البحث عن الحقيقة في كتب المذكرات والسير الذاتية

 

 

 لماذا نقرأ كتب المذكرات والسير الذاتية؟

إذا كانت الإجابة: لأننا نبحث عن الحقيقة بلسان من عاشوها، فهذا يدفعنا للتساؤل أيضا: هل كتب السير الذاتية العربية تذكر حقا كل الحقائق؟ أم أن صاحبها يقع تحت تأثير الخوف من تعرية الذات أمام الآخرين، أو التسبب بالحرج لآخرين سيعارضون نشر ما كتب؟

القارئ يتوقع أن تكشف له كتب المذكرات شيء من الأسرار والحقائق المخفية. لأن هذا النوع من الكتب لا يؤرخ لصاحبه فقط، وإنما يؤرخ للعصر الذي كان يعيش فيه.

وكتابة المذكرات والسير الذاتية فن عريق عرفته أغلب الشعوب، وتكون الرؤية فيها عادة موضوعية، وهي مصدر مهم للتاريخ، ويلجأ لها المؤرخون لأنها مصدر أولي ولها قيمة كبيرة.

المشكلة تكمن في غياب الشفافية، وخاصة في ظل أنظمة تعتمد التعتيم على الحقائق في حينها عبر وسائل الإعلام الرسمية. وهناك من يكتب مذكراته بعد تجميل تلك المواقف التي قد تحرجه أمام القراء، أو ببساطة لا يذكرها.

 في كتاب" اليمن حقائق ووثائق عشتها 1943 إلى 1962 - الجزء الأول"، يقول الشيخ سنان أبو لحوم في مقدمة الكتاب: لقد سجلت هذه المذكرات باعتباري مشاهد أو مشارك في الأحداث وطرفا من أطرافها، تحريت نقل الحقائق كما جاءت في الواقع دون ميل أو تدخل.

من هو الشيخ سنان أبو لحوم:

شيخ مشائخ قبائل بكيل اليمنية (1922 -2021)، يعد من أبرز القيادات القبلية في تاريخ اليمن المعاصر ولعب دور في ثورة 26 سبتمبر مع مختلف الثوار وقادة الحركة الوطنية المعارضة لحكم الإمام، كما ذكر في مذكراته. ولعب دور بارز في الحياة السياسية اليمنية بعد قيام الجمهورية نظرا لمكانته الاجتماعية.

إبعاد ما لا لزوم له:

نجد الناشر في مقدمته لكتاب الشيخ سنان يذكر ما حدث بعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب:

 " إلا أن كثير من القراء لم يكونوا راضيين عن الشكل النهائي الذي أخرج به الكتاب .... وجرى الحديث حول ترتيب وإعادة النظر في الكتاب وصياغته وإخراجه بصورة تليق بصاحب الكتاب والوثائق والحقائق التي تضمنها كتابه .... وتم ذلك، وبدأ في تقويم الكتاب وغربلته ووضع كل بحث أو وثيقة أو.أو إلخ...في مكانها وإبعاد ما لا لزوم له" .

إبعاد ما لا لزوم له، هذه العبارة يمكن أن يفهمها القارئ وهو يقرأ صفحات الكتاب ليعرف ما حدث للكتاب. لقد تم إفراغ الكتاب من كثير من المعلومات والحقائق وتحول لسرد غريب ليوميات لا تذكر شيء يفيد القارئ. على سبيل المثال في صفحة 328:

 " وضيفونا وتحدثنا حول المشاكل والخلافات، وكان الموقف بينهما وبين الأستاذ الزبيري والنعمان متأزما..."

ولا يعرف القارئ ما حقيقة الخلافات والمشاكل، وما أسباب تلك الخلافات. وفي صفحة أخرى:

 " وسمرنا عنده وتحدثنا في كل شيء وكان مبسوطا باتفاقنا... تحدثنا في كل شيء".

لا يجد القارئ أي معلومات ليفهم عما تحدثوا وسبب الانبساط بالاتفاق، وماذا كان الاتفاق!

 وهكذا في كل صفحات الكتاب: " واتصل بي عبد الرحمن البيضاني، وتواعدنا ثم التقيت الأستاذ الزبيري ومعنا محسن العيني وتحدثنا حول الموقف..." أي موقف؟ لا معلومات؟

اختفاء عدد من الوثائق:

يقول كاتب المذكرات الشيخ سنان في مقدمة الطبعة الثانية أنه كان يملك عدد كبير من الوثائق والرسائل والمذكرات اليومية التي كان يحرص على تدوينها أولا بأول حتى لا تضيع من الذاكرة لكنه وقع ضحية الثقة التي لم يعمل لها حساب فقد سلم جزء من المذكرات والوثائق لعدد من الأشخاص، يذكر أسماؤهم في الكتاب، لكنهم لم يعيدوها إليه كاملة رغم مطالبته المستمرة لهم بإعادتها إليه. ويذكر أنه في هذه الطبعة: "تم تنقيح الكتاب بعد لقائه بعدد من الأخوة والأساتذة: أحمد جابر عفيف، والدكتور عبد العزيز المقالح، أحمد حسين المروني، محمد عبد الله الفسيل، أحمد عبد الرحمن المعلمي، مطهر الإرياني، سعيد الحكيمي، عبد الله عبد السلام صبرة، أحمد حيدر. وقد أخرجنا هذه الطبعة بالصورة التي أجمعت عليها آراؤهم، فشكرا لهم ولكل من ساهم بملاحظاته من القراء والمهتمين."

وهكذا خرج الكتاب إلينا بعد تنظيفه على ما يبدو من كل عيب من وجهة نظر أولئك ومن كل حقيقة، فكتب السيرة الذاتية التي تمتلئ بالحقائق تفضح سير المعاصرين، مما يسخطهم ويخشون على صورهم التي رسموها خالية من كل عيب ونقيصة، كصور القديسين والأنبياء فنجد بين أيدينا سيرة لا تمت للواقع بصلة وخالية من أي معلومة ذات قيمة.

المذكرات والسير الذاتية، ومحنة الحقيقة:

كتابة المذكرات هي عمل توثيقي يختلف عن كتابة السيرة التي هي جنس أدبي مصنف كما الرواية والشعر والقصة.

هي كتب تصبح سبيل لمن يبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة، وتفسيرات لما أستغلق فهمه. ممن اقتربوا من صناعة الحدث. ووجدت تفسير لما حدث في ورقة بحثية للدكتور عثمان الزياني بعنوان: (المذكرات السياسية كأسلوب لمواساة الذات: الذاكرة المكبلة ومحنة الحقيقة).

الكتابة من الذاكرة قد تزيف الحقائق دون وعي، كما يقول د. عثمان الزياني، وهناك التماهي مع خيارات السلطة وكتابة ما يرضي السلطة واستخدام اللغة والمصطلحات الرسمية للسلطة، وكتابة ما ترضى السلطة عنه وحذف ما لا يناسبها. لهذا أكثر الكتب تتحدث بلغة الإعلام الرسمي وتستخدم لغة الخطاب الرسمي كأنها جميعا كتبت بقلم واحد.

ويشير الدكتور الزناتي إلى الذاكرة المؤدلجة، التي ُرسم لهم حدود التذكر ما يقال وما يتم التغاضي عنه وما يتم محوه تماما وعدم الإشارة إليه، وتشويه التاريخ يتم من قبل إيديولوجية السلطة المبني على الترغيب والترهيب، ذاكرة خاضعة للتلاعب والمساومة في آن واحد، ومن خلال التستر على الحقائق والقضايا المحورية في التاريخ السياسي.

يضطر الشخص أن يمارس نوع من الرقابة الذاتية حتى لا تتم عملية إفشاء الأسرار، ولا تبقى أمامنا سوى أنا نرجسية لصاحب المذكرات الذي يرسم صورة بطل سياسي عصامي صنع التاريخ.

لهذا فالمذكرات السياسية لا يمكن أن تخرج عن إطار الهيمنة والتحكم كما يقول د. الزناتي مما يكون معه الكاتب مجبر على ركوب منطق بلاغة التضليل والتعميم والتورية والتسويغ ولغة الخشب.

السياسي لا يمتلك القدرة على الاعتراف حتى لو كانت الحقيقة ساطعة وظاهرة للعيان ومنكشفة ولا تحتاج أي تبرير أو تسويغ.

ويصدمنا الدكتور الزناتي بحقيقة قاسية: إن القارئ الذي يتخيل أن المذكرات ستكون موضوعية، عادلة، أو حتى دقيقة بدرجة كبيرة هو ساذج بالطبع، فالمذكرات السياسية هي قصيرة النظر والرؤية وذات طابع ذاتي وحزبي ضيق في الغالب، وعلى الرغم من هذا التحذير، فإنها دائما ما تكون مصدر للمعلومات السياسية التاريخية، وتفتح الباب أمام نقاشات حقيقية بين مشكك في مصداقيتها وداعم ومساند لها، إلا أنه وجب تصحيح مضامينها ودعم مسارها وتقويم اعوجاجها بالشكل الذي يجعلها شاهدا حقيقيا على العصر في سياق التاريخ السياسي.

في الأخير:

قرأت الجزء الأول من المذكرات التي حاول الشيخ سنان أن يسجل فيها دقائق ويوميات للأحداث التي عاصرها، وما رافق الحركة الوطنية قبل الثورة اليمنية من خلافات عميقة بين أفرادها. كانت هناك إشارات لتلك الخلافات دون ذكر طبيعتها، عدا إشارة سريعة لأحد الخلافات: " كنت في البيت متعبا فزارني قاسم غالب وتحدثنا معه كثيرا، وكان عائدا من القاهرة وأثنى على البيضاني وقال أننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية وهو كان من دعاة ذلك".

ويبدو واضحا أن رواد الحركة الوطنية من مثقفين ومشائخ وغيرهم لم يحملوا مشروعا وطنيا جامعا توافقوا جميعهم عليه، فرؤاهم كانت ضبابية ومتناقضة وجمعهم فقط فكرة التخلص من الإمام واسرته، وحتى هذا الهدف اختلفوا كيف يتم تحقيقه.

لم تعجبني المقدمات المملة والممجوجة، للكتاب، والتي لا تخرج عن نطاق التزلف والتملق لكاتب المذكرات. ولم يعجبني أن عدد من الأشخاص عدلوا وحددوا ما يكتب الشيخ وما لا يكتب، وفكرة أن الشيخ رضخ ووافقهم على ذلك وحرمنا من كتاب يستحق القراءة كما كان يريد. وخرج الكتاب بعد التنقيح والتمحيص بصورة لا تطابق ما أراده من أن يكون كتابة شهادة صادقة على التاريخ وما حدث دون ميل أو تدخل.


 

كتاب: العاقل- تاريخ مختصر للجنس البشري

 

ذاعت شهرة الكتاب وتمت مناقشته مع مجموعة للقراءة يتم فيها ترشيح كتب تستحق القراءة، الكتاب من تأليف يوفال نوح هراري. كثيرون أبدوا أعجابهم بالكتاب الذي يمكن أن نطلق عليه صفة كتاب موسوعي لأنه يحوي الكثير من المعلومات في مواضيع شتى.

 ويبقى السؤال: لماذا تحظى بعض الكتب بشهرة كبيرة دون غيرها؟ وهل كل كتاب يحقق أعلى المبيعات هو بالضرورة كتاب جيد؟ 

اختلاف الآراء حول أي كتاب هو أمر صحي وجيد. لأن كل قارئ له وجهة نظر وزاوية ينطلق منها. وليس بالضرورة أن نعجب بكتاب لأنه أعجب الآخرين. الكتاب من وجهة نظري مثير للجدل، لأنه يحوي الكثير من الفجوات المعرفية وهذا جزء من انطباعاتي حول الكتاب: 

 

تاريخ مختصر:

الكتاب ممتع للقارئ العادي الذي لا يجد المتعة ولا الوقت لقراءة الكتب الاكاديمية المتخصصة، مثل كتب التاريخ والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد وغيرها،  فيجد أمامه كتاب بلغة ساحرة وجميلة يزعم أنه يقدم ملخص للتاريخ البشري. 

من الصفحة الأولى يشعر القارئ أنه يقرأ رواية بسرد خيالي بعيد عن رتابة الحقائق والأرقام، مشبعة بروح الدعابة الساخرة والمتعالية، وبكل بساطة يدوس على الحقائق العلمية المعروفة، يشبه ذلك النوع من الأحاديث التي قد تدور بين أصدقاء يجلسون في مقهى وينتقلون بالحديث من موضوع لآخر دون تخطيط ودون اهتمام بجدية الحديث ودرجة مصداقيته فالمتحدث يجيد جذب الانتباه والمبالغة، وتارة تشعر كأنه يسرد رواية لا ترتيب للزمن فيها. أي تاريخ هذا الذي يقدمه الكتاب!

التاريخ في هذا الكتاب يسرد كما في الروايات، فلاش باك، زمن حاضر ومستقبل وعودة للماضي. وهكذا، خطفة من هنا وخطفة من هناك، وربما هذا هو سبب شهرة الكتاب!

التوصيف الدقيق للكتاب أنه بدأ بعرض مثير للاهتمام للتاريخ البشري وتطور الأنواع وانتقل لينط من موضوع لموضوع آخر لا علاقة له بعنوان الكتاب، يستعرض وجهات نظر الكاتب وتأملاته وافكاره حول عدد من القضايا المثيرة للجدل: في الانثروبولوجيا، علم الاجتماع، الاقتصاد، الأديان، الأيديولوجيات على مر العصور، الطهارة والتقسيم الطبقي، التمييز العرقي، تبعية المرأة للرجل، المال والرأسمالية، والتطورات التقنية والامبريالية، والمثلية الجنسية وغيرها. وله مواقف ضد الأديان والثقافات التي يصفها بأنها مجرد أساطير وخيال دون أن يكلف نفسه دعم رأيه بدليل علمي واحد، وعلى القارئ التسليم بذلك.

أكبر خديعة في التاريخ:

 تحت عنوان "أكبر خديعة في التاريخ "، وهو يقصد الثورة الزراعية، يحاول اقناعنا أنها لم تحسن حياة البشر لكن جعلت حياتهم أكثر بؤسا من حياة البشر الصيادين الذي، بحسب رأيه، تمتعوا بالمساواة والتنوع الغذائي وكانوا أقل عرضة للمعاناة والجوع مقارنة بالمجتمعات الزراعية التعيسة التي عانت من المجاعات والفقر الغذائي ويقدم هذا الرأي العجيب كأنه حقيقة علمية. فيرسم للقارئ صورة خيالية لحياة الصياد الذي يجد أمامه طعامه ويجد الوقت الكافي ليحكي لأفراد جماعته الحكايات ويمارس الألعاب الترفيهية معهم. 

لم يذكر لماذا جاءت الزراعة وأنها كانت الخيار الأمثل في بيئة تنعدم فيها الخيارات بعد أن اجتاحت الأرض موجة جفاف فتجمع البشر حول مصادر المياه وظهرت الزراعة. لكن إذا انطلت عليك هذه الحيلة فكل ما سيأتي رغم جمال السرد فهو يحوي مغالطات يتم تمريرها كحقائق. منذ الصفحة التي أعلن رأيه فيها حول الثورة الزراعية سقط أي ادعاء بأن هذا الكتاب عمل عملي جاد، الكتاب آراء وتحيزات شخصية، فهل يريدنا الاقتناع بأن حياة البشر كانت ستكون أفضل لو بقى الإنسان الصياد الذي لا يعمل بل يعيش كالحيوانات معتمدا على التقاط الثمار وأكل صغار الحيوانات كالبط الذي جاء على ذكره. لا يبني المدن ولا يزرع ولا ينتج الأدوات ولا يطور بل عوضا عن ذلك يقضي حياته في القتال مع الآخرين والهروب من الحيوانات المفترسة.

نسف الحقائق:

تحت عنوان لغة الأرقام:

" وهي تعرف بالأرقام العربية وهذا فيه خلط إذ أنها اخترعت من قبل الهندوس بداية (والخلط الأكبر أن العرب المعاصرين يستخدمون مجموعة أرقام مختلفة تماما عن الأرقام الغربية). لكن العرب حظوا بنسبة الفضل إليهم لأنهم وجدوا النظام الحسابي عند غزوهم للهند، فأدركوا فائدته ونقحوه ثم نشروه عبر الشرق الأوسط ومن بعدها إلى أوروبا. وعندما أضيفت عدة إشارات أخرى إلى الأرقام العربية (كإشارات الجمع والطرح والضرب)، ظهرت إلى الوجود أسس التدوين الحديث للرياضيات" 

الكاتب هنا يسميها أرقام عربية رغم أنه نفى تلك الصفة عنها في بداية الفقرة، ولا يخبرنا ما يقصد بالتنقيح الذي قام به العرب ولا كيف ظهرت إشارات الجمع والطرح والضرب، وهو يتعامل مع جميع المواضيع بالطريقة ذاتها. ينفي ويشكك حتى بالحقائق المعروفة لأنها لا تعجبه.

نعرف أن هناك فرق بين الرأي أو النظرية وبين الحقيقة. لكن الكاتب يعرض نظرياته ورأيه الشخصي كحقائق لا تقبل النقاش.

الكاتب يملك أسلوب جميل في تناول المواضيع واختيارها رغم أنها لا علاقة لها بالتاريخ. فأسلوبه ساخر ورائع لتناول موضوع مثل الاختلافات بين الرجل والمرأة تحت عنوان "هو وهي":

 " فهل وجود رحم يجعل من الشخص غير لائق بيولوجيا لهذه المهن؟" 

ونفهم معنى الأساطير والخيال التي يصف بهما الثقافة والدين والمعتقدات، فهو يشكك في كل ما نعرفه لإدخال ما نرفضه.

 " البيولوجيا تمكن والثقافة تحرم. فالبيولوجيا على استعداد للتسامح مع طائفة واسعة جدا من الإمكانات" 

ومن الأمثلة لما يجذب الناس لقراءة الكتاب السذاجة المطلقة في تناول المواضيع: 

" وإذا كنا مثل رامبو فيمكننا استخدامها أيضا لسحب مسامير أمان القنابل اليدوية. فهل هذه الاستخدامات غير الطبيعية ببساطة لأن اسلافنا الشبيهين بالدودة لم يفعلوا هذه الأشياء بأفواههم قبل 600 مليون سنة؟"

تظهر استشهاداته مدى جهله أو عدم معرفته ببعض المواضيع التي يعرضها دون أن يتعمق في معرفتها بشكل أعمق قبل أن يطلق أحكامه: " كانت معظم المجتمعات أبوية في كل من أمريكا وآسيا الأفريقية."

 ولا يشير لتلك المجتمعات غير الأبوية التي كانت موجودة وحتى يومنا هذا مثل الطوارق في صحراء مالي والنيجر والجزائر وليبيا حيث لا توجد فكرة تفوق جنس على الآخر عند تلك المجتمعات. فالفتاة عند الطوارق تتمتع مثلها مثل الذكر بجميع المزايا، كما يأخذ الطفل نسب أمه. وهناك المرأة الفرعونية ومساواتها القانونية بالرجل. والملكة تينهينات الأم الروحية للطوارق. والملكة ديهيا القائدة العسكرية التي خلفت الملك أكسيل وحكمت الأمازيغ وشمال أفريقيا. سماها العرب الكاهنة. حكمت عام 680م أيام حكم الخليفة عبد الملك بن مروان.

يضع الكاتب افتراضات ثم ينسفها، أحاديث جميلة وظريفة تربط بين ما لا رابط بينه وتتنقل من موضوع لآخر دون خلفية علمية ولا ذكر للحقائق، بل كلام عام من نوع القيل والقال.

عنده مشكلة مع المسلمين:

 " إن كنت فعلا تود أن تفهم، لنقل مثلا المسلمين الذين يذهبون إلى المسجد في آخر الشارع. فلا تبحث عن مجموعة القيم الأصيلة التي يعتز بها كل مسلم، بل اسأل عوضا عن ذلك عن المتناقضات في الثقافة الإسلامية، تلك المواضيع التي فيها تتحارب القواعد وتتصارع المعايير، وستفهم المسلمين بشكل أفضل في كل بقعة يتأرجح فيها المسلمون بين نوعين من الواجبات"

لكنه مع دولة إسرائيل لا يذكر إلا كل شيء إيجابي مثل:

 " لدى العلماء في إيران وإسرائيل وأستراليا والأرجنتين نفس الآراء بالضبط حول بنية الذرات وعلاج السل" 

حتى في عرض تاريخ العملات النقدية لم يظهر غير الشعير والشيكل.

ومن المغالطات التاريخية التي تبرر للدول الاستعمارية ما فعلته: 

" مع ذلك، فإن الدولة الهندية الحديثة هي وليدة الإمبراطورية البريطانية. قتل البريطانيون وجرحوا واضطهدوا سكان شبه القارة الهندية، لكنهم وحدوا الفسيفساء المربكة للممالك والإمارات والقبائل المتحاربة. وخلقوا وعيا وطنيا مشتركا وبلد يعمل كوحدة واحدة إلى حد ما" 

فإذا كان هذا ما فعلته بريطانيا فمن تسبب بانقسام دولة الهند؟

القتل ليس مرفوضا من الجميع لكن هناك فرق على ما يبدو من وجهة نظر الكاتب ويعتمد على  من هو الفاعل.

" كان أسامة بن لادن رغم كرهه للثقافة الأمريكية والديانة الأمريكية والسياسة الأمريكية مولعا بالدولارات الأمريكية فكيف نجح المال حيث فشلت الآلهة والملوك؟"

" كان الحكام المسلمون الذين دعوا إلى الجهاد ضد المسيحيين الكفار مبتهجين لتلقي الضرائب بعملات معدنية تتوسل بالمسيح وأمه العذراء"

العنصرية تعتمد على من يمارسها وليست كل عنصرية وتطرف مدانة، فهو يشير للنازية واسطورة تفوق الجنس الآري وهتلر لكن دون أدنى إشارة للعنصرية اليهودية ضد المواطنين العرب في دولة إسرائيل. 

" لماذا ندرس التاريخ إذا؟ لا يعد التاريخ وسيلة لإجراء تنبؤات دقيقة، على عكس الفيزياء أو الاقتصاد، فنحن لا ندرس التاريخ لنعرف المستقبل لكن لنوسع من آفاقنا. ولكي نفهم أن وضعنا الحالي ليس طبيعيا ولا هو محتوم، وأن أمامنا بالتالي العديد من الاحتمالات، أكثر مما نتصور"

من الأمثلة التي تدل على بعد الكتاب عن الموضوعية التي ينبغي أن يتصف بها دكتور جامعي بحيث لا يمرر للناس آراء الاستخبارات الأمريكية التي ليست بالضرورة صحيحة:

 " وسيمكن للولايات المتحدة حينها إرسال ذباب تجسس إلكتروني حيوي إلى كل كهف أفغاني، وكل معقل يمني، وكل معسكر في شمال أفريقيا. وبمجرد فعل ذلك لن يكون ورثة أسامة بن لادن قادرين على صنع كوب من القهوة دون أن تمرر ذبابة تجسس وكالة المخابرات المركزية هذه المعلومات الحيوية إلى مقرها في لانغلي"

لم يشر إلى دولة إسرائيل في هذه الفقرة: 

" يوفر الشرق الأوسط أمثلة كثيرة، فالدولة السورية، واللبنانية، والأردنية، والعراقية، هي نتاج حدود عشوائية رسمها على الرمل دبلوماسيون فرنسيون وبريطانيون متجاهلين التاريخ المحلي والجغرافيا والاقتصاد. قرر هؤلاء الدبلوماسيين في سنة 1918م أن كردستان وبغداد والبصرة سوف تصبح من ذلك الوقت فصاعدا عراقية. وكان الفرنسيون في المقام الأول من قرر من سيكون سوريا ومن سيكون لبنانيا" 

لكنه لم يخبرنا من قرر أن تكون فلسطين إسرائيل؟

ويشير لتاريخ الإبادة الجماعية وينسى إبادة الفلسطينيين على أيدى اليهود: 

"فالتاريخ السياسي للقرنين التاسع عشر والعشرين يروى في معظمه كسلسلة من الحروب المميتة، والمحارق، والثورات. فمثل طفل في حذاء جديد يقفز من بركة إلى بركة، ترى وجهة النظر هذه التاريخ بأنه عبارة عن قفزات من حمام دم إلى آخر؛ من الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة؛ من الإبادة الجماعية للأرمن إلى الإبادة الجماعية لليهود إلى الإبادة الجماعية للروانديين؛ من روبسبير إلى لينين إلى هتلر" 

وأتخيل لو أن كاتب الكتاب شخص أكاديمي موضوعي وغير متعصب ضد العرب ماذا كان سيضيف!

" نادرا ما نفكر في العالم العربي على أنه مسالم بصفة خاصة. ومع هذا، حدث مرة واحدة فقط منذ أن حصلت الدول العربية على استقلالها أن شنت دولة غزوا واسع النطاق على أخرى (الغزو العراقي الكويت سنة 1990م) كانت هناك بعض الاشتباكات الحدودية (على سبيل المثال ما حصل بين سوريا والأردن في سنة 1970م)، والعديد من التدخلات المسلحة لإحدى الدول في شؤون أخرى (مثل تدخل سوريا في لبنان). والعديد من الحروب الأهلية (الجزائر، واليمن، وليبيا)، ووفرة من الانقلابات والثورات"

بعد أن قال أن البشرية قد كسرت قانون الغاب وهناك سلام حقيقي وليس مجرد غياب الحرب، يضيف: 

"ربما تندلع مثل هذه الحروب في العام المقبل بين أزواج من الدول. على سبيل المثال بين إسرائيل وسوريا. أو بين إثيوبيا وإريتيريا، أو الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لكن هذه ليست سوى استثناءات تثبت القاعدة"

تحليلات عنصرية:

وهو يكتب أمور لا علاقة لها بالواقع: 

" فلم يحدث من قبل أن كان السلام منتشرا إلى درجة ان الناس لم يتمكنوا حتى من تخيل الحرب" ولم أفهم عن أي سلام يقصد ونحن نرى الحروب أنا التفتنا؟

ويصدر أحكام تتسم بالغرابة: " وهكذا فكل اختراع جديد يبعدنا مسافة أخرى عن جنة عدن" 

وتبقى النظرة الدونية للعربي يتحفنا بها الكاتب كلما نسينا إحداها نواجه تحليل عنصري غريب بعد عدد من الصفحات: " قد لا يثار سخط العالم الثالث بسبب الفقر والمرض والفساد والقمع السياسي فحسب، بل كذلك بسبب الانفتاح على معايير العالم الأول. كان احتمال موت المصري العادي من الجوع والطاعون والعنف تحت حكم حسني مبارك أقل بكثير منه تحت حكم رمسيس الثاني أو كليوباترا. وكانت الظروف المادية لمعظم المصريين جيدة جدا مقارنة بالماضي. وكنت ستظن أنهم إنما كانوا يرقصون في الشوارع في عام 2011م، شاكرين الله على حظهم الجيد، لكنهم ثاروا بدل ذلك بغضب للإطاحة بمبارك. لم يقارنوا أنفسهم بأسلافهم تحت حكم الفراعنة بل بمعاصريهم في أمريكا في عصر أوباما". (تحليل علمي مبهر ومنصف من دكتور للتاريخ وإلا مش تحليل علمي يا متعلمين يا بتوع المدارس)

" يمكننا القول على حد علمنا من وجهة نظر علمية بحتة إن الحياة البشرية لا معنى لها على الإطلاق. والبشر هم نتاج عمليات تطورية عمياء تعمل دون هدف أو غاية. وليست اعمالنا جزءا من خطة كونية إلهية".  ضع خط تحت عبارة وجهة نظر علمية بحتة!!!

" يكمن جمال نظرية داروين في أنها ليست بحاجة إلى افتراض مصمم ذكي لشرح كيف حصلت الزرافات على رقاب طويلة" مع أن نظرية دارون نظرية وليست حقائق وبها الكثير من الثغرات. 

ويرى أن برامج الكمبيوتر التي صممها البشر قد تتطور بذاتها، فلديها خالق ولم تخلق ذاتها، وهذا ما يحاول أن ينفيه عن البشر." ويمكنها أيضا من أن تعلم نفسها مهارات جديدة، ويكون لديها رؤى وأفكار ليست عند خالقها من البشر. وبذا قد يتطور برنامج الكمبيوتر بحرية ليكون في هيئة لم يتصورها صانعيه"

"إننا آلهة خلقت نفسها بشراكة قوانين الفيزياء، ولا يوجد من يسائلنا"

في إحدى الصفحات يشير لموضوع كلكامش! لم أفهم لماذا حشر كلكامش دون إعطاء أي معلومات أو ربط لها بموضوع الكتاب. من فهم إلى ماذا يشير موضوع كلكامش؟

 

رابط المقال على منصة مرداد:

https://mirdad.app/articles/4837/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%82%D9%84-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A 

 


 

قراءة في الجزء الخامس لرواية بحثا عن الزمن المفقود: السجينة - لمارسيل بروست

 

يدور هذا الجزء من الرواية حول علاقة الراوي بالبرتين تلك الفتاة التي تجذب انتباهه مع صديقاتها على الشاطئ والتي يتمنى أن تهتم به ويتعرف عليها. بعد أن أصبحت ملكا له وتسكن في بيته وهو لا يصدق أنها ملك له وحده، يبدا بسجنها ومراقبتها وتحديد أين تذهب ومن يمكن لها مقابلتهم. وبمرور الأيام تفقد ذلك البريق واللمعان في عينيه، لكنه لا يستطيع التخلي عنها بسبب غيرته الشديدة فهو يخشى أن تنتقل للعيش مع رجال آخرين، فتتحول إلى سجينة في بيته.

وكما الأجزاء السابقة للرواية نجد الراوي ينقلنا من حادث لحادث، من الحب والغيرة لنقاشات المنتديات بروادها المتصنعين المتفاخرين وأحاديث أهل السياسة حيث يصرح أحدهم بأن النساء لا يفقهن شيئا في السياسة. وهناك أحاديث النميمة والغمز واللمز: " فالمنتديات تبدي على الدوام كثيرا من الغيرة من القوم البارزين جدا وتكره الثروات الضخمة".


ويشير الكاتب لتأثره بحكايات الف ليلة وليلة، والربط بين إبداع الموسيقى والرسم والنحت والحكايات والشعر والصلاة ولغة الملائكة ويرى ان الفن بالحقيقة ليس سوى امتداد للحياة. ويعقد مقارنات طويلة بين الموسيقى والأعمال الأدبية فيما يشبه النقد الأدبي. 


عذاب الحب والغيرة:

الراوي يحير القارئ فهو يهيم حبا بألبرتين ويتغزل بجمالها، وجمال جسدها، وبعد صفحات يبدأ بوصف الحب بالمرض الذي يصعب الشفاء منه، فهو يشبه الشقيقة الصرعية الشكل. 

ويقع في قبضة الحيرة والشك عندما يفكر أن المرأة التي تخون تكذب وتتفنن في الكذب: "إما إشفاقا أو خشية أو تهربا غريزيا في هروب يتوازى وتحرياتنا" فحتى لو أن تحرياته لم تقدم دليل على خيانتها فهو يبرر ذلك بأنها تحتاط. 

حيرته وتحرياته عنها وإدمانه التفكير تجعله يتوصل إلى تصنيف تصرفاته بدقه: " ليست الغيرة في الغالب سوى حاجة حائرة إلى الاستبداد مطبقة على أمور العشق" 

ويستفيض عبر صفحات طويلة يصف الحزن الذي يجتاحه وهو ينغمس فيه، ويدفعنا للتساؤل هل ما يحس به تجاه ألبرتين هو حب حقيقي، أم مجرد رغبة عابرة وحب امتلاك وغيرة مرضية؟

" فقد كانت تبدو لي كل يوم أقل جمالا. وحدها الشهوة التي تؤججها لدى الآخرين كانت ترتفع بها في نظري إلى سدة عالية حينما كنت أعود فأتألم حين أبلغ الأمر وأعتزم منازعتها إياها. كان بمقدورها أن تسبب لي العذاب وليس الفرح وبالعذاب وحده كان يستمر تعلقي المزعج" ، رغبة كبيرة في أن تكون له وحده وحرمان الآخرين منها. ذلك الحب المرضي، حتى لو توقف عن حبها لكن لن يسمح لأحد بالاقتراب منها.

يصف عبر صفحات طويلة مشاعر الغيرة وعذابها والشك والقلق الذي يحاصره. يشرح باستفاضة مشاعر الذكر الأناني الذي يريد الاستحواذ على امرأة، وتغييرها وتحجيمها، وكيف تتغير مشاعره نحوها بعد أن حولها لامرأة أخرى غير تلك التي هام بها حبا. 

" فلسنا نحب إلا ما لا نملكه بكليته".

 

تحليل للشخصيات:

الكاتب لا يكتفي برسم ملامح الشخصيات وأفعالها، بل يمارس التحليل النفسي من خلال الحديث الداخلي لشخصية الراوي، الذي يطلعنا على أفكاره، فطبيعة الحياة التي فرضتها حالته الصحية عليه، جعلته يجد الوقت الكافي للتفكير وإعادة التفكير في كل تصرف، فيستعيد كل موقف مرارا وتكرارا ويراه من زوايا مختلفة. ويحتاج القارئ أن يتمتع بالصبر. وألا يكون في عجلة من أمره.

  وهناك عالم الأحلام والمنامات، فالراوي ولأنه يقضي أحيانا أوقات طويلة نائما فله وقفات مع الأحلام وعالم النوم: " مع أنه يبدو تماما أن الحلم مصنوع أحيانا من مادة الحياة الأكثر بدائية، ولكن هذه المادة تعالج وتعجن إلى حد أنك بالمط الناجم عن أنه ليس يحول حد كمن الحدود الساعية في حال اليقظة دون أن تنسحب حتى ارتفاعات شاهقة، لا تتعرفها"

" لكن ربما كان ثمة عوالم أخرى أكثر حقيقة من عالم اليقظة"

ويستفيض في وصف أثر الفن على النفس والمشاعر والأحاسيس:" فغناء الطائر وصوت بوق الصياد واللحن الذي يعزفه راع على قصبته إنما تحفر في الأفق خطوط إنشادها"

 

نحن نشبه أهالينا:

وينبهنا الراوي كيف أن المرء يشبه أهله في تصرفاته وأحاديثه، ينتبه لذلك عندما يرد بطريقة معينة ويتوقف عند كلماته كثيرا ويشعر بالغرابة عندما يتضح له أنه يردد كلمات سمعها من ذويه في صغره: " ذلك كان جوابي. وسوف يتعرف المرء ضمن العبارات الشهوانية عبارات أخرى كانت خاصة بأمي وبجدتي. ذلك أني أخذت أشبه شيئا فشيئا ذوي جميعهم، والدي الذي كان يبدي بطريقة تغاير تماما طريقتي دون شك، فإنه إن تكررت الأشياء فإنما بتغيرات كبيرة – أعظم الاهتمام بالطقس السائد".

نحن نتغير كلما كبرنا وتظهر فينا بوضوح تصرفات وطباع الأهل التي كنا نستنكرها وننتقدها:

" فحين نكون جاوزنا سنا معينا تقبل روح الطفل الذي كناه وأرواح الأموات الذين صدرنا عنهم لتلقي إلينا بملء اليدين بثرواتهم وأذيات سحرهم وتطالب بالمساهمة في المشاعر الجديدة التي نحس بها. والتي نعيد صهرها فيها، وقد طمسنا صورتها القديمة، في عملية خلق جديدة"، " ينبغي لنا أن نستقبل، بدءا من ساعة معينة، سائر ذوينا الذين وفدوا من بعيد جدا وتجمعوا حولنا".

" كان وجهها يعبر عن خيبة أمل وكنت أستخدم في لوم صديقتي الأسباب نفسها التي كثيرا ما قوبلت بها من جانب والدي عندما كنت صغيرا وبدت غير ذكية وقاسية في نظر طفولتي غير المقدرة حق قدرها"

نحن إذا نتائج التربية التي تلقيناها في طفولتنا، البعض لا يستطيع تجاوز هذا. ويستمر الراوي في تحليل شخصيته وتفسير تصرفاته التي تذكره بطفولته:

"هذه الأقوال، وليس جزء كبير مما نقول سوى استظهار، كنت سمعتها كلها تنطق بها أمي التي تبلغ بها ذات مرة كنت أبكي فيها، أن تقول لي إن نيرون ربما كان سريع الانفعال ولم يكن لذاك السبب أفضل. والحقيقة، وكما هو حال تلك النباتات التي تتضاعف في نموها، فقد كان الآن، في مقابل الولد الحساس الذي سبق أن كنته فحسب، رجل يناقضه، يفيض حسا سليما وقسوة على حساسية الآخرين المرضية، رجل يشبه ما سبق أن كان ذوي، بالنسبة إلي. وغذ يقع على كل منا أن يجعل حياة ذويه تستمر داخله فإن الرجل الرزين المتهكم الذي لم يكن موجودا داخلي في البداية قد لحق بالرجل الحساس وأضحى من الطبيعي أن أكون بدوري مثلما سبق أن كان ذوي"

عالم الوراثة وانتقال الصفات لا يزال يظهر عبر الصفحات بشكل مختلف:

" أما الشيء المؤكد فإن تلك الظاهرة واقعة على الدوام. إن البشرية مغرقة في القدم. وقد وفرت الوراثة وصنوف التزاوج قوة لا تقهر للعادات السيئة والارتكاسات العابثة. ثمة شخص يعطش ويحشرج لمروره على مقربة من شجرة ورد، وآخر يصيبه طفح من رائحة دهان قريب عهده، ويصاب كثيرون بضروب من القولنج إن انبغى أن يسافروا، ولا يستطيع أحفاد اللصوص وأصحاب ملايين وكرماء حجب النفس عن سلبنا خمسين فرنكا"

سجينة وسجان:

أنه السجن...ونعيش مع مشاعر المحب الذي يسجن نفسه في سجن الشك والغيرة ويسجن من يحب.

" أسيرة تعود كما هو طبيعي تماما برفقتي وكأنها امرأة اتخذتها لي وتغيب، تحميها الجدران، في بيتنا"

"كان يبدو لسوء الحظ أنها داخل سجن"

" ليس من سجن جميل"

نعيش معاناة الراوي الذي يدرك أنه يسجنها ويعذبها لكنه لا يستطيع التوقف عن ذلك. ويحاول أن يبرر للقارئ لماذا يجد البعض متعة في تعذيب وإزعاج الآخرين، فيعيش القارئ معاناة الراوي المتخبط، ضحية طفوله وتربية أثرت عليه سلبيا بشكل كبير. ويذهب الراوي عميقا في التحليل ليذكر سبب الشعور بالغيرة: 

" ومثلما لا معرفة إلا وتأتي من الذات، يمكن القول تقريبا إن لا غيرة إلا آتية من الذات. عن الملاحظات قليلة الأهمية، وليس يستطيع المرء استخلاص المعرفة والألم من المتعة التي يحسها بذاته"

" ذلك لأن متعتي بأن تكون البرتين في بيتي بشكل دائم كانت متعة إيجابية تقل كثيرا عن المتعة التي قوامها أن أكون انتزعت من المجتمع، حيث يستطيع كل أن يتذوقها، الفتاة الندية التي كانت على أي حال لا توليني مسرة كبيرة فقد كانت تحرم منها الآخرين"، وهكذا يبرر لنفسه مسألة سجنها ومنعها من ارتياد المنتديات والصالونات. 

ولا ننسى أن الراوي طفل وحيد، ومعتل صحيا، لهذا مشاعره أنانية ويحب السيطرة، ويتعلق بكل فتاة جميلة.

أسئلة وجودية:

وتدور الأسئلة الوجودية عن الموت والحياة والجدوى من الأدعية والتلاوات لمن يعلم ان جسده ستأكله الديدان بعد دفنه، وتؤرقه فكرة العيش على هذه الأرض تحت سلطان قوانين مجهولة نذعن لها لأننا كنا نحمل تعاليمها في ذواتنا دون أن نعلم من سبق أن خطها فينا، تلك القوانين التي يقربنا منها أي نشاط عميق للعقل وهي خفية وتخفى على البلهاء.

وهناك الموت الذي يقف الراوي عنه ليحاول فهمه: " إن موت الآخرين شبيه برحلة تقوم بها بذاتك وتتذكر، وقد أصبحت على مئة كيلومتر من باريس، أنك نسيت دزينتي مناديل وإن تترك مفتاحا للطباخة وأن تودع عمك وتسأل عن اسم المدينة التي تضم عين الماء القديمة التي تود مشاهدته"

ولأن هناك شخصيات مثلية في الرواية ظهرت في الأجزاء السابقة فالحديث يمر عنهم: " الميل لدى الرجل إلى مفاتن الرجولة إنما يلقى تعويضه في الذوق الفطري ودراسة وعلم الملبس النسائي. وإن ذلك ليتفق وقوعه أحيانا كما لو أن الجنس الآخر، بعدما أحتكر الرجل كامل الرغبة الجسدية وكامل الحنان العميق لدى أمثال دو شارلوس، قد وهب في المقابل كما لو كان من قبيل الذوق الافلاطوني أو باختصار القول كل ما كان من قبيل الذوق إلى جانب الرفاهات الأكثر براعة وسلامة"

إشارات كيف يعرف الشاذون بعضهم: "وهم يعتادون داعين بعضهم يا عزيزي.."

همسات عن العشق المثلي بين شخصيات الرواية وتلميحات دون تصريح...وحوار بين شخصيتين عن هل الشذوذ الجنسي اختفى من المجتمعات فهو موجود بين اليونانيين وبعض الملوك وبعض الشخصيات المشهورة الذي يتم ذكرها بالاسم!

في الرواية الشخصيات الارستقراطية الرجالية هي من تضع المساحيق للوجه وتنتعل الحذاء بالكعب العالي.

في هذا الجزء من الرواية الفقرات والجمل أفضل من تلك في الأجزاء السابقة من الرواية.يشعر القارئ أنها أكثر سهولة وفهما. 

https://mirdad.app/articles/4732/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3-%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%AD%D8%AB%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%82%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%86%D8%A9




قراءة لرواية شرخ الماء لعبد الرحمن الخضر

 

يقول الكاتب البرازيلي جورج أمادو: ” أكتب لكي يقرأني الآخرون، ولكي أؤثر فيهم، ومن ثمة استطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح”.

تذكرت هذا وأنا اقرأ رواية “شرخ الماء”. فالرواية تستطيع أن تكون صورة دقيقة للمجتمع، والكاتب المبدع هو من يحقق ذلك. فيقول لنا عن واقعنا وعن واقعه هو كل شيء بشكل أدبي، فنحن نحتاج أن نعرف عن أنفسنا وواقعنا الذي يخفى منه عنا الكثير، ولأننا نفقد ثقتنا بالأخبار الرسمية يصبح الأدب هو المصدر. الأدب الواقعي هو الذي يمنحنا تلك المتعة ونحن نقرأ واقعنا من خلال العمل الأدبي، فيدفعنا لنقرأ ما بين السطور من تحليلات وتأويلات دسها الكاتب بذكاء ونحن نبحر في سماء الرواية.

وكما يقول صبحي فحماوي: ” الدراما في الرواية تشدك بخيط سحري…الرواية تفرش الأرض القفراء خضرة وينابيع وغابات، وهي التي تجعل للحياة طعما، ولهذا نكتب الرواية”.

 

كما خطر ببالي ما قاله أرنست هيمنجواي صاحب رواية وداعا للسلاح: ” في جميع قصصي أحاول نقل نبض الحياة الواقعية، ولا أكتفي بوصفها، أو انتقادها، ولكنني أقوم بنقلها إلى الورق، بحيث يشعر القارئ بعد الانتهاء من قراءة قصتي أنه قد عاشها بنفسه بالفعل”. ويقول أيضا:” الكتاب الخياليون ليسوا سوى غشاشين فوق العادة، الذين يستطيعون، إن كانوا يعرفون كثيرا، وكانوا منضبطين في الوقت نفسه أن يكتبوا بحيث تكتسب تخيلاتهم مصداقية أكثر من الحقائق المؤكدة”… لا يخلو عمل أدبي لأدباء أمريكا اللاتينية من سرد الأحداث التاريخية والسياسية التي تشكل جزء مهما من بنية الأدب لأمريكا اللاتينية، حيث يرى الكاتب هناك أنه يلعب دور يُسهم في التعريف بأمريكا اللاتينية وبقضاياها. في أدب أمريكا اللاتينية السياسة شكلت جزء من البنية الروائية ذاتها، دون أن تتحول الرواية إلى بيان سياسي، أو خطابي خال من الملامح الفنية. نلاحظ في رواية حفلة التيس على سبيل المثال الكاتب يستلهم ملامح المكان والإنسان، وكيف تعمل الرواية على عرض المعاناة ونقد الأوضاع وفضح الممارسات.

 

في رواية شرخ الماء، عندما نبدأ بالعنوان نجد أننا أمام شرخ! فهل هو شرخ نفسي، أم شرخ في الذاكرة، بل قد يكون شرخ عميق بين الحلم بالتغيير والواقع الذي نعيشه. شرخ للماء، فهو إذا شرخ لا ترصده العيون مهما كان مخيفا أو مرعبا.

يتنوع صوت السرد في الرواية، وتتغير الأزمنة بين الماضي والحاضر. ونرى الراوي الكاتب يظهر لنا من خلال سطور الرواية ويختفي ليعطي الفرصة لشخصيات الرواية.

الشخصيات في الرواية والأماكن حقيقية، حتى لو حمل بعضهم أسماء مختلفة، والأحداث من صميم الواقع فلا خيال هنا. واقع أكثر غرابة من أي خيال أو فنتازيا بالنسبة لمن لا يعيش هنا.

 

ماذا حدث بعد الثورة التي جاءت لتحرر الإنسان، فها هي تعذب الناس بذات الأدوات، بل زادت عليها بأساليب أكثر امتهانا للكرامة ومحوا للشخصية: ” حين استعاد وعيه أحس بقدميه ثقيلتين ولم يتمكن من تحريكهما، وسمع قلقلة، كان ممدا على بسطة الإسمنت في زنزانته الانفرادية، وقدماه مطوقتان بقيد من الحديد المرود الذي كان يطوقون به أقدام الثوار في معتقلات الإمام”.

يضع الجواب لذلك السؤال: أين ذهبت النخب الثقافية؟ أين بصمات من تعلموا في المجتمع الذي تحرر من العزلة عن العالم وشق الطريق بقوة نحو العلم والخروج من العزلة؟ هل سقط كل من حلم بالتغيير في ذلك الشرخ الذي مس جسد الوطن؟

الفنتازيا في أبهى صورها، تلك الأحداث الواقعية التي تصفع أي خيال، الراوي لا يصف مشاعر الناس وصدمتهم وخوفهم وما حدث لألسنتهم، اعتقلت الألسنة فعاش المواطن معتقل تحت التعذيب في الوطن الذي حلم بتغييره، ومواطن آخر فضل أن يقوم بنفسه بكف لسانه وحبس كلماته وأعمى عينيه ليعيش بسلام. إنه ذلك الشرخ المخيف والخادع الذي لم تتخيل وجوده، فيبتلعك ويبتلع أحلامك.

لا مكان للحب في هذا المجتمع، لا مكان للحياة النزيهة…

 

ترسم الرواية ملامح المجتمع بتناقضاته، في لوحة تتنافر فيها الألوان: حيث مشاعر الحب والشوق، والغدر، وسطوة القوة والتسلط وقهر الآخر. لوحة ترصد الشرخ غير المرئي الذي أفسد الحياة في هذا البلد. مدرسة ومستشفى يُبنيان، وهناك معتقل وزبانية وتعذيب، فساد وقهر ومواطن يعيش مكشوف في العراء لم تتغير حياته.

رصد لأحداث كبيرة وصراعات لا تلتفت لمعاناة المواطن واحتياجاته. ” ليكتشف أخيرا ذلك التماهي الجاري بين العسكر والقبيلة وتنظيم الإخوان المسلمون الذي طغى وسيطر على التوجهات الأخرى التي افترض أن المؤتمر قد تبناها في مرحلة التأسيس”.

 

المقال على منصة مرداد 

 


 

رواية «كحل وحبهان»: سيمفونية تستدعي الذكريات

 

استوقفتني صورة غلاف رواية «كحل وحبهان» للكاتب المصري «عمر طاهر»، حاولت أن أتذكر من صاحبة صورة الغلاف، الوجه مألوف لممثلة مصرية شهيرة غاب اسمها عن بالي. فشغلني ذلك عن القراءة، وبدأت بالبحث عن اسمها. أخيرًا عرفتها، الصورة للراحلة الممثلة «مديحة كامل».

ولكن ما علاقتها بالرواية؟

سألت نفسي هل صورة الغلاف تستحق كل هذا الاهتمام؟ صورة الغلاف أول ما تقع عليه عينا القارئ. فلماذا مديحة كامل تحتل صورة الغلاف؟

لكن القارئ سيعرف هذا وهو يقرأ الرواية.

وأنا أبحث بدافع الفضول عن صاحبة الصورة على غلاف الرواية، عثرت على مقال ينتقد الرواية بشدة ويقول إنها لا تُصنَّف رواية، فهي بحسب رأيه تفتقد للحبكة الدرامية، ويُشكِّك في نزاهة لجان الجوائز الأدبية بسبب وصول هذه الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة بحجم «جائزة نجيب محفوظ».

وبعيدًا عن ذلك الجدل بدأت مغامرة قراءة الرواية، لأجدها ممتعة من الصفحة الأولى.

اللغة

الكاتب يمتلك لغة جميلة، شعرية رائعة تصف الأشياء بدقة وجمال.

صمت مُربِك تهشم بقسوة بعد دقائق إثر صوت صرخة أم سمير.
الجوع فراغ، وكل فراغ مؤلم. كان ألم أم سيدنا موسى أن فؤادها أصبح فارغًا. فراغ المعدة، القلب والبيت والوجدان والطريق والجيب، كل فراغ يؤلم صاحبه، ما عدا فراغ العقل؛ فهو يجلب له النعيم.

رغم بساطة القصة وأحداثها لكنها تلامس مشاعر القارئ بعمق. تتناول كثير من المواضيع الحساسة والمسكوت عنها في المجتمع بطريقة لطيفة، كأن الكاتب يُنبِّه لشيء ما غير صحيح. فهو يرصد مظاهر التعصب الديني في المجتمع وثقافة التمييز ضد الآخر، يتضح ذلك من وصف بطل الرواية لمعالم المدينة التي عاش بها طفولته:

مسجدان كبيران لكل واحد منهما شلة مصلين، كنيسة كبيرة يصيبنا توجس ما كأطفال مسلمين ونحن نعبر إلى جوارها، وعلّمونا أن نقرأ ساعتها الفاتحة بصوت عال.

وعلى بعد صفحات نراه يمر سريعًا بطريقة ذكية على موضوع حساس، التحرش الجنسي بالأطفال، وهو يتذكر الروائح وما تحمله من ذكريات، فلكل ذكرى رائحة تميزها وتستحضر صورتها، ليصل إلى:

رائحة البيوت المهجورة هي رائحة معمل كيمياء المدرسة الابتدائية، عندما أمسك المدرس يدي ومرّرها فوق انتصاب عارم.

لا يذكر الكاتب تفاصيل ذلك التحرش، لكنه يترك خيال القارئ الذي سيشعر بالصدمة ويقف لتخيل تلك اللحظات لطفل في الابتدائية ومدرس سيئ الأخلاق يستغل مكانته ومهنته مع طفل بريء، ويترك جرح في نفسية الطفل تتحول لذكرى لها رائحة لا تُمحَى.

الرائحة تلعب دورًا كبيرًا في الرواية ويتفنن بطل الرواية في عزف سيمفونية الطبخ ورائحة الطعام ورشاقة الطبيخ. الطبيخ فن له قواعد ومعايير وطقوس ساحرة. بل طقوس مُقدسة لتلك الطبخات الناجحة:

طبيخ تأدية الواجب لا شخصية له، صاحبات النفس هن صاحبات أرواح عظيمة محبة ومخلصة.

وقد تحوّل من الحديث عن الطعام إلى الحديث عن فلسفة الطعام: الصداقة، العلاقات الاجتماعية، الحب، وكثير من المشاعر نشعر بها من خلال رائحة الطعام ومكوناته. بل إنها تقوم بمهمة تحليل شخصيات تاريخية وسياسية:

كنا نفكر في تحليل لرائحة محمد علي باشا، وخطر لنا سؤال: كيف هي رائحة المشاهير الذين لم نلتقهم يومًا؟ قلت لخالي: فلتبدأ.
قال: جمال عبد الناصر.
بعدها انفتح باب اللعبة ولم ينغلق.

تُذكِّرني الرواية برواية «البحث عن الزمن المفقود» لـ«مارسيل بروست»، تلك الرواية الطويلة المكوّنة من سبعة أجزاء، والتي تُغرِق القارئ في تفصيلات دقيقة، عندما يصف الراوي- عبر صفحات طويلة- لوحات فنية ومنحوتات، ويُغرِق القارئ في ذكريات يستعيدها الراوي وهو يستمع لجمل موسيقية، فتعج الرواية بأسماء موسيقيين ونحّاتين وأدباء. وكأن الكاتب يُمسِك بريشة فينحت تلك الذكريات، وعمر طاهر هنا يُحوِّل الطعام لسيمفونية تستدعي الذكريات.

الحبكة

ينقلنا المؤلف بين زمنين، طفولة الراوي عبر يوميات، وأحداث من فترة شبابه من عام 2008 حتى 2017.

ينقلنا من حكاية إلى حكاية بتعبيرات رشيقة، وأوصاف جميلة تمتلك عمقًا كبيرًا، تُلامِس مشاعر وعواطف القارئ فيشعر في لحظات أنه يقرأ جزءًا من سيرته الذاتية في طفولته. فالكاتب يتفنّن بذكر يوميات يلوّنها بالأغاني السائدة في ذلك الزمن في السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

فرحة الراوي بشراء التلفزيون المُلوَّن، وجهاز الراديو الذي يستمع منه لأشهر الأغنيات، والتلفون الذي دخل لشقتهم أولًا بسلك طويل ليخدم بقية الجيران.

عبر صفحات الرواية وتفاصيلها يشعر القارئ بالحنين لذلك الزمن الجميل «النوستالجيا» زمن مديحة كامل، وفايزة أحمد، ومحمد منير. زمن أغاني الكاسيت. ويسمع الأم وهي تردد مع الراديو في المطبخ كلمات لأغنية:

يمكن على باله حبيبي
يمكن على باله أغيب
لكن والله يا حبيبي عن بالي ما بتغيب.

ليس للطبيخ وعادات الأكل طقوس وحسب، بل الحزن له طقوس وممارسات. وفاة قريب لإحدى الجارات يُغيِّر حياة الراوي. وتظهر قائمة الممنوعات مراعاة لحزن الجارة حتى فيما يخص نوع الطعام.

الانتقال بين يوميات الراوي في طفولته وأحداث يومه في فترة الشباب تتم بسلاسة، ويتقبلها القارئ بشغف من دون الشعور بالغرابة.

كان أبي جائعًا، وأنا أيضًا، لكن رعشة خفيفة سرت في جسدي عندما ابتسم أبي بعد أول لقمة جعلتني أنسى الجوع، هذا الطفل اليتيم يبدو سعيدًا، وأنا الآن أتشمم رائحة استمتاعه. قال شيئًا لم أسمعه جيدًا، كنت مشغولًا بالتدقيق فيما أشعر به الآن، فبعيدًا عن كل أهل المنزل كنّا نجلس أنا وهذا الرجل وحدنا نوقع معًا ميثاق العيش والملح.

تنتهي أحداث الرواية قبل أن يصل القارئ لمرحلة الشبع والتخمة.

الحب الأول في أيام الطفولة ورسائل الغرام البريئة، والحب الناضج في مرحلة النضج والشباب.

تُقدِّم الرواية شخصياتها بطريقة هادئة: الراوي، ووالدته التي تُتقِن الطبيخ، وجدته المُحبة، والده الحازم، الخال. شخصيات واضحة ومألوفة للقارئ، يتقبلها بترحاب وكأنه يعيش معها ويعرفها منذ زمن، ويرى شبهًا كبيرًا بينها وبين عائلته وجيرانه وأناس عرفهم في طفولته.

لم أتردد في وضع تقييم عال للرواية، بغض النظر عن رأي من ينتقدها، ليقيني أن هناك منْ يحرمون أنفسهم من متعة الاستمتاع بكثير من الأعمال الإبداعية، عندما يُقيِّدون ذائقتهم بقواعد تتجاوزها بعض الأعمال الأدبية.

 

(المقال نُشر على موقع إضاءات:

https://www.ida2at.com/kohl-and-habhan-symphony-that-recalls-memories/ 

 


 

كناب : فن اللامبالاة

 

ينشر محمد صلاح صورةً له وهو يقرأ كتاب “فن اللامبالاة” ويرسل له مارك مانسون رسالة شكر. ترتفع مبيعات الكتاب، فهل حدث ذلك صدفة؟

الكتاب يحتوي 269 صفحة، في المكتبة معروض تحت لوحة الكتب الأعلى مبيعًا. عادةً كتب تطوير الذات لا تثير اهتمامي كثيرًا، لكنني أشارك مع مجموعةٍ للقراءة وكان هذا الكتاب هو كتاب الشهر، علي أن أقتنيه وأقرأه بتمعن من أجل جلسة النقاش الشهرية.

مؤلف الكتاب

مارك مانسون من مواليد 1984م، بدأ مدونته عام 2009م كقناةٍ تسويقية لأعماله في مجال الاستشارات للمواعدة dating advice business ، إذن هو خبير في أعمال التسويق والترويج.

التسويق للكتاب

في كتابه يخبرنا مارك أن كتابه مختلف عن كتب تطوير الذات، فيقول: “ليس الكل استثنائي” فهل هي دعوة لليأس والقبول بالواقع كما هو دون بذل أية محاولة لتحسين الأوضاع؟

ويوجه النقد لكتب تطوير الذات التي تحاول إقناع كل شخص أنه متميز ويملك قدرات يحتاج أن يكتشفها ويستغلها لصالحه. وهذه محاولة ذكية من المؤلف فهو يقنع القارئ بأن كتابه مختلف كلية، ولدية الجديد للقارئ الذي بدأ يفقد الثقة بكتب تنمية الذات التي باتت متشابهة وتحمل الأفكار ذاتها ولو اختلفت عناوين الكتب. فهل حقًا يقدم مارك شيئًا مختلفًا للقارئ؟

مسحوق اللامبالاة

يشرع المؤلف بذكر قصصٍ تاريخيةٍ مثل قصة بوذا التي أدخل عليها تفصيلات من خياله هو، حتى يقنع القارئ بوصفته السحرية الجديدة، اللامبالاة السحرية. وأكثر من ذلك يذكر قصة تجربة ملجرام في علم النفس ويبالغ في القول بأن لا أحد ممن خاضوا التجربة قد رفض ما يحدث، وهذا غير صحيح. كما أنه نسب مقولة: “المسؤولية الكبرى ترافق السلطة الكبرى” للعم بن في فيلم “سبايدرمان” بعد أن يذكر أنه لا يتذكر من هو الفيلسوف القائل للعبارة، وبالتالي لا يشعر بالحرج وهو يورد معلومة غير صحيحة أو لم يتأكد من صحتها. إذن المؤلف ليس دقيقًا بقصصه التي يختارها لتدعم وتعزز أفكاره.

هل هو فعلًا كتاب مختلف؟

الغريب أن الكاتب ينسى ما وجذه من انتقاد لكتب تنمية الذات، ويتحول الكتاب إلى كتاب من النوع نفسه، كتاب تطوير للذات.

في صفحة 262 من الكتاب يقول المؤلف:

“إنك شخص عظيم.. أنت عظيم حقًا سواء أدركت هذا أو لم تدركه، وسواء أدركه غيرك أو لم يدركه” وينسى أنه وجه النقد لكتب تطوير الذات وأنه يخاطب القارئ بالأسلوب نفسه الذي انتقده، وفي الكتاب الكثير من هذه العبارات. ويلاحظ القارئ بسهولة أن الكتاب مملوء بالحشو في كثير من فقراته، بسبب كثرة الوصف، وتكرار الأفكار ذاتها في فقرات متتالية.

بل أن الكاتب يدفع بالقارئ للشعور بالتشاؤم وهو يطلب منه عدم رفع سقف طموحاته، وأن يعيش يومه كما هو عليه لا كما يريد أن يكون!! ثم يتناقض مع نفسه ويدفع القارئ للأمل في سطور أخرى. الكاتب يستخدم أسلوب الخداع والاستدراج للقارئ، ويقدم له كتابًا سيئًا، بأفكار ضحلة، لكن حماسه لا يجعله يدرك ماكتب.

القيم والمبادئ

في صفحة 65 يتفاجئ القارئ بالعبارة التالية:

”لا بد من قدر كبير من الطاقة والجهد لكي تقنع نفسك بأن خراءك لا رائحة له، خاصة إذا كنت تمضي حياتك كلها في مرحاض” التشبيه في العبارة السابقة مقرف ومثير للغثيان، فهل حقًا لم يجد المؤلف غير هذا المثل ليقرب المعنى للقارئ؟

يذكر حكاية عن سيدة متقدمة في السن تصرخ على موظف المحاسبة وتوبخه لأنه لم يقبل كوبون شراء قيمته ثلاثون سنتًا… وتفسيره لغضب السيدة سيئ.. لماذا لا يقول أنها تحب العدل، والعدل يقتضي حصولها على مقابل لذلك الكوبون مهما كانت القيمة بسيطة، الأمر لا يستحق السخرية منها، وإلا لماذا المحل يصدر تلك الكوبونات، أنا في صفها وأتفهّم إحساسها بأنها تعرضت للاحتيال.. لم يوفق الكاتب في عرضه، وخانه التوفيق كما في أغلب حكاياته.

ولم يكن من المناسب أن يذكر تلك الحكاية عن الرائحة الكريهة الذي قال أنها تفوح من الأريكة التي سمح له صديقه أن ينام عليها بدل من أن يقدم عبارات الشكر لذلك الصديق الذي استضافه في بيته.

مشكلة الترجمة

بعض الكتب تلعب الترجمة دور سلبي فيها، خاصةً عندما يجتهد المترجم ويحدث تعديلات قد تغير من الحدث أحيانًا، وقد تغير المعنى في أحيانٍ أخرى. في هذا الكتاب يضع المترجم اسم فيلم الوطواط بدلًا من سبايدر مان مثلًا.

وفي صفحة 150 عندما يقول الكاتب:

“عندما كنت ولدًا صغيرًا كنت أظن أن “متواضع” نوع من الخضار لا أحب تناوله…” فهل متواضع ترجمة حرفية للكلمة أم اسم لشخصيةٍ إلكترونية؟ لم أفهم من هو متواضع هذا!!

مبررات غير منطقية

يذكر الكاتب قصة  “جيمي” فيضخم تلك الحكاية في محاولة لإقناع القارئ أن الإنسان عندما يشعر أنه مهم ويمتلك قدرات فلا محالة سيكون نسخة من “جيمي” وهذا كلام غير منطقي وغير علمي. كم هم أمثال جيمي هذا في المجتمع؟ وهل صحيح أن الناس يريدون أن يكونوا أثرياء دون عمل بسبب تقديرهم الزائد لذواتهم؟ مبررات الكاتب ليقنعنا بذلك لم تكن منطقية، ولا علمية.. ويشعر القارئ أن مايقوله الكاتب مجرد تضخيم ومبالغة وتحامل لا مبرر له.

ختامًا.. الكتاب ببساطة هو أحد كتب تطوير الذات، ومحاولة الكاتب أن يقنع القارئ أنه سيجد شيء مختلف في الكتاب لم تكن موفقة. لكنها أحدثت ضجة حول الكتاب دفعت القراء للبحث عما هو جديد في الكتاب.

كتب تطوير الذات ليست سيئة، فهناك بكل تأكيد من يحتاجها، ويجد فيها الكثير من النصائح والتوجيهات التي يحتاجها، خاصةً أن الفرد منا قد يواجه في مشوار حياته بعض الصعاب التي تسبب له فقدان ثقته بنفسه إلى حدٍ ما، فتكون هذه الكتب بمثابة الضوء الذي ينير له الطريق. 

لكن بعد فترةٍ من الوقت، وبعد قراءة عدد من هذه الكتب يصل المرء لحالةٍ من التشبع، ويشعر أنه لا يجد جديد فيها، فهي متشابهه إلى حدٍ ما. ويكون هو في حقيقة الأمر قد وضع أقدامه على الطريق الصحيح في مشوار النجاح والتوازن في حياته.

 


 

الجزء الرابع من رواية بحثا عن الزمن المفقود لمارسيل بروست: (سادوم وعامورة)

 العنوان يعطي ايحاء بالحديث عن الشذوذ الجنسي والمثلية، لارتباط العنوان بتلك القرى التي خسفها الله وحل بها العذاب الإلهي الذي جاء ذكره بشكل مباشر أو غير مباشر في الديانات الإبراهيمية الثلاث، لكن ذلك لن يكون هو المحور الرئيسي لهذا الجزء من الرواية كما يوحي لنا العنوان.

 

المثلية الجنسية:

يبدأ القسم الأول من الرواية بالاقتباس التالي: ” أول ظهور للرجال – النساء. هم من نسل الذين وفرتهم نار السماء من سكان سادوم.

” فللمرأة عامورة وللرجال سادوم” – (الفريد دو فينيي)

ولكن خلو الرواية من الحديث الصريح عن المثلية الجنسية، يدفعنا للتساؤل هل تم تهذيب مشاهد الرواية في الترجمة العربية أم أن هذا حدث في النص الأصلي؟

وربما يفسر هذا ما جاء في المقدمة العامة للرواية والتي كتبها جان إيف تادييه: ” وأخيرا يثبت الشذوذ الجنسي أنه أحد الطروحات الرئيسية في العمل الفني وسوف يصرح عنه بروست لجميع ناشريه المحتملين، فهو لا يستطيع أن يتصور رفض كتابه لأسباب أخرى غير التهتك”. فهل شعر بروست بالقلق لفكرة رفض نشر الرواية إذا كانت تمتلئ بوصف حالات وأفعال الشخصيات الشاذة ففضل أسلوب التلميح عوضا عن التصريح؟

ويلمح تادييه في هذه المقدمة بأن بروست في العام 1909 أرسل رسالة إلى فاليت: ” أن أحد الشخوص الرئيسيين شاذ جنسا”، كما يسطر إلى غاليمار: “هذه الشخصية مبددة إلى حد ما وسط أقسام مختلفة تماما كي لا يتفق لهذا المجلد شكل دراسة أحادية الموضوع خاصة…ولكننا على أية حال نرى هذا السيد العجوز يقنص بوابا وينفق على عازف بيانو…. إذا في الرواية نجد الثلاثي الذي يمثل الشذوذ شارلوس – جوبيان – موريل”

وسيرد الشذوذ الجنسي الأنثوي: ممثلا بشخصيات ألبرتين وأندرية وأبنة فانتوي وصديقتها.

 

يبدأ الفصل الأول باكتشاف الراوي لحقيقة شذوذ السيد دو شارلوس، يحدث ذلك وهو مختبئ يتابع تلقيح حشرة لنبتة فيشهد بمحض الصدفة العلاقة الشاذة بين دو شارلوس وجوبيان ويستعيد ذكرى قديمة من أيام طفولته لمشهد الآنسة فانتوي في علاقتها الشاذة مع صديقتها والتي شهدها بمحض الصدفة من نافذة بيته. ويربط عبر صفحات كثيرة بين العلم والعلاقات الشاذة المثلية للرجال والنساء والتلقيح للنباتات، وكأنه يحاول اقناع القارئ بأن تلك العلاقات هي علاقات موجودة في الطبيعة: ” فخلافا لما كنت أظنه في الباحة حيث رأيت جوبيان منذ قليل يحوم حول السيد دو شارلوس مثلما زهرة الأوركيد توجه دعوات للدبور، فإن هؤلاء الأشخاص الاستثنائيين الذين نرثي لحالهم يشكلون جمهورا”

 

ويذكرنا الراوي أن عدد الشواذ ليس قليل في المجتمع: ” ذلك لأن الملاكين اللذين أقيما على أبواب سادوم ليعلما، فيما يقول سفر التكوين، إن كان سكانها قد فعلوا بالكامل كل هذه الأشياء التي تعالت صرختها حتى الأبدي السرمدي قد جرى اختبارهما، ولا يسعنا إلا أن نبتهج لذلك، أسوأ اختيار على يد الرب الذي لعله ما كان انبغى أن يكل هذه المهمة إلا للوطي…”

” ولم أكن أبصرت حتى ذاك لأنني لم أدرك من قبل، أن الرذيلة (هكذا يقولون لتيسير الكلام)، رذيلة كل منا إنما ترافقه على غرار ذلك الجني الذي كان خفيا على الناس ما داموا يجهلون وجوده. إن الطيبة والمكر والاسم والعلاقات المجتمعية لا تكشف عن ذاتها والمرء يحملها مخبأة”

ويعود الراوي ليصور بشكل دقيق ومدهش مشاعر دو شارلوس الشاذ الذي حجب حبه لموريل عقله: ” فالحب يسبب هكذا اندفاعات بيولوجية حقيقية في الفكر”

” يظن الشاذ أنه من نوع وحيد في العالم، وفيما بعد فقط يتخيل – وهو غلو آخر – أن الاستثناء الوحيد هو الرجل الطبيعي”

 

السرد الطويل:

يجد القارئ أمامه جمل بروست المعتادة، الطويلة المتشابكة المتشعبة وكثير من الاحالات للفنون من رسم وموسيقى وعمارة، مما يرهق القارئ ويشتت ذهنه.

يقول جان إيف تادييه في المقدمة العامة للرواية: تبين لنا أن هذه الرواية إنما تستعيد لا الحياة فحسب، بل الآداب والفنون الأخرى”

اعتماد الكاتب على سرد الذاكرة المتقافزة يجعله يتجاوز بعض الأحداث ضمن تسلسلها في السرد ثم العودة إليها ليسردها من جديد بحرية كاملة ومن زوايا متعددة. وهناك لا ترابطية للنص لدرجة ضياع خيط السرد فيشعر القارئ بالحيرة. يسرد الراوي بعض الأحداث بتقنية السارد العليم فهو يعلم ما تفعله الشخصيات بعيدا عنه بل وبما تفكر وأفكارها الداخلية، وكأنه هنا يدمج بين تقنية السارد العليم والسرد بضمير المتكلم، وفي أماكن أخرى نجده يوجه الخطاب للقارئ.

ويوضح هذا جان إيف تادييه في المقدمة: “إن وحدة الفكر الإبداعي تشبه الوحدة التي سبق أن لاحظها بروست لدى راسكين، أنه ينتقل من فكرة إلى أخرى دون إي نظام ظاهر”

 

عبر صفحات الرواية تأتي الفقرات الطويلة التي تميز أسلوب بروست السردي، تغوص في المشاعر والأحاديث الداخلية والأفكار، وكيف يتصرف الناس في المواقف المختلفة، ولماذا يتصرفون كذلك وكأننا أمام درس في علم النفس وعلم سلوك الأفراد.

” ولكن الأفراد كلما ازددنا معرفة بهم أشبه بمعدن غُمس في مزيج مفسد، فتراهم يفقدون شيئا فشيئا صفاتهم (كما يفقدون أحيانا عيوبهم)”

 

الرواية والمجتمع الفرنسي:

تعج الرواية بحوارات ونقاشات للشخصيات حول الفن والأدب والموسيقى، وفرق البالية الروسية، وباكست، ونيجينسكي، وبونوا، وسترافنسكي وغيرهم، بل قد نسمع أحدهم يعزف مقطوعة لشوبان. شخصيات الطبقة الارستقراطية وكذلك شخصيات الطبقة البرجوازية التي تنسخ كل اهتمامات وطباع الطبقة الارستقراطية، ونتعرف على الفرق بين الأسماء وطريقة نطق تلك الأسماء بين الأسر الارستقراطية، وكيف تحذف السواكن من الاسم أو إضافة دو، كيف يؤثر ذلك على مكانة الشخص وترتيبه في ذلك المجتمع.

يرسم الراوي لوحة للمجتمع الفرنسي في تلك الفترة بكل تناقضاته وعيوبه، بالتركيز على شخصيات الرواية من الطبقة الارستقراطية والطبقة البرجوازية. اللوحة بتدرجات ألوانها توضح حقيقة النفاق والقسوة: ” مهابة الارستقراطية وجبن البورجوازيين”.

وتعج الرواية بالنقاشات الأدبية والادعاءات والكثير من السفسطة والاستعراضات لشخصيات تدعي المعرفة.

ونرى على اللوحة وصف الشخص الفضولي وكيف يتصرف بتشبيهات بروست الأدبية الدقيقة والرائعة والتي يستفيض فيها لنرى اللوحة بأبعادها الثلاثية فهو لا يكتفي بالصورة المسطحة بل يغوص عميقا في الأفكار والمشاعر.

 

يرصد الراوي أثر التغيرات في المجتمع الفرنسي ونرى كيف تتم مناداة السائق بالسيد. وبدء التخلص من الفروق بين العمال والبرجوازيين وكبار السادة. ويرصد دهشة البعض مما يحدث وكيف يقابلوا هذه التغيرات الجذرية في قواعد المجتمع: ” إما لأن كبار السادة لا يزدرون العمال كما يفعل البرجوازيين…”

فحقيقة الازدراء يتم من شخصيات تظن أن الازدراء يعطيها قيمة اجتماعية أكبر. ونتأمل كيف تتغير حياة الناس عبر الزمن بتغير الأدوات والوسائل: ” ومنذ نشأة الخطوط الحديدية علمتنا ضرورة ألا يفوتنا القطار أن نحسب حساب الدقائق فيما المفهوم لدى قدماء الرومان الذين لم يكن علم الفلك عندهم أكثر بدائية فحسب بل كانت الحياة عندهم أقل استعجالا، فإن مفهوم الدقائق بل حتى مفهوم الساعات المحددة، كاد يكون معدوما”

يرصد بعمق تصرفات وسلوكيات الناس في تلك المجتمعات والصالونات التي تتبع تقاليد صارمة، وتنظر للأشخاص بحسب مكانة الأسرة وتتم السخرية ممن هو أقل حظا: ” ويبدو وكأني بهم زمرة من آكلي لحوم البشر أيقظ فيهم جرح أحد البيض شهوة الدم. ذلك لأن غريزة التقليد وغياب الشجاعة إنما يحكمان المجتمعات مثلما يحكمان الجماهير. والجميع يضحكون ممن يرون الناس يضحكون منه، على أن يجلوه بعد عشر سنوات في منتدى هو فيه موضع إعجاب. وإنما يطرد الشعب الملوك أو يرحب بهم بالطريقة نفسها”.

 

نستمع للآراء السياسية حول من يستحق عرش فرنسا. ونعيش عبر صفحات طويلة من جديد مع لمحة تاريخية عن معاني الأسماء والمدن والمحطات، وأثر النورمانديون والألمان وحتى المغاربة على الأسماء تلك.

هناك إشارات للتعصب ضد اليهود في المجتمع الفرنسي، وضرورة أن يكون هناك فصل في سكن الناس حسب دياناتهم.

الرواية لا تركز على طبقة الأغنياء فقط في المجتمع الفرنسي، بل تعرج بلمحة خاطفة على أوضاع الفقراء، مع ذلك الأب الذي يوزع أبنائه على الأغنياء لعجزه عن اطعامهم.

 

الزمن ومشاعر الراوي:

ويشير إلى دور الوراثة داخل الأسرة الواحدة لتشابه افرادها كلما مر الزمن: ” فإنه ابتداء من سن معينة وحتى لو تحققت في دواخلنا تطورات مختلفة، كلما أصبح المرء ذاته كلما برزت القسمات العائلية” هنا يحاول أن يفسر لماذا يتصرف في مواقف معينة كما تصرفت سابقا جدته أو أمه، فيستوقفه ذلك ليتأمل ويحاول معرفة السبب. وتلح عليه ذكرى جدته الراحلة التي أحبها ” ثم إننا في طقوس الأسف على موتانا إنما نخص ما أحبوه بعبادة صنمية”

ويعيش القارئ لحظات ممتعة وهو يرصد مشاعر الراوي عندما يرى الطائرة لأول مرة، بل مشاعر الجواد الذي يتوقف عن العدو رهبة وهو لا يدري حقيقة الضجيج الذي يسمعه لمخلوق غريب يلوح في السماء.

 

كيف نشعر بالزمن خلال نومنا؟ يدهشنا الراوي وهو يصف النوم كأنه شقة أخرى نذهب إليها ونترك شقتنا التي نعيش فيها. لكن الإحساس بالوقت مختلف في تلك الشقة، وحتى البشر هناك جنس آخر. اليقظة أو العودة من النوم كأن حصاة نيزكية صغيرة، ألقى بها مجهول من القبة الزرقاء لتصيب النوم المنتظم ولولا تلك الحصاة لربما دام بحركة إلى أبد الآبدين. فهل يصف الموت هنا؟

الاستيقاظ يكون انعطافه مفاجئة إلى الواقع تجعله يحرق المراحل. ويستفيض في سرد تلك اللحظة عندما يستيقظ الشخص وهو لا يعلم من هو وأين هو!

لا يكتفي بذلك بل يستطرد ويشبه النوم بعالم النجوم. فالنوم يجعلنا خارج الزمن وقياسه. المتع التي نحس بها خلال النوم لا نضعها في حساب المتع التي نحس بها خلال حياتنا: ” لقد أصبنا متعة في حياة أخرى ليست حياتنا”، ” ولأن الحياة الأخرى، الحياة التي ننام فيها، قد لا تكون في قسمها العميق خاضعة لفئة الزمن”

 

عذاب الشك والغيرة:

ويرصد المؤلف بهدوء تقلب المشاعر، كيف نشتاق للشخص ونتمناه وعندما نحصل عليه تتحول مشاعرنا.

وهناك مشاعر القلق وعدم الثقة بالنفس والرغبة الأنانية بالاستحواذ على شخص ما، وعذابات مشاعر الغيرة والشك.

روعة التصوير لدهشة الراوي وصدمته عندما يعرف أن البرتين تعرف ابنة فانتوي، فيصور ذلك الألم والغضب والحزن بل الفجيعة، فيجعل القارئ يلمس كل ذلك الحزن مرسوما على ملامحة. فتبدأ علاقة الغيرة وعذاب الشك بين الراوي والبرتين.

ويفاجئ القارئ في الصفحة الأخيرة للرواية بإصراره على الزواج من ألبرتين رغم كل شيء.

 

في هذا الجزء الرابع من الرواية يجد القارئ نفسه يألف تلك الشخصيات الكثيرة والتي لم تعد مربكة له، فهو الآن يتعرف سريعا على الاسم الذي تكرر كثيرا، وكل جزء من الرواية يساهم في توضيح ملامح تلك الشخصيات فيضيف إليها المزيد من الحياة فتصبح مألوفة أكثر للقارئ.


 https://mirdad.app/articles/4579/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B9-%D9%85%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%AD%D8%AB%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%82%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D8%A8%D8%B1%D9%88%D8%B3%D8%AA-%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D9%88%D9%85-%D9%88%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%A9

أمين معلوف و غرق الحضارات

 

هل كانت الحياة في الماضي أجمل، أم حياتنا في الحاضر هي الأجمل؟

يشعر كثيرون بالحنين للماضي، للزمن الجميل. لكن مؤلف الكتاب أمين معلوف يؤكد أنه ليس ممن يحلو لهم الاعتقاد أن الأمور كانت أفضل من قبل. فالاكتشافات العلمية تبهره، وتحرر العقول والأجساد يبهجه، ويرى أن العيش في عصر مبدع ومبهج مثل عصرنا هو امتياز. 

يبدا أمين معلوف كتابه بلغة حميمية، يتحدث عن مشاعره ويقارن بحال الناس في الماضي، الذين عاشوا ظروف ثابتة لم تتغير لفترة من الزمن: “الذين يتراءى لهم أنهم زائلون في عالم ثابت لا يتغير؛ يعيشون في الأراضي التي عاش فيها أهلهم، يشتغلون مثلما اشتغلوا، يعتنون بأنفسهم مثلما اعتنوا بحالهم، يتعلمون مثلما تعلموا، يُصلون على المنوال نفسه، وينتقلون بالوسائل نفسها. لقد ولد أجدادي الأربعة وجميع أسلافهم منذ اثنى عشر جيلا في ظل السلالة العثمانية نفسها، فكيف لا يخالونها خالدة؟".

 

يشعرنا المؤلف بالقلق من الصفحات الأولى للكتاب بقوله: " غير أنني أراقب منذ بضع سنوات، انحرافات تبعث على القلق المتزايد، وتهدد بإفناء كل ما بناه جنسنا حتى الآن، كل ما نعتز به اعتزازا مشروعا، كل ما نعهد تسميته حضارة".

 

يعرج لسبب اختيار عنوان الكتاب بغرق الحضارات: " لقد استعنت بمفردات بحرية، لأن الصورة التي تقض مضجعي، منذ سنوات، هي صورة الغرق – سفينة حديثة، متلألئة، واثقة من نفسها، مشهورة بأنها لا تغرق، مثل التايتانيك، تحمل على متنها أعدادا غفيرة من الركاب من جميع البلدان والطبقات الاجتماعية كافة، وتمضي وسط الصخب نحو هلاكها". ويعود لتأكيد الفكرة: " أنني أرى بهلع جبال الجليد تلوح أمامنا، وأتضرع إلى السماء بورع، على طريقتي، أن ننجح في تفاديها". 

 

وعبر صفحات الكتاب ال 319 صفحة سيرسم للقارئ ملامح الصورة لتكون واضحة، ماذا يقصد بغرق الحضارات. 

يشير لبعض ملامح الغرق القادم مثل أحوال واشنطن عاصمة القوة العظمى الأولى في العالم التي يجدر بها أن تكون مثال الديمقراطية الناضجة وتمارس على الأرض سلطة شبه أبوية لكنها توحي لنا بالغرق الوشيك، لأن ما تمارسه في الواقع يتناقض مع شعاراتها عن الحرية والديمقراطية. 

انسحاب بريطانيا من الوحدة الأوروبية والتي حطمت أكثر الأحلام الواعدة في عصرنا. إن جموح الرأسمالية الفاحش بالفوارق الاجتماعية يوحي بما لا يدع مجال للشك بأنه غرق، على المستوى الإنساني والأخلاقي والسياسي.  

 

بعد رسم ملامح عامة للعالم يعود الكاتب للشرق، لعالمه وأمته العربية لنرى ملامحها بوضوح.

يبدأ بيوم مولده والمنطقة في أسوأ حال: "والرحلة إلى الجحيم كانت قد بدأت، ولن يقدر لها أن تنتهي".

 كانت عائلته تملك منازل في منطقة الأناضول وجبل لبنان والمدن الساحلية ووادي النيل، لكنهم سيفارقونها جميعا، لأن الأحوال في الشرق بدأت تتغير ولم يعد شيء كما كان. 

 

يأخذ القارئ في جولة مع الأحداث التي عايشها مع أسرته وكيف تغيرت أحوال الأسرة تغييرا دراماتيكيا بحيث يجد القارئ مثال حي وملموس يفهم من خلاله كيف تأثرت أحوال الناس بما حدث في المنطقة، وكيف سارت الأمور نحو الأسوأ بدل من السير نحو الأفضل. 

يحاول الكاتب أن يرصد بعض الأسباب التي أدت لهذا. قبل ولادته بأسبوعين اغتيل حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين ردا على اغتيال رئيس الوزراء المصري، كانت مصر تعيش أيامها حالة غليان. كانت المواجهات بين التنظيم الإسلامي وسلطات القاهرة مستمرة منذ عشرين عاما.  مصر في ذلك الزمن كانت وطنا ثانيا لأسرة المؤلف، والده كان معجب أشد الإعجاب بحياة مصر الثقافية الغنية، وشعرائها، ورساميها، وملحنيها، وبالمسرح والسينما والصحف ودور النشر فيها. 

وكان كثير ممن ذهبوا للعمل في مصر مثل جده كونوا ثروات وحصلوا على ألقاب نبيلة مثل باشا وكونت أو أمير. 

فمصر كانت توفر للمهاجر المكافح امتيازات لم تجد ما يضاهيها قط منذ ذلك الحين. وسيصبح الملحنون والمطربون والممثلون والأدباء والشعراء في مصر ولفترة طويلة نجوما في أنحاء العالم العربي كافة. أحمد شوقي الشاعر الملقب بأمير الشعراء كان رمزا لنهضة ثقافية عربية ساد الاعتقاد في ذلك الوقت بأنها حتمية، وبأنها وشيكة، وبأنها ستبزغ بالضرورة انطلاقا من وادي النيل. وهناك طه حسين أكثر المفكرين المصريين إجلالا في عصره، كان من الشخصيات المستنيرة يدعو الباحثين العرب إلى إعادة دراسة التاريخ بأدوات علمية معاصرة، عوضا عن اجترار الأفكار الموروثة عن القدماء. وحين طلب شيخ الأزهر أن يحاكم طه حسين بسبب أفكاره، رفضت الحكومة المصرية واعتبرت أن الأمر يندرج في إطار سجال أكاديمي عادي لا يجب أن يتدخل فيه القضاء. وعُين طه حسين في أرفع المناصب، وكان أول قرار اتخذه عندما كان وزير للمعارف هو إقرار مجانية التعليم. يذكر المؤلف كثير من الشواهد التي تظهر بوضوح أن مصر كانت بلد استثنائي في تلك الفترة، بلد يعيش حقبة مميزة من تاريخه. وفي أحد الأيام تبدلت أحوالها ولم تعد تبشر بالوعود التي يبدو أنها قطعتها.  

 

يسرد بحزن مصير أسرته التي عاشت طويلا في مصر، كان عليهم مغادرة مصر، بعد قرار الرئيس عبد الناصر الذي أعلن موت مصر الكوزموبوليتية والليبرالية. واتخذ جملة من التدابير تهدف لطرد البريطانيين والفرنسيين واليهود من البلد، بعد العدوان الثلاثي " وفي الحقيقة، أدت تلك السياسة إلى نزوح جماعي لجميع الطوائف التي يقال عنها متمصرة، وبعضها كان موجودا منذ أجيال، بل منذ قرون، على ضفاف النيل. " 

 

يعقد المؤلف مقارنات بين موقف عبد الناصر ونيلسون مانديلا الذي حرص على بلده وسعى لاستقرارها وعافيتها الاقتصادية ورأى أن من الأفضل للبلد بقاء الأقلية البيضاء، وشجع أعداء الأمس على عدم هجرة البلاد. 

 

وفي الستينات تحل بيروت محل القاهرة بوصفها عاصمة ثقافية للمشرق العربي، فرغم شهرة عبد الناصر عربيا إلا أن "سلطته ضيقت الخناق على الصحف ودور النشر والأوساط الأكاديمية والحركات السياسية. لذلك انتقلت ساحة السجالات العربية إلى أرض محايدة لا تهيمن فيها أي سلطة قمعية". 

وهكذا يتحول لبنان إلى" أرض اللجوء لفئات المنبوذين في الشرق الأوسط، مثلما فعلت مصر بعض الشيء حتى الأربعينات من القرن العشرين". 

" كانت مصر التي عاشت فيها أسرة أمي تنهار. لم تعد سوى ذكرى من الماضي، والشاهد المحتضر على عصر غابر. لقد سدد إليها عبد الناصر الضربة القاضية، ولن تنهض من جديد".

 

يستمر عرض المؤلف لتلك الأحداث الدرامية التي تجتاح الدول العربية، انقلابات، حروب أهلية، اتهامات متبادلة بالبحث عن حلفاء أقوياء من خارج الوطن. ويصبح لبنان مسرح لأحداث مأساوية.

"ومن البديهي أن ثمة أمرا خطيرا بل ومذهلا يحصل في هذه المنطقة، أسهم في اختلال عالمنا، وانحرافه عن السكة التي كان يجب أن يسلكها".

من خلال سيرة أهله وسيرة حياته يعرض لنا الكاتب تلك التناقضات والمآسي التي تجتاح المنطقة. وكيف يتأثر أهلها بأحداث وتوازنات عالمية لا يفهمونها. التنقل بين أحداث الماضي والحضارة المزدهرة لواقع شعوب أصبحت تائهة، يحاول المؤلف أن يفهم ما الذي يحدث فعلا، ولماذا تتصدع المجتمعات العربية التائهة في واقع لا تفهمه وهو يرصد الكثير من الأحداث والوقائع.

" عندما لا يعود باستطاعة المرء أن يمارس حقوقه كمواطن من دون الإشارة إلى اصوله الإثنية أو الدينية فهذا يعني أن الأمة بأسرها قد سلكت طريق الهمجية". 

 

ويبحر الكاتب عبر مختلف الفلسفات وأفكار المفكرين المعاصرين لفهم ما يحدث للإنسان المعاصر وللقيم الإنسانية ونحن نعيش مآسي متتالية. يعاني كثير من البشر وخاصة العرب من الفقر والتهميش والجهل والحروب التي لا تنتهي، فأين أحلام البشر بحياة معاصرة خالية من التعصب والتباينات بين البشر! 

ويقتبس الكاتب من رواية 1984 من كلمات المؤلف الذي حذرنا بأن الأفعال الوحشية القاتلة قد ترافق التقدم العلمي والابتكارات التكنولوجية، مما يؤدي لانحراف مسار البشر رغم ما أحرزوه من تقدم في ميادين عديدة لكنهم يقعون في فخ ضياع حرية التعبير والكلام والكتابة. فحياتنا المعاصرة "تسلع كل شيء: أذواقنا، آراؤنا، عاداتنا، وضعنا الصحي، معلومات الاتصال بنا والأشخاص الذين نخالطهم..."

 

هكذا يرصد الكاتب الكثير من المخاوف، ويحاول البحث عن تفسيرات لما يحدث في واقعنا من تناقضات، لينهي الكتاب وهو يتمنى أن نستخلص الدرس قبل أن تصفعنا المصائب صفعا، حتى لا يكون مصير البشرية كمصير سفينة التيتانيك التي اصطدمت ليلا بجبل جليدي، بينما الأوركسترا تعزف. 

 

يلخص لنا الكاتب أفكاره وتحليلاته لنصف قرن وهو يتأمل أحداث العالم المضطرب ويحاول البحث عن حلول لسفينة العالم قبل أن تغرق رغم حضاراتها وتفوقها التكنولوجي لكنها تغرق في مشاكلها الأخلاقية المتعددة. 

 

حاز هذا الكتاب على جائزة اليوم 2019 – جائزة التحكيم الخاصة بالكتاب الجيوسياسي.

https://mirdad.app/articles/4510/%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%81-%D9%88-%D8%BA%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA 

 


 

قراءة لرواية بينما ينام العالم لسوزان أبو الهوى:

تبدأ أحداث الرواية بصفحاتها ال 479، من قبل العام 1948م.

وأنا أقرأ الرواية وجدتني أعقد مقارنة بينها وبين رواية “الطنطورية”، لرضوى عاشور، لأن هناك تشابه بينهما إلى حد ما. ربما لأن كل منهما تناقش الأحداث في الفترة الزمنية ذاتها.

ورغم روعة وجمال رواية الطنطورية، إلا أنني وجدت رواية بينما ينام العالم أكثر جمالا، لماذا؟

في رأيي أنها تصور الوجع الفلسطيني بعمق أكبر...

تدخل إلى مسافة أكبر داخل الجرح الفلسطيني. وتركز بشكل أعمق على مشاعر الشخصيات. وتجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات ووجعها. تفعل ذلك عبر تتبع حياة أفراد اسرة فلسطينية تعيش في قرية هادئة من قرى فلسطين وكيف تتغير حياة أفرادها بعد إعلان دولة إسرائيل وتشريد سكان القرية السالمة.


تقول الكاتبة على لسان أحد شخصيات الرواية:

"لقد قالوا لنا أن هذه أرض بلا شعب، لنكتشف أنها أرض بشعب." فهذا نفي وفضح لأكاذيب الصهيونية.


شخصية إسماعيل أو ديفيد الذي يتم اختطافه وهو طفل صغير ، كانت مؤلمة جدا. فالكاتبة بعد أن شرحت مأساة سلب الأرض وطرد أصحابها، تبين أن الاحتلال وقسوته ووحشيته تعدت كل الحدود. لم يكتفوا بسرقة الأرض، لقد سرقوا حتى الإنسان. رغم طيبة الفلسطيني وابداؤه لحسن النوايا واستقبال المحتلين وتقديم واجب الضيافة لهم كان موشيه يخطط لسرقة الطفل الصغير الذي ر آه متعلقا بحضن أمه.


يريد موشيه أن يحل مشاكله على حساب الآخرين. فيسرق الطفل ويسمع صرخات الأم، ولم يتأثر بتلك الصرخات، وبكل قسوة يخفي الطفل ويبتعد به.

يأخذ الطفل ليعطيه لزوجته التي كانت من ضحايا ما أسماها بالمحرقة. هذه الضحية بدلا من أن تجعلنا نتعاطف معها، نرى كيف تتحول الضحية إلى جاني عديم الإحساس مع سبق الإصرار. زوجة موشيه التي عانت لدرجة أنها فقدت القدرة على الانجاب بسبب ما تعرضت له من اغتصاب متكرر، لا يهمها من هي أم هذا الطفل ومن أين أتى! ولم يؤلمها أن تُحرم أم من طفلها، كل ما يهمها أن تجد جل لمشاكلها هي. أن تسرق طفل لتستمتع بمشاعر الأمومة، كما تستمتع بالعيش في بلد تعرض سكانه للطرد منه.


تمر أحداث الرواية لتصدم القارئ عبر النكبة والنكسة لتمتد لأحداث الاجتياح الإسرائيلي للبنان والانتفاضة الفلسطينية فيعيش القارئ مع الشخصيات التي تعاني وتحزن وتنتقل بين البلدان بحثا عن حياة مستقرة.

الرواية من الأعمال الأدبية التي يتداخل فيها العمل الروائي بالتاريخ وأحداثه فلا مجال هنا للخيال لأن الواقع أغرب من الخيال. بعد الانتهاء من قراءة الرواية يجد القارئ نفسه عالقا في عالم شخصيات الرواية ويحاول أن ينتزع نفسه بصعوبة من هناك.

 

https://mirdad.app/articles/4233/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B2%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%89 

 


 

كتاب: عن مدن ونساء لإيتل عدنان

 الكتاب عبارة عن 9 رسائل تشبه اليوميات. تتحدث الكاتبة فيها عن المدن التي تزورها.
عن انطباعاتها حول تلك المدن وعن النساء في تلك المدن .

في صفحة 16 على سبيل المثال، تقارن لو أن النساء رقصن في بيروت لقال لهن أحد الشباب: أنت لست جميلة، أو لست صغيرة. بعد أن رأت نساء كبيرات في السن يرقصن في شوارع أحد المدن.



" الفرق بين النظرة للمرأة، للحرية الشخصية، لاحترام الآخرين بيننا وبين الغرب".


كانت الرسالة الأخيرة عن بيروت حزينة . حزينة لأنها تصف حال بيروت بعد 15 عام من الحرب الأهلية.

هي لا تكتب الرسالة دفعة واحدة، كما يستشف القارئ من الرسالة، بل تتوقف ثم تتابع كتابة الرسالة.  

اقتباسات من الكتاب:

- " وجدت نساء هذه المدينة متحررات. أعني بذلك أنهن يتمتعن على ما يبدو بالسيطرة على أجسادهن وتحركاتهن. لسن متعجرفات ولا خانعات، يجعلنك تشعر بأن ثمة وحدة في شخصياتهن وتطابق بين أذهانهن وحياتهن".

- "ما هو الضيق الذي يثقل كاهن النساء في شوارع مراكش؟ 

في مراكش تحمل النساء وضعهن الاجتماعي أكثر مما يحملن روحهن".

- أما في برشلونه، فلايبدو على النساء في الشارع أنهن يتعمدن لعب دور أو يمثلن استثناء، بل هن جزء من البشرية، من مساحة ما، من مناخ أو بلاد ما".

- " مشكلة النساء؟ إنها بالطبع مشكلة حرية. المسألة شخصية.  المسألة اجتماعية، مشكلة خفية ومشكلة مجتمع في آن".

- الحرية حالة نفسية. تولد في الذهن، وتموت فيه غالبا. وغالبا ما تسمى كرامة، رفضا، تمردا".

- " احسنوا استغلال مشكلاتكم الداخلية وتحريكها".

- "السياحة نفسها هي شكل من أشكال القسوة".

- حين تحرم امرأة من حق قيادة سيارة عبر الآف الأميال الممتدة على مساحة الجزيرة العربية، أو حين لا يسعها إلقاء التحية على أحد جيرانها من غير أن تعرض حياتها للخطر، من الواضح عندها أنها ترى العالم من زاوية مختلفة عما إذا كانت تقيم في سكوبيلوس أو في أي مكان آخر".