصادفهم ...
 
وكذلك رصد للعادات والتقاليد وملابس الناس وطبيعة حياتهم وما يستخدمون من أدوات...
واهتمام كبير بأسماء الأشجار والنباتات والطيور والحيوانات ...
واهتمام كبير بمكان تواجد الآثار التاريخية من حيث وصفها ورسم ما جاء عليها من كتابات ورسومات....
وأخذ معه عينات من الحيوانات والطيور وقد اصطحب معه مختص في عمليات التحنيط...
حصل أيضا على شاهد قبر تاريخي وهو الآن معروض بأحد المتاحف كما ذكر في الكتاب ...
أكد أنه أول أوروبي تطأ قدمه تلك الأماكن ووجه بعض النقد لمن سبقوه ولم يحققوا ما حققه...يتحدث اللغة العربية ويمارس الشعائر الإسلامية وكان هذا جواز مرور سهل مهمته...
استلهم فيلبي اسم الكتاب من الإرث التاريخي لمملكة سبأ...بحسب رأيه أن القبائل والمجتمعات التي التقاها في تلك المناطق هي الوريث الشرعي أو "بنات" تلك الحضارة القديمة العريقة....
 
فسبأ ليست مجرد أسطورة قديمة... 
لأن جذورها حية ولا تزال ممتدة في دماء القبائل التي تسكن تلك المنطقة....
 
اقتباس من الكتاب:
وفي أحد البساتين المنخفضة يوجد الضريح الواضح بجلاء ، ذو القبة البيضاء، وهو لأحد الأولياء المحليين، عبد القادر الجيلاني البغدادي.
ويبدو أن أحدا لا يعرف كيف جاء هذا الولي المشهور إلى هنا.
ولكن هاهو هنا، وقبره يحظى بالتبجيل والاحترام من السكان المحليين، ويقام له احتفال سنوي ، اعتقد في شهر ربيع الأول ، وهو عيد النيروز القديم بعد أن تم تحريكه من مكانه بالتقويم القمري للإسلام.
 
"وكانت الهضبة التالية وعرة وصخرية وتنتشر فيها بقدر معقول أشجار قصيرة توقفت عن النمو، وذات جذوع سميكة، وهي على وجه التحديد أشجار البشام أو البلسم، والتي أهملها جيل قد نسي تجارة التوابل القديمة في وطنه"
"
 

 
 

 

أدب الرحلات... حين يصبح مرآة للوطن قراءة في كتاب (على طريق الغيوم) لـ "أحلام جحاف"

 

أدب الرحلات... حين يصبح مرآة للوطن قراءة في كتاب (على طريق الغيوم) لـ "أحلام  جحاف" - نجيب التركي
​"من الجميل أن تحتوي أي مكتبة كتاباً واحداً على الأقل في أدب الرحلات"
​بهذه العبارة أستهل الحديث عمّا بين يدي.
​لم يكن وصول هذا الكتاب إليّ صدفةً عابرة، ولا حظاً طارئاً، ولا حتى رسالةً وصلتني على سبيل الخطأ؛ كان قدراً ساقه الله إليّ، رغم أن الكتاب في الأصل لم يكن لي.
​في إحدى أمسيات نادي القصة (إل مقه) التقيتُ بالعزيزة "أحلام جحاف". كنتُ أعرفها وجهاً واسماً، ولم أستطع في اللحظة الأولى أن أجزم بأنها هي ذاتها؛ حضوراً حيّاً لا مجرد صورة في الذاكرة. تداخلت الظنون، وتزاحمت الأسئلة. سلّمتني أحلام أربعة كتب من "على طريق الغيوم" اثنان منها موقعان بأسماء أصحابها، واثنان يخصّان النادي.
​تركتُ الكتب حيث ينبغي، إلى أن شعرتُ وكأن أحدها يناديني، متوسلاً ألا أتركه مقلوباً على ظهره، خشية أن تنحني فقراته. استجبتُ لندائه؛ لم أكتفِ بتعديل وضعه، بل احتضنته وبدأت قراءته في اللحظة ذاتها.
 
​ولأن موعد نومي عند الحادية عشرة مساءً، آثرتُ أن أنزوي بعيداً عن أعين زوجتي وأطفالي. وحين هممتُ بالخروج، سألتني أم العيال:
​إلى أين؟
​اشتقتُ لأمي.
​نهلتُ من الكتاب نحو خمسين صفحة، وتوقفت عند الصفحة التاسعة والأربعين، واضعاً الفاصلة برفق، كأنني أهيئه ليستأنف من حيث تنفس آخر مرة. تركتُه في غرفة والدتي، وعند الفجر عدتُ إليه، حملته معي إلى العمل، متحججاً بأن لديّ ما ينبغي إنجازه قبل أن تشرق الشمس. كذبتي لم تعش طويلاً؛ فقد استيقظتُ وأنا أتمتم: "ليتني ألمانياً... وليتنا نحذو حذوها، ونسير على نهجها في مختلف مناحي الحياة؛ إلا النازية"
شعرتُ بسبّابة تنغز كتفي، وصوت يقول:
​أمس كنت عند أمك، أو كنت مع أحلام؟
​اكتفيتُ بابتسامة كانت أبلغ من الجواب. واتفقنا لاحقاً أن يكون الكتاب دورها بعد أن أنتهي منه؛ فقد جرت عادتنا ألا يسبق أحدنا الآخر إلى كتاب.
 
​منذ الصفحات الأولى، تذكرتُ "جورجي زيدان"، لكن أحلام أخذتني إلى ما هو أبعد من ذلك. بروحٍ يمنيةٍ محلّقة، تواقة لكل جميل، اقتربت من تفاصيل الحياة كما ينبغي أن تكون: التزام، انضباط، نظافة، واحترام للإنسان. في الجزء الخاص بألمانيا، شعرتُ أنني هناك، وإن كان ذلك في الخيال. ومع كل صفحة، كانت الأسئلة تتقافز في رأسي:
​لماذا ما زلنا على ما نحن عليه منذ قرون؟
​لماذا ننتقل من حربٍ إلى أخرى، كأننا سيّاح لا يستقرّون؟
​متى يكون لنا وطنٌ مستقر، ودولةٌ نحترمها وتحترمنا؟
​متى نتعلّم التعايش مع الآخر، ونقبل الاختلاف؟
​ومتى نملك إرادةً حقيقيةً لنكفّ عن التدخل في شؤون بعضنا البعض؟
 
​قادتني القراءة إلى البحث عن أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل، ومقارنتها بما نعيشه ونمارسه، بل وبما نعجز عن صناعته رغم قدرتنا. من بين ما شدّني، بحثتُ عن سيارة Trabant، لأجد نفسي بعد انتهاء الفيديو أنتقل إلى أخرى تُدعى Yugo.
​متعة الاكتشاف لا تهدأ؛ تقودك من تفصيلة صغيرة إلى عوالم أوسع، وتفتح أمامك أبواباً من الحنين والتأمل. فالنوستالجيا ليست بعيدة، بل أقرب مما نظن. هذا الكتاب لا يكتفي بأن يروي رحلة، يدعوك لأن تعيش حياتك بخفّة، دون أن تنتقص من الآخرين، وأن تتعلّم كيف تستثمر كل لحظة تمرّ بك. وهكذا وجدتني أقرأ وأنا أتمايل طرباً، أرقص بين الصفحات، وأتناول قطع البيتي فور، وألتقط ما تبقّى من الفستق واللوز في وعاء جعالة العيد، كأنني أحتفل بالحياة على طريقتي الخاصة.
 
رحلتي مع ألمانيا بتنهيدةٍ طويلة، كأنني أودّع مكاناً عشته ولم أزره. بعدها، سلّمتني أحلام تأشيرة العبور إلى إيطاليا، وكأنها تأكدت أنني استوفيت متعة الدهشة. وكيف لا، وألمانيا التي قدّمتها كانت لوحةً زاخرةً بتنوّعها؛ بلد غوته، باخ، بيتهوفن... والقائمة تطول. غير أن كل اسمٍ كنتُ أمرّ عليه، كان يوقظ في داخلي وخزةً خفية؛ ألماً على بلدي، وعلى قاماته التي لا يُشار إليها بالبنان، ولا تُنصفها الأقلام، إلّا نادرًا.
​في الجزء الخاص بإيطاليا، بدأ الصلف يطلّ برأسه في ملامح صاحبة البيت وردود الشرطي. كان فصلاً مربكاً منذ بدايته، كأنه قطع إيقاع الرحلة فجأةً، وحدّ من ذلك الأكسجين الذي ملأ صدري في الجزء السابق.
 
​ثم تنقّلت الرحلة: جيبوتي، كأنها نسخة يمنية مصغّرة في ملامح الجوع والفقر والمرض والبطالة؛ فالقاهرة، قاهرة المعز، حيث الثراء الفكري والغنى الجمالي الذي لا ينضب؛ ثم أذربيجان، ومعمارها الذي تفنّنت في هندسته زها حديد، ما دفعني للبحث أكثر عن إنجازاتها.
​الرحلة حين بلغت رواندا، تغيّر كل شيء. بدأ الوجع يتصاعد، وراحت الذاكرة تُثقَب، كأن الجمال يتلاشى تدريجيًا. فمن يقرأ عمّا حدث هناك، عن الإبادة الجماعية في رواندا، لا بد أن يخجل من إنسانيته. كم من انتهاكٍ للأعراض، واستباحةٍ للدم والأرض، تحت أعين العالم. عند تلك اللحظة، صار النص مواجهةً قاسية مع وجع الإنسان.
​تمامًا كما قال إميل سيوران: "ليس الله وحده في هذا العالم... كذلك الألم".
 
​بعد رحلة الاستجمام في إسبانيا، حيث شعرتُ أنني أتقاسم معهم المكان والزمان، انتقلتُ إلى كينيا. هناك، تسلّل إليّ إحساسٌ غامض بروابط لا أستطيع تحديدها؛ ربما الشاي، وربما بساطة العيش بسلام.
​ثم وصلتُ إلى اليونان، حيث توقفتُ عند حديث الكاتبة عن أشجار الزيتون في كل مكان. عندها ذهب خيالي بعيدًا:
​ماذا لو كانت شوارعنا تكتسي بأشجار البن؟
​وكم طفلاً يمنيًا يعرف شكل شجرة البن؟
أدركتُ أن التساؤل ليس عابرًا؛ أحيانًا يأتي كالمطرقة ليوقظ. فكل "ماذا لو" تحمل بذرة مشروع، لكنها لا تنمو إلا بوعيٍ يؤمن بما يمكن أن يكون.
 
​بعد اليونان، جاءت سويسرا... ويا ليتها لم تكن الأخيرة. بدت الرحلة كفسيفساء من عشر محطات، رتّبتها أحلام بعناية. في هذا الفصل شعرتُ أنني هناك فعلاً؛ أتلمّس الحجارة، أستمع إلى خرير الماء، أزور الكنائس، أحتسي قهوتي بهدوء، وأمامي علبة شوكولاتة فاخرة.
​لم يكن المال يعني لي شيئًا، بقدر ما دفعتني المتعة إلى إغلاق الكتاب... بلا كلمة؛ فالاكتمال نفسه يرفض أن يُكتب.
​فهل تحتاج هذه اللحظة إلى دبلوماسيةٍ تُهذّب اندفاعها؟
أم أن أجمل ما فيها أنها صادقة، عفوية، بلا تفسير؟
 

 

قراءة نقدية لكتاب: على طريق الغيوم لعزيز الباروت

 

استضافة في ألمانيا....حكاية وعي - عزيز الباروت
 
حللتُ ضيفًا على أسرة كريمة كانت تقيم في ألمانيا، فلم تبخل عليّ هذه الأسرة بتعريفي على معظم ما يدور في هذا البلد الأوروبي العريق، خاصة الأنظمة والقوانين الصارمة، وأسلوب الحياة فيه مقارنة بما هو موجود لدينا. ومن المواضيع التي سنتطرق إليها سيأتي في مقدمتها التعليم، ومن ثم الثقافة والوعي المجتمعي كونهما الركيزة الأساسية التي تنهض بها الأمم. بعدها نأتي إلى المعالم القديمة والعصرية، مرورًا بالتسوق والمراكز التجارية، والغابات، والحدائق، والأبراج، والمساجد، والمتاحف، والعطل والمناسبات، والمطارات، ومحطات القطارات ووسائل النقل الأخرى، وغيرها مما سيأتي ذكره.
احتفت بي تلك الأسرة احتفاءً كبيرًا، ورافقتني في زيارات إلى الكثير من المعالم والمرافق حتى أرى وأسمع وألمس كل شيء بنفسي.
 
أول المحطات كان مقهى "ليبيغهاوس" في مدينة فرانكفورت، مقهى متميز تناولنا فيه بعض الكيك والمعجنات التقليدية الألمانية الشهية مع القهوة.
أول ما لفت انتباهي، وكان بمثابة الدرس الأول، الفارق الكبير بين ما نعيشه نحن وما وجدته، وهو الطابور الطويل الذي وقفنا فيه لتحديد ما سنختاره، ومن ثم نحمله بأنفسنا إلى المكان الذي سنجلس فيه إن كان هناك مقاعد شاغرة. لكنه، بالرغم من هذا الطابور الطويل، فلا نسمع لأحد صوتًا أو ضحكًا أو ما شابه ذلك من الفوضى التي نعيشها في بلدنا. أعجبتُ جدًا بأول المحطات حيث اجتمع فيها حديقة ومقهى.
 
ومن هنا بدأنا بالتعرف على ما يدور في هذا البلد، في كنف هذه الأسرة الكريمة التي اتخذت أسلوبًا رائعًا في هذا الصدد، بحيث بدأت بتعريفي على الأشياء التي لا يمكنني زيارتها بشرحها شفويًا، أما بقية المحطات التي يمكن زيارتها ولا يمكنني التعمق فيها إلا من خلال زيارتها وتلمّس واقعها عن قرب، فقد رافقوني بالعديد من الزيارات إلى الكثير من المعالم التي سنحاول اختصار ما تعرفنا عليه.
ونحن في ذلك المقهى بدأ شرح المعلومات الشفوية، فبعد شرح مقتضب عن تفضيل السكن في الضواحي بعيدًا عن صخب المدن الكبرى مثل فرانكفورت، وشرح كيفية التعامل مع وسائل المواصلات، دخلنا في أهم محطة كانت تؤرقهم، وهي التعليم. فلديهم أطفال في مختلف المراحل بدءًا بالحضانة، وكونهم انتقلوا إلى مجتمع وبيئة مختلفة عن مجتمعهم، ولا توجد أي روابط من حيث اللغة أو الدين أو الثقافة، ولا توجد مدارس عربية، ومن الصعب على الأولاد تكوين صداقات في هذه البيئة الغريبة عليهم، الأمر الذي فكّروا فيه بعودة الأم مع الأولاد، ويظل الأب لممارسة عمله الذي انتُدب إليه. وبعد دراسة الوضع واستشارة أمثالهم ممن سبقوهم، وجدوا أن ألمانيا تعتبر التعليم الركيزة الأساسية في بناء المجتمع، وبالتالي من الممكن تأقلم الأولاد، ولو أن هناك نوعًا من الصعوبة، إلا أنه يمكن التغلب عليه نظرًا لجودة التعليم في ألمانيا ووجود نظام دقيق يوفر عدة مستويات ومسارات متعددة تتناسب مع مختلف الذهنيات، كل حسب مستوى فهمه، حتى يصل الطالب إلى المستوى الذي يستوعب قدراته بنفسه، فيسهل عليه شق طريقه ويختار تخصصه بما يتناسب مع استيعابه. كون تحديد المسار يبدأ مبكرًا من المرحلة الابتدائية حسب توصية المعلمين بما يتناسب مع قدرات الطالب، حيث إن هناك خمسة مسارات من الأعلى إلى الأدنى، ولا يلتحق بالتعليم الثانوي الأعلى إلا من يتأهل له، وإلا فهناك مسارات التدريب المهني التي يتخرج منها مهنيون وحرفيون ماهرون، وهناك طلب كبير لهذه الفئة في سوق العمل وبرواتب ممتازة. وبهذا تم اتخاذ القرار والتحق الأولاد بالمدارس، وبالجهد الكبير للأم تم التغلب على تلك المصاعب.
 
بعد ذلك انتقلنا إلى الحياة اليومية، مثل إخراج النفايات وكيفية توزيعها وترتيبها ووضع كل قسم منها بالطريقة والمكان الذي يخصه، ومن خالف ذلك يخضع لعقوبة من سلطات المدينة ورفض المجتمع أيضًا. كذلك كيفية التعامل مع النظام البيئي واحترام خصوصيات الجار. كما تطرقوا إلى بعض الأحداث التي حصلت معهم، بعضها يصيبك بالدهشة، ومنها:
تعرضنا لحادث سرقة حقيبة صغيرة في مطار فرانكفورت أثناء انشغالنا بإكمال إجراءات السفر، ويوجد فيها الجوازات والتذاكر وبعض الوثائق الهامة، وعند إبلاغنا للقسم المختص في شرطة المطار أفادنا الشرطي بكل هدوء أن مثل هذه الحالات منتشرة في المطار، لكن الأوراق حتمًا ستعود، فاضطررنا للعودة دون سفر.
 استغربتُ بشدة: كيف لبلد مثل هذا يتوفر فيه الأمن والنظام والوعي والصدق والأمانة وتنتشر فيه السرقة في مرفق حيوي هام، وبشهادة الشرطة نفسها؟ تم الرد على استغرابي بأن هذا البلد حتى اللصوص لديهم بعض الأمانة! قطبتُ حواجبي مستغربًا الأمر، لكنه استطرد قائلًا: بعد أيام قليلة تلقيت مكالمة بالعثور على الحقيبة، وذهبت لاستلامها. واستفسرتُ من الشرطي كيف تم العثور عليها، فذكرني بأمانة اللصوص وقال إنهم يتمتعون بشيء من الظرافة والأمانة، ويقومون بوضع الوثائق الهامة التي لا يستفيدون منها ماديًا بجانب براميل النفايات، وعند عثور أحد عمال النظافة عليها يقومون بإيصالها إلينا.
 
حادثة أخرى رواها لي رب الأسرة، ولكنها كانت في زيارة سابقة، فقال:
أنت كزميل تعرف طبيعة عملي ودقة مواعيده وتأثير التأخير ولو لدقائق على العملاء. ففي أحد الأيام وجدت نفسي متأخرًا، وأنا في طريقي إلى مكان العمل أقود سيارتي، الأمر الذي دعاني لتجاوز السرعة المحددة في منعطف من منعطفات الطريق. بعدها وصلني إشعار بإيقافي عن القيادة لمدة شهر عقوبة لذلك. في اليوم الثاني ذهبت للمختص في سلطة المرور وشرحت له طبيعة عملي وأهميته، عله يعفيني، فاعتذر بكل أدب وأنه لا بد من تطبيق النظام. حينها تبادر إلى ذهني فكرة، قلت لعلها تنجح، وتحججت بأن من كان يقود السيارة هو سائق المكتب وليس أنا، عله يحيل إيقاف العقوبة عليه. وبكل هدوء، وبلمسة خفيفة من أصابعه على الحاسب الذي أمامه، وضع أمامي صورة، أول ما رأيتها كاد الدم يتجمد في عروقي، لأني رأيت الصورة توضحني وأنا ممسكًا بمقود السيارة، وواضح فيها أيضًا اللوحة المعدنية للسيارة، وبنفس المكان الذي تجاوزت فيه السرعة، إضافة إلى سرعة عداد سيارتي والسرعة المسموح بها. اعتذرت بشدة واضطررت لركوب القطار بدلًا عن السيارة لفترة العقوبة. هذه بعض مما قيل لي، وغيرها من التفاصيل الصغيرة بشرح دقيق مبسط جعلني أصغي وكأنني أمام مشهد حقيقي يكشف لي ثقافة الانضباط والاحترام السائدة في المجتمع.
 
بعد تكوين هذه الفكرة عن هذا المجتمع، تملكني شغف كبير لزيارة المعالم الهامة في ألمانيا، ولم تبخل عليّ هذه الأسرة الكريمة. وكانت أول زيارة في مدينة فرانكفورت هي منزل الأديب الكلاسيكي الشاعر والكاتب المسرحي "يوهان غوته"، وكذا المتحف الملاصق له. ودخلنا فعلاً إلى البيت، وكنت أظن أن هناك مرشدًا سياحيًا سيشرح لنا تفاصيل ما يحتويه البيت والمتحف، لكننا وجدنا جهازًا آليًا، مسحنا عليه رمزًا معينًا خلف تذكرة الدخول، فحصلنا على ملفين كاملين عن كل تفاصيل البيت والمتحف، بما فيهما من غرف وصالات وأدوات ومكتبات تحوي أكثر من 2000 كتاب لعدة مؤلفين، والعديد من اللوحات الفنية، ولا تكفي زيارة واحدة للتعرف على كل شيء فيه.
 
مررنا بشارع غوته الذي يُعد أغلى شارع تسوق في فرانكفورت، يضم عددًا من أغلى وأرقى المتاجر والمقاهي. وصلنا إلى برج غوته الذي شُيّد بالكامل من الخشب بطول 43 مترًا، وأبينا إلا أن نصعد عدد درجاته الـ196، ليس فقط لاختبار لياقتنا البدنية، ولكن لنستمتع أيضًا بالإطلالات الرائعة على مدينة فرانكفورت، كونه يقع على الحافة الشمالية لغابة المدينة.
زرنا أيضًا حديقة الحيوان التي تضم أنواعًا كثيرة من الحيوانات، ولها بيوت بتصميمات فريدة قريبة من بيئتها الطبيعية. استمتعنا كثيرًا، خاصة الأطفال. ولم نجد ما ينافس هذه المتعة إلا عندما زرنا حديقة "هوليدي بارك فرانكفورت" للألعاب الترفيهية، حيث قضينا فيها وقتًا ممتعًا جدًا، والتقطنا صورًا تذكارية مع الأولاد والألعاب المختلفة، وخاصة المخيفة منها التي تغلب عليها صرخات الناس من مختلف الأعمار.
كما أن هناك زيارة استحوذت على إعجابنا الشديد، وهي "حديقة بالمن جاردن"، كونها أكبر حديقة تضم أنواعًا عديدة من النباتات من جميع أنحاء العالم، وتم توفير المكان والمناخ المناسب لكل نبتة كأنها في بيئتها الأصلية، لذلك عندما تتنقل فيها كأنك تزور معظم دول العالم.
 
زيارة أخرى رائعة تم اصطحابنا فيها إلى متعة التسوق، وهذه المرة كانت في "شارع المشاة تسايل"، ويوجد على جانبيه العديد من المحلات والمراكز التجارية الضخمة والمتنوعة، وتقام فيه العديد من المهرجانات. ومن اللافت أن نذكر حدثًا مؤثرًا: عند مرورنا بأحد أكشاك بيع البيتزا، حيث طلبت الأم عددًا من الشرائح، تأمل البائع الشاب وجهها وسألها: "أنتِ مسلمة! إذًا هذا الطلب لا يناسبك لأنه يحتوي على لحم الخنزير"، وأحضر لها نوعًا آخر. تأثرنا جميعًا من هذا الموقف الذي بيّن لنا مدى روعة الإنسان عندما يضع أمانته وصدقه فوق أي اعتبار. وفي نفس الزيارة أدهشني موقف آخر في محطة القطارات تمثل في مدى تطور تقنية الأنظمة، وعلى مستوى أبسط الأشياء، حيث لاحظنا توقف عجلات عربات التسوق عند خط معين لمنع خروجها خارج المحطة.
أما الزيارة التالية فكانت إلى نهر الماين، وصلنا إلى ضفافه المزدحمة بالناس، واستمتعنا بمشاهدة المتزلجين المثيرة. وما لفت انتباهي ونحن على جسر المشاة الحديدي الذي يعلو النهر ويوفر لنا إطلالة رائعة على المدينة، وجود أقفال معلقة عليه. وبينما أتأملها وأفكر في سر وجودها، رأيت شابًا وشابة يشترون قفلًا من بائع متواجد على الجسر، وقاموا بتعليق القفل ورمي مفتاحه في الماء.
 
لم تفتنا زيارة برج أوروبا ذو الشكل المخروطي، حيث صعدنا إلى المطعم الدوار في أعلاه، واستمتعنا برؤية فريدة لمنطقة الراين ماين بأكملها. بعدها مررنا أثناء جولتنا بحي زاكسينهاوزن، لفت انتباهي وجود صندوق كبير ذو قاعدة خرسانية وواجهات زجاجية، بداخلها رفوف مملوءة بالعديد من الكتب ولمختلف الكتّاب والمؤلفين، ولم يكن ذلك سوى صندوق لتبادل الكتب مجانًا.
 
لم تكتفِ تلك الأسرة الكريمة بمرافقتي للتعرف على مدينة فرانكفورت، بل رتبت لنا زيارة إلى مدينة باد همبورغ، حيث استمتعنا بكل شيء جميل فيها، كونها منتجعًا صحيًا شهيرًا ترتاده المجتمعات الراقية من مختلف دول العالم، يقصدها النبلاء والعائلات الملكية ومختلف الطبقات الأرستقراطية الأوروبية، ليستمتعوا بهذا المنتزه الذي أهم ما يميزه حمامات ينابيع الشفاء، ويتوفر فيه العلاج بالمياه الطبيعية الساخنة، وبالطين أيضًا، والأعشاب المجففة وغيرها، ويقوم بذلك معالجون ذوو خبرة ومهارة عالية.
لم تكتفِ هذه الأسرة الرائعة بكل ما تقدم، بل أصرت على أن تعطيني فكرة عن زيارتهم إلى برلين الشرقية أيام التشطير، حتى تكون لدي فكرة عن تقسيم ألمانيا الذي حدث بعد الحرب العالمية، ومدى المعاناة من جراء فصل مدينة واحدة فيها أسر وعوائل انقسمت، كل يتبع الجزء الذي فُرض عليه، وتم عمل جدار فاصل يقسم المدينة إلى شرقية وغربية، يصعب على كل من سكن في جزء أن يصل إلى الجزء الآخر، وتم تشديد حراسة الحدود، مما يثير الاستغراب كيف لذلك أن يتم في مدينة واحدة ومجتمع متحضر بوعي ثقافي وتعليمي عالٍ، لكنها المصالح وحب السيطرة التي فرضت نفسها كحرب باردة بعد أن سكتت أصوات المدافع. وأوضحوا لنا مدى الفوارق الكبيرة في كل المجالات بين أبناء البلد الواحد، بل والمدينة الواحدة التي يفصلها سور إلى شطرين.
 
فكل شيء في برلين الشرقية كان قديمًا وغير محدث وبجودة متدنية ومليئًا بالعيوب، بدءًا بالسيارات القديمة مرورًا بكافة السلع والخدمات، وحتى في حرية ممارستهم للعبادة، وكيف أن النظام فرض قبضة حديدية ورقابة مشددة على حركة الناس بما فيهم الأجانب، إلى درجة أن هناك فنادق مخصصة للأجانب فيها خدمات أعلى مستوى من البقية ويتم الدفع فيها بالعملة الصعبة، وفي نفس الوقت مفروضة عليهم رقابة مشددة. وكل هذه العوامل أدت إلى الركود واستياء المجتمع، الأمر الذي أدى في النهاية إلى إعادة توحيد ألمانيا وهدم السور الذي فصل برلين إلى شطرين (وكل ما ذكر ينطبق تمامًا على ما كان حاصل بين شطري اليمن)، إلا أن الوعي والثقافة العالية في المجتمع الألماني أديا إلى إرساء قواعد الوحدة على أسس سليمة وقواعد متينة، فذاب المجتمع في بعضه، وانتهت تمامًا أي علامة للتشطير، كبيرة كانت أم صغيرة.
 
الآن، وبعد أن عشنا كل هذه اللحظات في ألمانيا، لا بد من معرفة كيف حصلت على تأشيرة الدخول رغم صعوبتها البالغة. فالفضل يعود لنادي القصة صنعاء، حيث قدم لي رئيس النادي دعوة لقراءة كتاب:
("على طريق الغيوم" الترحال مع طيوف المكان) للكاتبة الأستاذة الأديبة أحلام يحيى جحاف، والذي ضم بين دفتيه ما خرجت به من انطباعات خلال سفرياتها وترحالها إلى العديد من الدول، وكان الجزء الأكبر منه مخصصًا لألمانيا، كونها أقامت فيها أطول فترة ممكنة.
 
إذًا استضافتي في المانيا كانت عن طريق قراءة هذا الكتاب، وللجزء الخاص بألمانيا فقط، كون الفصل المخصص لألمانيا رحلة متكاملة جمعت بين الماضي والحاضر، النظام والوعي، وبين الدهشة والنقد، وكل ذلك بأسلوب مبسط وواضح ومشوق جعلني لا أترك الكتاب حتى انتهيت من هذا الفصل، كون الكاتبة حولت كل التفاصيل، من أصغرها (إخراج النفايات) إلى أهمها، وهو التعليم والثقافة والوعي والنظام، مرورًا بزيارة المعالم التاريخية والعصرية والمراكز التجارية الهامة، حولت الكاتبة كل ذلك بمهارة بارعة، ليس إلى مشهد أدبي فحسب، بل مشهد حي كأنك عايشته في زيارة حقيقية.
نبارك للأستاذة احلام جحاف اصدار هذا الكتاب المتميز وشغوفين لقراءة اصداراتك وإبداعاتك