رواية: علاج شوبنهاور

هذه هي القراءة الثانية للرواية لكن...
هذه المرة شعرت وأنا أقرأ أن أسلوب العلاج النفسي له علاقة بالطقوس الدينية وتحديدا..بمسألة الاعتراف في المسيحية ..
في طقس الاعتراف الكنسي يمنح الشخص صك الغفران ليضع عن كاهله عبء الخطيئة، ويمنح الغفران ويمحى الذنب، وبالتالي لن يحاسب على ذلك الذنب الذي تحرر منه...
الجلوس مع المعالج النفسي فيه تحرر من الذنب، من الشعور بالذنب، هناك اعتراف بالخطأ، بالذنب، وغفران على لسان المعالج الذي يقنع المريض أنه يستطيع مواصلة حياته بعيدا عن تأثير تلك المشكلة التي أرهقته...
 
الاعتراف الجماعي في جلسات العلاج الجماعي تقوم على المبدأ ذاته...الحصول على الاعتراف، مسح الوصمة، وصمة العار أو الذنب واحتقار الذات... الإحساس بأن الكل يخطئ" من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" ...
التحرر من ثقل أي خطأ وقبول ما حدث...المضي للأمام بعد التخلص من ثقل الخطأ لأننا بشر نخطئ وعندما نعترف بالذنب يصبح" من اعترف بذنبه كمن لا ذنب له"...تطهير وتحرير...
 
تدور أحداث الرواية حول خطين متوازيين يلتقيان في النهاية ليصنعا لوحة فلسفية ونفسية عميقة.
خط يعرض سيرة حياة الفيلسوف الألماني الشهير شوبنهاور.. وخط يعرض حياة المعالج النفسي الذي يكتشف إصابته بالسرطان ونعيش معه ومع مرضاه وحلقات العلاج النفسي...
الرواية عمل أدبي فلسفي يمزج فيه الكاتب بين خفايا العلاج النفسي الجماعي وأفكار الفيلسوف شوبنهاور.
ويستخدم الكاتب يالوم بأسلوبه الروائي الجميل اقتباسات ليعبر عن رحلة الشخصيات في مواجهة حتمية الفناء ...الموت...والبحث عن المعنى
فالطريق نحو التشافي ليس خطا مستقيما لكنه في الواقع صراع متكرر مع تلك الأجزاء المظلمة من أنفسنا.
فمخاوفنا القديمة التي ظننا أننا انتصرنا عليها بالمنطق والقوة تظل حية في أعماقنا وتنتظر لحظات ضعفنا وظلامنا لتعاود الظهور مما يتطلب منا شجاعة مستمرة لمواجهتها من جديد.
الأعداء ليسوا أشخاص حقيقيون نختلف معهم ...إنهم الشكوك الذاتية حول جدوى ما نفعله.
وكذلك الندم وأخطاء الماضي التي اعتقدنا أننا تجاوزناها او غفرنا لأنفسنا ارتكابها.
وهناك أيضا المخاوف الوجودية مثل الخوف من الموت أو الوحدة أو العبثية.
الخلاصة رواية علاج شوبنهاور تجربة رائعة وتستحق القراءة وإعادة القراءة لأن القارئ سيشعر فعلا أنها رحلة دافئة وعميقة تخبره بأنه مهما كانت الفلسفة عبقرية فإنها تبقى باردة ما لم يتم تطعيمها بـحرارة التواصل الإنساني.....
 
إنها قصة عن التصالح مع الموت وقبول الضعف البشري وقوة العلاج بالحب والمشاركة...
 
اقتباس من الرواية:
"إن تقدير الشخص لذاته أو جدارته وإمكاناته الداخلية هي الشيء الجوهري، أما الشهرة فهي أمر ثانوي، مجرد ظل للجدارة.
ليست الشهرة ، وإنما الشيء الذي نكتسبه منها من جدارة هي القيمة الحقيقية...إن أعظم سعادة للإنسان لا تكمن في أن الأجيال القادمة ستعرف شيئا عنه، بل سيطور هو نفسه الأفكار الجديرة بالاحترام والتقدير وتحفظ على مدى قرون" 



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق