«على طريق الغيوم..» مدونة في ذاكرة الأمكنة بقلم: أماني إبراهيم ياسين

 

أدب الرحلات أحد أقدم أنواع الأدب وأكثرها متعة، فهو ليس مجرد تدوين للذكريات أو حصر لمشاهدات السائح العابر، بل وسيلة لاكتشاف الذات، واستنطاق لروح الأمكنة، التي تبوح بأسرارها لمن يملك عين الرائي وشغف المؤرخ.

في هذا السياق، يأتي كتاب «على طريق الغيوم.. الترحال مع طيوف المكان» للكاتبة اليمنية أحلام يحيى جحاف، الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة (2024م)، ليؤكد أن السفر في عصر التكنولوجيا لم يفقد بريقه كمغامرة أدبية مدهشة.

الكتاب رحلة بصرية ونفسية عبر عشر دول مختلفة الأصقاع والجذور والثقافات، بدءاً بسحر القارة الإفريقية في جيبوتي وكينيا ورواندا، مروراً بعراقة التاريخ في مصر، ووصولاً إلى جماليات العمارة والطبيعة والحياة الاجتماعية في سويسرا، وإسبانيا، واليونان، وألمانيا، وإيطاليا، وانتهاءً بالمراكز الثقافية بأذربيجان في منطقة القوقاز.

سجلت المؤلفة انطباعاتها عن هذه الدول، فذكرت الكثير عن تلك البلاد وتاريخها وأحوال أهلها، بأسلوب يجمع بين السرد والتحليل والانطباعات الشخصية.

ترى الكاتبة أن السفر والتنقل بين البلدان مغامرة تستحق الحكاية والنشر، ففي السفر نقابل أناساً يحملون عادات وثقافات مختلفة قد تدهشنا، ونتعرف إلى بلدان نتعجب لما فيها من تضاريس وأماكن غريبة عما ألفناه، وتقول: «كان الوقت متأخراً، عندما قررت السفر مرة أخرى، ولكن هذه المرة داخل أروقة ذاكرتي، وقد ارتفع من الشرق قمر أبيض، خفف الغسق وزاد وضوح الحدود الخارجية للمنازل المحيطة بي على طول الشارع ليرسم لي حدوداً داخلية، لم أتحرر منها إلا والكلمات تنساب بكل حرية، لتملأ الصفحات البيضاء أمامي».

لم تكتفِ الكاتبة برصد رؤاها الذاتية، بل اهتمت بالتوثيق للشخصيات والوقائع والأماكن؛ فجمع كتابها بين السيرة والحكاية والرصد التاريخي، حيث قدمت في السياقات معلومات وافرة عن المتاحف، والفنادق، ودور العلم، وقوانين البيئة والمسارات التعليمية، ومن الأمثلة على ذلك؛ تاريخ ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وثقافة القهوة في روما، والأزقة القديمة في أذربيجان، ما يجعل العمل دليلاً مفيداً لكل من يرغب في زيارة تلك الوجهات.

ومما ذكرته عن «برنامج حماية الحشرات» في ألمانيا: «ومن العجيب في هذا البلد أن تسمع عن برنامج عمل حماية الحشرات.. نعم، تسعى الحكومة الألمانية الاتحادية إلى تحسين الظروف المعيشية للحشرات؛ لأن الإخلال بحياتها يؤثر في التوازن البيئي».

ولم يخلُ الكتاب من المواقف الطريفة، كحكاية «الزنزانة» أو «الـزاعجة» في روما، تقول الكاتبة: «من الأشياء التي لا تُنسى في روما الزنزانة، وهي البعوضة الغريبة التي رأيناها للمرة الأولى، نحن نعرف البعوض العادي الذي يحدث ضجيجاً يسهل معه التخلص منه، لكننا هنا واجهنا نوعاً مختلفاً بجسم أسود وأشرطة بيضاء، ويصدر أزيراً عالياً يثير الأعصاب، حتى إن الإيطاليين يشبهون الشخص الذي يتحدث بنبرة مزعجة بصوت الزنزانة».

وحرصت الكاتبة على الربط بين التاريخ الغربي والعربي، في أسلوب مقارن، ففي الفصل الخاص بإيطاليا، سلطت الضوء على اهتمام الدول العربية الإسلامية بالتوسع براً وبحراً، منذ أيام الدولة الأموية، وحرصهم على نشر الإسلام بين سكان صقلية، والتي كانت امتداداً لشبه الجزيرة الإيطالية، تقول الكاتبة: إن الأغالبة حملوا على روما ودخلوها في أغسطس عام (846م)، وكان ذلك أيام الأمير أبي العباس محمد بن أبي عقال الأغلب السعدي، رابع أمراء الأغالبة.

يتميز الكتاب بكونه مزيجاً بين السيرة الذاتية والغيرية، وأدب الرحلات، والعمل التوثيقي، ومما يُحسب للمؤلفة تدوين تجربتها الشخصية بكامل تفاصيلها من أسماء شوارع ووقائع وشخصيات ومشاهدات وحكايات عابرة وتفاصيل يومية، بهمة عالية وحرص على التقاط كل شاردة وواردة.

إن كتاب «على طريق الغيوم» مرجع بصري ومعرفي يجمع بين متعة الحكاية ودقة التوثيق، وهو بذلك دعوة لإعادة اكتشاف العالم بعيون تمزج بين دهشة الطفل وفلسفة الحكيم، تبرهن على أن أدب الرحلات سيظل النافذة الأجمل لمعرفة الآخر وفهم الذات.

العدد (115) - مايو 2026م -الشارقة الثقافية  141

 

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق