كتاب غير مكتمل للأديب والروائي العراقي
حسن مطلك (1961-1990)، صدر بعد رحيله ليطرح رؤية فلسفية وأدبية عميقة
تعتبر الكتابة موقفاً وجودياً وشكلاً من أشكال المقاومة، إضافة إلى كون
الكتابة وقوفاً عادة جسدية وصحية يتبعها بعض الكتاب لزيادة التركيز
والنشاط.
حسن مطلك، أديب عراقي توقف مساره المبكر
عام 1991.
الكتاب يبدوكتأملات فلسفية وجمالية في ماهية الأدب وفن
الرواية، يناقش دوافع الكتابة، وماهية النص النثري،
ومفهوم الكاتب الحقيقي وجدوى الإبداع.
عنوان
الكتاب ذكرني بأسلوب الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي، الذي اعتاد كتابة
رواياته واقفا لأن هذا يمنحه حيوية وتركيز أكبر وتجنب الخمول الذي ينتج عن
الجلوس الطويل حسب رأيه....
ولكن ماذا عن كتاب: الكتابة وقوفا: تأملات في فن الرواية!!!!
قارئ الكتاب يجد صفحات تدعوه لعالم من الأسئلة العميقة والتأملات الفكرية...
لماذا نكتب؟
ما هي الرواية؟
ما هية الأدب؟
يتساءل الكاتب لماذا يختار الإنسان أن يكون روائيا!!!
من أجمل الأفكار في الكتاب دعوته لإسقاط التعاريف النقدية الجاهزة، والاعتماد على تجربة الكاتب الشخصية...
والكتابة هي موقف وجودي ورفض للاستسلام ودعوة لمواجهة السلطة وكل القيود التي تكبل الكاتب...
ويرى أن الشخصية الروائية شكل اسقاطي لفكرة الإنسان عن نفسه... وعلى الروائي منحها حرية التطور الخاص لتبدو حية وغير مصطنعة...
وماذا عن الزمن في الرواية؟
يربط
حسن مطلك إدراك فن الرواية بإدراك الزمن مباشرة...ويعتبر أن وعي الروائي
بالزمن الذي يكتب فيه أو عنه هو جوهر العملية الإبداعية.
وهناك تساؤلات عن القارئ الحقيقي...وما هي القراءة أصلا!!!
اقتباسات:-
- هناك الكثير من الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الرواية الإيديولوجية، ومنها:
١. أنها لا تستطيع أن تتخلص من التعصب والتحيّز.
٢. أنها تنشد التأثير على القارئ عن طريق المبالغة في تحجيم دور أبطالها وإعطائهم صفات خارقة، وتستهدف تغيير الاتجاهات، وتستهدف عواطف القراء وإثارة الكوامن المضادة والعدوانية أحياناً.
٣. تغلق أبواب الحوار ولا تعطي فرصة لإطلاق حكم جمالي.
٤. تضحي بالكثير من الجوانب الفنية لغرض المضمون.
٥. كتبت لصالح فترة تاريخية معينة.
٦. لا تراعي تنوع القراء، ولا تحترم اتجاهاتهم، إنها تمارس نوعاً من التعسف والفرض.
* لسنا ضد أن يمتلك الكاتب إيديولوجيا معينة، وعليه إذن، في حالة كونه (مؤَدلَجاً) أن يستخدم روح ايديولوجيته في تسيير العمل، الإيديولوجيا تكون مقنِعة عندما تدخل في روح العمل ومنهجية العمل، ولكنها تخسر عندما تطرح الشعارات، وبالمقابل، فإن مفهوم الأدب الثوري، برأيي، يكون في العمل نفسه، في إمكانية نقل النص الأدبي خطوة أخرى نحو الكمال، في الثورة على الأساليب الجامدة.. ولذا فإن أي تغير إيديولوجي يجب أن يحمل معه أدبه الخاص، وأساليبه الفنية الخاصة.
- يقول لوكاش: «لا يحتاج المرء بوصفه كاتباً أن يكون ماركسياً».
* من الصعوبات التي واجهتها الرواية الحديثة، هي محاولاتها المستميتة لتعميم تجربة فردية، لا تصلح إلا أن تكون فردية وخاصة جداً، كالتجربة التأملية التي تنتج فيضاً من النتائج الحسية والتخيلية، تلك التي لا يمكن أسلبتها بشكل دقيق، لأنها تفلت في لحظة التدوين، فإما أنها تتحول إلى منطق (تجريد) أو تنعدم في الغموض (الصوفية).
- - من المعروف في الدراسات النفسية عن الشخصية، ومن خلال العودة إلى الأصول اللاتينية للكلمة، فهي تعني ( القناع) أو ( الأقنعة) ، وبقدر ما تتم الإزاحة عن قناع، فهناك قناع آخر تحت الأول وهكذا....هناك مستويات لكشف السيكولوجي.
قديما كان الممثلون يلبسون الأقنعة على المسرح، في
الكلمة اللاتينية (Persona) تعني القناع، فظهورها في العالم هو ظهور مسرحي، أي أنها تظهر وفق (الدور) المحدد لها، والرواية تهتم بهذا الدور - القناع أكثر من اهتمامنا بما يخفي تحته (الأنا) الجوهرية.
إنها تستشف (الأنا) استشفافاً، وبالنسبة للراصد الروائي، فإن القناع مصنوع من الزجاج.
إن الرواية، على الأخص، تعنى بوضع القناع على (الأنا) لا بإزالته.
الرواية تصنع شخصيات، أي أنها تحدد لهم الأقنعة أو الأدوار التي يجب أن يلعبوها مقدماً، ولكن أهمية العملية تكمن في أننا نعرف بالضبط مواصفات هذا القناع.
- إن أهم مقومات بناء الوعي، هو تراكم الخبرة، والخبرة هي طاقة الذاكرة، تأتي من التجربة الحياتية ضمن مدخلات الحواس باعتبارنا (منفتحين على العالم) دائماً.
والقراءة خبرة حياتية مكثفة وخاصة ومنتقاة، بل أن القراءة، أصبحت من الأهمية في هذا العصر، بحيث أنها تفوق بأهميتها، أحياناً، خبرة الوقائع الحياتية نفسها، لأننا لم نعد نرى الطبيعة لنتعلم منها، فقد كانت الطبيعة هي المعلم الأول للإنسان، لحي بن يقظان، روبنسن كروسو، لمؤسسي الحضارات القديمة، أما الآن فالطبيعة محجوبة خلف البنايات، كذلك فإن الطبيعة الإنسانية مصنوعة.
الشوارع قتلت الأعشاب، البنادق قتلت الشعوب، المكائن قتلت الفطرة الإنسانية وصار الإنسان مجهولاً… وبدأ عصر موت الوضوح وتراجع الطبيعة في مؤامرات المكاتب، وإمكانيات استخدام طبيعة الأرض في الخرائط العسكرية، الأزهار الرقيقة تحت قصف المَدافع.. واتسعت رقعة الكونكريت، وماتت الأسماك في المياه الملوثة… فما الذي يعيد إلينا الطبيعة، سوى الفن، شكل الطبيعة في فن الرسم، وصوت الطبيعة في الموسيقى، والحياة فيها في النص الروائي.
إنه يعيد الطبية إلى الأذهان، يحضر أفعال الموتى أمامنا وهكذا مثلما تحضر غابة عذراء إلى غرفة مطتلعة بواسطة النص، كذلك تحضر تجربة خاصة بي ، تجربة قد فات أوانها.
تحضر حقائق وأزمنة مضت.
أتذكر (زوربا) مثلما أتذكر أحد أصدقائي.
أتذكر (تاراس بولبا) القوقازي… فمن يضمن أنني لا أعرفه حقاً.
أتذكر ولداً أسمه (سعيد) صديق طفولتي الذي مات غرقاً، فما الفرق بينه وبين (زوربا) بالنسبة لي، كلاهما يمثلان ذكرى عشتها وأحببتها، وتعلمت منها، وأثرت فيّ، بل أن (زوربا) المخلوق من ورق أقرب إلي من (سعيد) الحقيقي، لأن الأول معي متى أردت، أفتح الرواية فأجده.
كذلك يمكن قول ذلك بشأن الحوادث التاريخية التي وصلتني عبر (نصوص) ورُقم (مكتوبة)، فأنتقل إلى، أو أنقل إليّ عصر (نبوخذ نصر)، وأجعله جزء من خبرتي، فأعتقد أن نبوخذ نصر بنفسه، لم يكن سوى صديقي، صديق طفولتي، فقد عشت بواسطة النص وبفضله التاريخ كله، وأصبح تاريخ الحضارات، أو تاريخ الأبطال جزءا من عمري.
- في زمن صعب سُئل أحد الفلاحين:
لماذا تصر على جعل باب كوخك منخفضا بحيث أن الداخل إليه يضطر إلى الانحناء كثيراً؟
فأجاب:
لكي أكون في وضع مُسيطِر على الشخص الداخل، فيما لو علمت أنه شخص معادي، فالضربة الأولى ستكون لي بحكم أن القامة لا يسيطَر على حركتها بالوضع غير الطبيعي.
ويجب أن نضيف بأن هذا الانحناء له معنى رمزي آخر، إنه يعني أن الداخل (يخضع) ويسلم أمره…