كتاب من نوع مختلف ...
فكرة الكتاب جميلة ومثيرة للاهتمام حيث يتخيل الكاتب خمسين رسالة رفض من دور النشر المعاصرة موجهة لأشهر الكتاب مثل:
شكسبير ، فرجينيا وولف، جيمس جويس، هوميروس، مارسيل بروست، صامويل بيكيت، كافكا، هوميروس، وغيرهم ...
تخيل الكاتب أن هؤلاء الكتاب الأكثر شهرة قدموا أعمالهم لدور نشر حديثة وكيف سيكون رد تلك الدور على أساس معايير السوق والعولمة التي تحكم عالمنا اليوم...
الكتاب مدعوم برسومات هزلية للفنانين...
يخيل إلي ان الكاتب عبر عن رأيه في تلك الأعمال بطريقة لطيفة !!!
من الرسائل التي أعجبتني رسالة رفض "بحثا عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست والتي أوردها هنا كاملة لأني استمتعت بها واظن من قرأ المجلدات السبع للرواية سيستمتع برأي الكاتب فيها:
" مارسيل بروست
البحث عن الزمن المفقود
لمدّة طويلة كنت أنام في وقت متأخّر. متأخّر جدّاً. كنت أواجه صعوبة في النّوم، وحتى لو استطعتُ النوم مبكراً، إلا أني كنت أستيقظ بعد الغفو مباشرة. وهكذا دواليك، طوال الليل. بمعنى آخر، كنت أعاني نوعاً حاداً من الأرَق، لا يمكن لأيّ ترياق أو مادّة مباحةً أو محظورة أن تداويه.
بعدها جاء يومٌ، كلّ شيء تغيّر.
ها قد وصل مخطوطكم بصفحاته التي تربو على سبعة ملايين.
وكنت أنا المحظوظ الذي قد تمَّ اختياره لقراءته.
في البداية، كان الأمر مزعجاً. كنت أقرؤه في المكتب، كما يحصل عادةً، كما ترى، فالأمر رغم كلّ شيء متعلّق بالمهنة.
لكن، بفعلي لذلك، صرت أنام فوق طاولتي. صرت أفيق بعد مدّة من الزمن وسط تهكّم زملائي.
«حلقات كاملة من المخدِّر، هذا بالضبط هو مصدر القلق»، كنت أقول لنفسي. لكني في النهاية فهمت: لم يكن الأمر متعلقاً بالخَدر، كان كتابُك.
حملته إلى بيتي على سبيل التجربة.
لاحظت أن بعض أسماء الأماكن أو الأشخاص مثل «كومبري/ Combray"، «تانت ليوني/Tante Leonie»، أو «غيرمانت/ Guermantes»، كان تأثيرها عليّ يعادل تأثير قرصين من الدواء الذي أتجرعه كي أنام.
لا بأس، لكن ثمة أشياء بعد سأرويها. كان يلزمني شيء أقوى. حين تابعت القراءة وجدته الترياق المطلق المضاد للقلق.
أنت تعرف حتماً حول أي شيء سأتكلم.
حلوى المادلين / La madeleine.
هذه الصفحة اللعينة أصابتني مباشرة بالضربة القاضية.
لساعات وساعات. يكفي أن أتذكّرها الآن، ليهتزّ بدني بأكمله، ززز.
هل ترى، عزيزي فالنتين لويس جورج أوجين مارسيل (أيتها الآلهة الكبيرة، حتّى اسمك الكامل منوِّم). هذه الصفحة وحدها، أسوأ (أو أفضل) من خليط من الأفيون، وحبوب الهلوسة، وتلك القذارات التي يتمّ التداول بها في مصاعد البنايات. إنها تنجح في أن تخلط تفاهة الحياة بذكريات شخص لا تمتّ أنت إليه بصِلة، والمللَ الداخلي في المشهد لشخص يتذوّق الحلوى مع كوب من الشاي بحالة الغيبوبة التي لا تطاق والتي تدفعك لأن تصغي لغريب يتحدّث عن عائلته. برافو. إنها قفزة هائلة للعلم. يمكننا رسمياً الإعلان أنّ الأرق، هذه الندبة القديمة في النوع الإنساني، قد تمّ القضاء عليها.
غير أننا دار للنشر، مارسيل، ولسنا مختبراً للصيدلة.
والآن، لأحيلك إلى «أضع الكوب من يدي وأعود إلى ذهني».
بحشرية بسيطة، من كل العجائب التي تقدمها فرنسا الرقيقة في عالم الباتيسري، لماذا كان عليكم اختيار المادلين، هذه القطعة التافهة من العجين، الاسفنجية، إيتوف كريتيان(2)؟
بينما هناك السان هونوريه، حلوى الماكارون، التارت تاتين، حلوى الإكلير: لماذا المادلين؟ لماذا أوه، لماذا، فالنتين لويس جورج، ززز؟
لماذا هي نصف مطبوخة أيضاً؟ حبّاً بالرَّب؟
قضيت فترة طويلة ومكثّفة من حياتي مع خليلي الذي كان يحضّرها بسرعة فائقة.
«الأمر بمنتهى البساطة»، كان يقول. كان ذلك يحصل على الفطور، يوم الأحد. كان كائناً محبّاً بمنتهى الرقّة.
أشتاق إليه، هو، والحلوى نصف المطبوخة.
آه من الذكريات.
(2) إيتوف كريتيان: طبّاخ فرنسي شهير. "
********
ياخذنا الصحفي عبر صفحات الكتاب في رحلة مع عدد من الكتاب الأكثر شهرة لنرى رد فعل دور النشر المعاصرة وهي ترسل للمؤلف رسالة رفض لعمله ...
خيال جميل يجعلنا نتساءل عن عدد الأعمال الرائعة التي ترفض دور النشر نشرها ...
اخترت من تلك الرسائل رسالة الرفض للأوديسة لهوميروس:
" الأوديسة
أوك، صديقي. أرى أنك لست من نوع الكُتّاب الذي يستسلم بسهولة. لو كنت أنا الذي استلمت رسالة رفض شبيهة بالتي قد أرسلناها إليك بخصوص «الإلياذة»، أجزم لك بأنني لن أعود البتّة لـ»تأليف» أي شيء. بالتأكيد لا مزيد من «القصائد الملحمية». لكن أستنتج بأنّك مصرّ تماماً على هذا النوع. حسناً.
رغم أنها أفضل من عملك الأول بشكل طفيف، لكن هذه الأوديسة تظل في خانة الضلال. طويلة أكثر مما ينبغي لقصة بسيطة تتعلق بالعودة إلى الوطن، رغم حبكة البطل والجانب الظريف لمغامراته على طول السفر.
لكن هذا ليس بالمشكل الأساسي. الواقع أن هناك أشياء عديدة غير مقبولة بشكل مطلق. خذ تلك اللحظة التي يقع فيها البطل على تلك الفتيات الغريبات، الحريات العازفات ، وحين يطلب من رفاقه أن يسدوا آذانهم بالشمع هل تظن الأمر في غاية الحكمة؟ تقودني مخيلتي إلى مراهقين يقومون بمحاكاتهم ويتلفون جهاز السمع خاصتهم ليستحيلوا صُمّاً ربما، وليقاضينا ذووهم بعدها. كلا، شكراً.
وهذا العملاق، المتعدد المواهب، المارد المعوق، الذي يهلك بالمكيدة التي يدبرها له بطلك حين يقتلع عينه الوحيدة. المشهد كذلك مقرف ومقزز. كل هذا المقطع يجب حذفه. وفي المشهد ذاته، يفلت رفاق «البطل» من قبضة المارد بأن يندسوا في بطون الغنم ـ أهلاً بالعنف تجاه الحيوانات.
كل ذلك لم يحرك مشاعرك حتّى. حسناً، أظن أن الجواب هو: كلا. وداعاً صديقي القديم. أتمنى لك حظاً طيباً في مشاريعك القادمة.
ملاحظة: لا أريد انتهاك خصوصيتك بأي شكل، لكن ألا ترغب بطريقة ما ان تكشف لي عن هويتك الحقيقية؟
أقسم لك اني لن أفشي السر لأحد، اجد نفسي مغفلا قليلا طالما أجهل من أنت "

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق