الجزء الثالث من رواية أطلس متململا لآين راند:

 


يقع هذا الجزء في 806 صفحة ، ويحمل عنوانا فلسفيا: " الألف هو الألف" مستوحى من قانون الهوية لأرسطو، وينص القانون على أن الشيء هو نفسه دائما...فالألف يظل محتفظا بذاته وحقيقته ولا يتغير .. هذا القانون يستلزم بالطبع، عدم التناقض، لأنه لا يمكن وصف الشيء بأنه موجود وغير موجود في ذات الوقت ...أو الحكم على قضية بأنها صادقة وكاذبة معا.
 
ولكن ما علاقة أرسطو وقانونه بالرواية؟
العلاقة تتضح في الواقعية الأخلاقية العليا التي تبشر بها الكاتبة حيث يتكرر في الرواية على لسان أكثر من شخصية بأن غاية الإنسان الأخلاقية هي تحقيق سعادته الشخصية وليس التضحية من أجل الآخرين.
في بداية هذا الجزء تكتشف داغني الوادي السري الذي لجأ إليه أصحاب العقول المبدعة من علماء وفنانين ورجال أعمال والذين اختفوا تباعا دون أن يعلم أحد بمكانهم، احتجاجا على القوانين التعسفية للدولة...
 
وكان هذا الاختفاء بمثابة إضراب عام للعقول المبدعة، وهو ما يتسبب بانهيار المؤسسات العامة والخدمات فتدخل البلاد في موجة من الفوضى وأعمال العنف .
في الفصل السابع الذي يحمل عنوان: هذا جون جالت يتحدث، يطل علينا جون جالت بخطاب إذاعي طويل يستغرق 84 صفحة تقريبا يعرض فيه سبب إضراب العقول المبدعة في البلاد...
تلك الصفحات الطويلة التي كان يمكن اختصارها لصفحات أقل يجد فيها القارئ بيان فلسفي طويل بجمل مكررة ...
 
"نحن مضربون. نحن، رجال الفكر، مضربين عن العمل. نحن نحتج ضد قيمة التضحية بالنفس، وضد مبدأ الأجر دون عمل "
"لقد علموكم أن الاخلاق وحي من قوة فوق طبيعية، وأن الغاية منها هي خدمة الله وخدمة الاخرين، لا أن تخدم حياتكم أو متعتكم. وعلموكم ايضا أن متعتكم توجد في الفجور واللاأخلاق، وأن مصالحكم ستكون أفضل لو أنها خدمت الشر، وأن أي قانون أخلاقي يجب ألا يكون في صالحكم، بل ضدكم، وألا يثري حياتكم، بل يستنزفها" 
 
تنتهي الرواية بعد انطفاء كهرباء المدن الكبرى في أمريكا ، وعندها يقرر جون جالت ورفاقه العودة لبناء عالم جديد يقوم على أساس الحرية الفردية والرأسمالية المطلقة واحترام العقل البشري ...
 
نشرت الرواية في خمسينيات القرن الماضي وهي تبين مساوئ وسلبيات تحكم الدولة في الأنظمة الشمولية وتبشر بجنة الرأسمالية والحرية التامة لأصحاب رؤوس المال والصناعة ، لكننا نعيش في زمن عرفنا أن تلك الحريات المطلقة لا تقل سوء عن ديكتاتورية الأنظمة الشمولية ...
 
الرواية رغم عدد صفحاتها الطويلة لكنها تشد القارئ لمعرفة ما سيحدث ...
يعيب الرواية الخطاب الإيديولوجي الطويل عبر خطابات طويلة ومكررة ووصف طويل ومفصل لتوصيل أفكار الشخصيات وهذا يأتي على حساب الخط الدرامي للقصة ...
فالشخصيات ليست بأهمية الأفكار في الرواية.
كما أن الرواية تصور شخصيات المبدعين كشخصيات مثالية وخارقة الذكاء والجمال والوسامة وهم دائما على حق ...
 
في حين تصور خصومهم بالقبح والتبلد يملأ نفوسهم الحسد والطمع...وتجاهلت طبقة العمال والموظفين والحرفيين وكأن لا رأي ولا أهمية لهم...
 
لغة الرواية باردة حادة تشبه المقال الصحفي أكثر الأحيان، وكأن اللغة مجرد أداة لتوصيل الأفكار وهناك تدفق كبير للأفكار عند الكاتبة وكأن الرواية رسالة لإنقاذ العالم من الخطر ....
رغم ذلك فالبناء الهندسي للرواية محكم وهناك خيط يشد أحداث الرواية حتى آخر صفحة رغم الحوارات الطويلة والوصف المكرر الذي يشبه عملية تلقين للأفكار.
 
وهناك نقطة تسترعي الانتباه، وهي أمريكا الرواية تختلف عن أمريكا الواقع الذي نعرفه. في الرواية غزل عميق بالعدالة والمجتمع الرأسمالي المثالي . أمريكا اليوم ليست المجتمع المثالي حيث التنافس الشريف بين الشركات، بل نجد نظام معقد يتداخل فيه مصالح الشركات مع السياسة حيث يمكن للمال شراء القوانين وتجاوز الأخلاقيات ..وكأن أمريكا الرواية هي بلد موجود في خيال الكاتبة لا الواقع.
 
الرواية رغم كل شيء لا تزال تحظى بمكانة في عالم القراء وكما يقول عنها النقاد إنها تحولت إلى حالة سيكولوجية تبيع للقارئ الأمل في قوته الفردية وتمنحه الشعور بالبطولة.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق