أدب الرحلات... حين يصبح مرآة للوطن قراءة في كتاب (على طريق الغيوم) لـ "أحلام جحاف" - نجيب التركي
"من الجميل أن تحتوي أي مكتبة كتاباً واحداً على الأقل في أدب الرحلات"
بهذه العبارة أستهل الحديث عمّا بين يدي.
لم يكن وصول هذا الكتاب إليّ صدفةً عابرة، ولا حظاً طارئاً، ولا حتى رسالةً وصلتني على سبيل الخطأ؛ كان قدراً ساقه الله إليّ، رغم أن الكتاب في الأصل لم يكن لي.
في إحدى أمسيات نادي القصة (إل مقه) التقيتُ بالعزيزة "أحلام جحاف". كنتُ أعرفها وجهاً واسماً، ولم أستطع في اللحظة الأولى أن أجزم بأنها هي ذاتها؛ حضوراً حيّاً لا مجرد صورة في الذاكرة. تداخلت الظنون، وتزاحمت الأسئلة. سلّمتني أحلام أربعة كتب من "على طريق الغيوم" اثنان منها موقعان بأسماء أصحابها، واثنان يخصّان النادي.
تركتُ الكتب حيث ينبغي، إلى أن شعرتُ وكأن أحدها يناديني، متوسلاً ألا أتركه مقلوباً على ظهره، خشية أن تنحني فقراته. استجبتُ لندائه؛ لم أكتفِ بتعديل وضعه، بل احتضنته وبدأت قراءته في اللحظة ذاتها.
ولأن موعد نومي عند الحادية عشرة مساءً، آثرتُ أن أنزوي بعيداً عن أعين زوجتي وأطفالي. وحين هممتُ بالخروج، سألتني أم العيال:
إلى أين؟
اشتقتُ لأمي.
نهلتُ من الكتاب نحو خمسين صفحة، وتوقفت عند الصفحة التاسعة والأربعين، واضعاً الفاصلة برفق، كأنني أهيئه ليستأنف من حيث تنفس آخر مرة. تركتُه في غرفة والدتي، وعند الفجر عدتُ إليه، حملته معي إلى العمل، متحججاً بأن لديّ ما ينبغي إنجازه قبل أن تشرق الشمس. كذبتي لم تعش طويلاً؛ فقد استيقظتُ وأنا أتمتم: "ليتني ألمانياً... وليتنا نحذو حذوها، ونسير على نهجها في مختلف مناحي الحياة؛ إلا النازية"
شعرتُ بسبّابة تنغز كتفي، وصوت يقول:
أمس كنت عند أمك، أو كنت مع أحلام؟
اكتفيتُ بابتسامة كانت أبلغ من الجواب. واتفقنا لاحقاً أن يكون الكتاب دورها بعد أن أنتهي منه؛ فقد جرت عادتنا ألا يسبق أحدنا الآخر إلى كتاب.
منذ الصفحات الأولى، تذكرتُ "جورجي زيدان"، لكن أحلام أخذتني إلى ما هو أبعد من ذلك. بروحٍ يمنيةٍ محلّقة، تواقة لكل جميل، اقتربت من تفاصيل الحياة كما ينبغي أن تكون: التزام، انضباط، نظافة، واحترام للإنسان. في الجزء الخاص بألمانيا، شعرتُ أنني هناك، وإن كان ذلك في الخيال. ومع كل صفحة، كانت الأسئلة تتقافز في رأسي:
لماذا ما زلنا على ما نحن عليه منذ قرون؟
لماذا ننتقل من حربٍ إلى أخرى، كأننا سيّاح لا يستقرّون؟
متى يكون لنا وطنٌ مستقر، ودولةٌ نحترمها وتحترمنا؟
متى نتعلّم التعايش مع الآخر، ونقبل الاختلاف؟
ومتى نملك إرادةً حقيقيةً لنكفّ عن التدخل في شؤون بعضنا البعض؟
قادتني القراءة إلى البحث عن أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل، ومقارنتها بما نعيشه ونمارسه، بل وبما نعجز عن صناعته رغم قدرتنا. من بين ما شدّني، بحثتُ عن سيارة Trabant، لأجد نفسي بعد انتهاء الفيديو أنتقل إلى أخرى تُدعى Yugo.
متعة الاكتشاف لا تهدأ؛ تقودك من تفصيلة صغيرة إلى عوالم أوسع، وتفتح أمامك أبواباً من الحنين والتأمل. فالنوستالجيا ليست بعيدة، بل أقرب مما نظن. هذا الكتاب لا يكتفي بأن يروي رحلة، يدعوك لأن تعيش حياتك بخفّة، دون أن تنتقص من الآخرين، وأن تتعلّم كيف تستثمر كل لحظة تمرّ بك. وهكذا وجدتني أقرأ وأنا أتمايل طرباً، أرقص بين الصفحات، وأتناول قطع البيتي فور، وألتقط ما تبقّى من الفستق واللوز في وعاء جعالة العيد، كأنني أحتفل بالحياة على طريقتي الخاصة.
رحلتي مع ألمانيا بتنهيدةٍ طويلة، كأنني أودّع مكاناً عشته ولم أزره. بعدها، سلّمتني أحلام تأشيرة العبور إلى إيطاليا، وكأنها تأكدت أنني استوفيت متعة الدهشة. وكيف لا، وألمانيا التي قدّمتها كانت لوحةً زاخرةً بتنوّعها؛ بلد غوته، باخ، بيتهوفن... والقائمة تطول. غير أن كل اسمٍ كنتُ أمرّ عليه، كان يوقظ في داخلي وخزةً خفية؛ ألماً على بلدي، وعلى قاماته التي لا يُشار إليها بالبنان، ولا تُنصفها الأقلام، إلّا نادرًا.
في الجزء الخاص بإيطاليا، بدأ الصلف يطلّ برأسه في ملامح صاحبة البيت وردود الشرطي. كان فصلاً مربكاً منذ بدايته، كأنه قطع إيقاع الرحلة فجأةً، وحدّ من ذلك الأكسجين الذي ملأ صدري في الجزء السابق.
ثم تنقّلت الرحلة: جيبوتي، كأنها نسخة يمنية مصغّرة في ملامح الجوع والفقر والمرض والبطالة؛ فالقاهرة، قاهرة المعز، حيث الثراء الفكري والغنى الجمالي الذي لا ينضب؛ ثم أذربيجان، ومعمارها الذي تفنّنت في هندسته زها حديد، ما دفعني للبحث أكثر عن إنجازاتها.
الرحلة حين بلغت رواندا، تغيّر كل شيء. بدأ الوجع يتصاعد، وراحت الذاكرة تُثقَب، كأن الجمال يتلاشى تدريجيًا. فمن يقرأ عمّا حدث هناك، عن الإبادة الجماعية في رواندا، لا بد أن يخجل من إنسانيته. كم من انتهاكٍ للأعراض، واستباحةٍ للدم والأرض، تحت أعين العالم. عند تلك اللحظة، صار النص مواجهةً قاسية مع وجع الإنسان.
تمامًا كما قال إميل سيوران: "ليس الله وحده في هذا العالم... كذلك الألم".
بعد رحلة الاستجمام في إسبانيا، حيث شعرتُ أنني أتقاسم معهم المكان والزمان، انتقلتُ إلى كينيا. هناك، تسلّل إليّ إحساسٌ غامض بروابط لا أستطيع تحديدها؛ ربما الشاي، وربما بساطة العيش بسلام.
ثم وصلتُ إلى اليونان، حيث توقفتُ عند حديث الكاتبة عن أشجار الزيتون في كل مكان. عندها ذهب خيالي بعيدًا:
ماذا لو كانت شوارعنا تكتسي بأشجار البن؟
وكم طفلاً يمنيًا يعرف شكل شجرة البن؟
أدركتُ أن التساؤل ليس عابرًا؛ أحيانًا يأتي كالمطرقة ليوقظ. فكل "ماذا لو" تحمل بذرة مشروع، لكنها لا تنمو إلا بوعيٍ يؤمن بما يمكن أن يكون.
بعد اليونان، جاءت سويسرا... ويا ليتها لم تكن الأخيرة. بدت الرحلة كفسيفساء من عشر محطات، رتّبتها أحلام بعناية. في هذا الفصل شعرتُ أنني هناك فعلاً؛ أتلمّس الحجارة، أستمع إلى خرير الماء، أزور الكنائس، أحتسي قهوتي بهدوء، وأمامي علبة شوكولاتة فاخرة.
لم يكن المال يعني لي شيئًا، بقدر ما دفعتني المتعة إلى إغلاق الكتاب... بلا كلمة؛ فالاكتمال نفسه يرفض أن يُكتب.
فهل تحتاج هذه اللحظة إلى دبلوماسيةٍ تُهذّب اندفاعها؟
أم أن أجمل ما فيها أنها صادقة، عفوية، بلا تفسير؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق