كتاب: هوية السلطة في اليمن - جدل السياسة والتاريخ لأحمد علي الأحصب

الكتاب يقع في 240 صفحة، من منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للعام 2019.

يحتوي الكتاب على مقدمة وأربعة فصول. 

في المقدمة يقدم المؤلف تعاريف لكل من السلطة والهوية. ويبدو واضحا أن الكاتب بذل مجهود كبير في توضيح حقيقة الهوية باليمن، حيث يفحص هوية السلطة في اليمن على مستويات عدة: 

1- الانتماء العصبوي للحكام، حيث ينفذ مسح تاريخي للانتماءات العصبوية للحكام في اليمن.

2- الانتماء الجهوي 

يضع المؤلف توضيح للأعراق في اليمن:

العرق العربي ، والعشيرة قحطان أو عدنان. يتفرع من قحطان حمير ومنها كهلان الذي يتفرع منها همدان بشقيها حاشد وبكيل، ومذحج، وكنده، والأزد. 

أما عدنان فيتفرع منها:  قريش بشقيها الأموي والهاشمي.

كما يفصل الانتماء المذهبي بشقيه: السني بتفرعاته الأربعة: حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي.

والشيعي بتفرعاته: الاسماعيلي، والزيدي.

وفي الفصل الأول الذي يحمل عنوان: الاستئثار بالسلطة في اليمن دعاوي الحاضر وحقائق التاريخ

 يشرح الكاتب كيف يدور الجدل حول هوية السلطة في اليمن على المستوى الجهوي والعشائري والمذهبي. 

وهناك من يرفع دعوى سيطرة الزيود على السلطة واستمرارية تلك السيطرة، وتقول الدعوى بسيطرة الهاشميين على السلطة طوال الأحد عشر قرنا الماضية. ويسرد الباحث طبائع السلطة في التاريخ اليمني بالتفصيل للتحقق من هذه الدعاوي.

الفصل الثاني: التوزيع الهوياتي للسلطة في اليمن

 يؤكد الباحث أن هناك كثير من الجدل وقليل من الحقائق. ويأخذنا الباحث في مسح ومراجعة لكل ماكتب عن تاريخ اليمن ومن حكم، ويلخص الكاتب اسماء الدول التي حكمت اليمن وتاريخ ظهورها وتاريخ أفولها ومدة الحكم ونوع الانتماء العرقي والعشائري لها والانتماء المذهبي واسم العاصمة في جدول، وفي جدول آخر ياخص الانتماءات العصبوية لحكام العهد الجمهوري من حيث الانتماء المذهبي والعشيرة وفترة الحكم والانتماء المناطقي.

ويتوصل المؤلف إلى النتائج التالية التي يلخصها في جداول ورسومات بيانية توضيحية:

أهم العواصم بحسب فترة الحكم: 41% زبيد، 31% صنعاء، 28% تعز.

توزيع السلطة بين القحطانيين والعدنانيين بحسب الدول: 69% قحطانيين، 23% عدنانيين.

توزيع السلطة بين السنة والشيعة بحسب فترة الحكم: 65% سنة، 25% شيعة زيدية، 10% شيعة اسماعيلية.

ويؤكد أن السلطة تنقلت بين مختلف الانتماءات، وهذا ينقض اي تصور حول سيطرة نسب أو هوية بعينها على السلطة، وينقض على وجه الخصوص التصور الشائع بين اليمنيين والدعوى المركزية في جدلهم حول هوية السلطة التي تتهم الأئمة الهاشميين بالسيطرة على السلطة في البلاد أكثر من ألف عام.

ويخلص إلى أن هوية السلطة في اليمن لم تكن هوية جامدة، بل هوية متحركة وتعددية وعابرة للانتماءات. فقد تنقلت بين اليمنيين بمختلف هوياتهم؛ بين ذوي الأصول العربية وذوي الأصول الأفريقية، وبين القحطانيين الحميريين والكهلانيين، وبين العدنانيين الهاشميين والأمويين، كما تداولتها الجغرافيات المختلفة. 

وتثبت النتائج التي توصل لها الباحث كما يقول في النهاية، أن جدل اليمنيين حول هوية السلطة لا يقيم علاقة صحيحة مع تاريخ السلطة وتاريخ السياسة وصراعاتها في البلاد، وتثبت أن مالدى هذا الجدل وأصحابه من تصورات وأحكام بشأن هوية السلطة عبر التاريخ ليست أكثر من مسلمات شعبية بنت نفسها خارج الوعي بالتاريخ، ولا علاقة لها بحقائقه.  

العجيب أن الكاتب يعود لينسف كل ذلك في الفصلين الثالث والرابع:

يعرج في صفحة 133 لليمن الجمهوري حيث يقول:

" ففي اليمن الجمهوري مثلا، أصبحت السلطة والمعارضة والجماعات السياسية والأيديولوجيات والمواقف تُعرف وتصنف على أساس جهوي؛ فالعقائد والأيديولوجيات السياسية التقدمية ( اليسارية والقومية) ارتبطت باليمن الأسفل وبالجنوب، في حين ارتبطت العقائد المحافظة أو الرجعية السياسية باليمن الأعلى. "

ويلمح لحوادث حدثت في أغسطس 1968 حيث كادت الخلافات والمواجهات بين الجمهوريين تتحول إلى مواجهة بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل. "

" وتظل حوادث يناير 1986 في عدن أحد أهم ما يقدمه لنا الزمن الجمهوري من شواهد على ارتداء الصراع السياسي حلة مناطقية صارخة، فقد انقسم المتصارعون في الجنوب إلى فريقين: الزمرة والطغمة. الزمرة مناطق شبوة وأبين، والطغمة ردفان والضالع وإلى حد ما حضرموت. إن أهمية هذا المثل ودلالته تأتيان من كون الصراع حدث بين مجموعة من التقدميين الذين أعلنوا إيمانهم وتبنيهم الاشتراكية والأممية."

وهذا تحليل مهم لكنه غير كاف ، لكنه لم يضع تفصيلات كافية ليفهم القارئ حقيقة ما حدث، وكأن ذلك كان مدخل لتبرير ما سيأتي في الصفحات التالية التي تتناقض مع ما جاء في الفصلين السابقين.

ابتداء من الفصل الثالث وحتى نهاية الكتاب، يخلط حقائق تاريخية وسياسية بتحليلات متحيزة وأقوال أثبت عدم صحتها سابقا. 

ويبدو أن البحث والدراسة كانت هي الفصلين الأول والثاني أما الفصلين الأخيرين الثالث والرابع ليستا إلا محاولات لإرضاء طرف سياسي معين على حساب مبادئ البحث والدراسة العلمية الحقيقية. 

ومما يؤسف له أن هذا الأمر يبدو شائعا في كثير من الدراسات والتحليلات اليمنية، فنادرا ما نجد باحث يلتزم بشروط الحياد والنزاهة العلمية. 

السؤال هل يتعرض الباحث اليمني لضغوط تجبره على ذلك؟

 


 

قراءة لرواية فتاة من ورق لغيوم ميسو

 

نصحني أحدهم بقراءة هذه الرواية للاستمتاع بالخيال الغريب، لرواية تحكي عن سقوط بطلة الرواية من الكتاب بعد أن يصاب الكاتب بما يسمى عسر الإلهام، أو حبسة الكاتب. وعندما أمسكت بالرواية بيدي، قرأت على الغلاف الخارجي للرواية:


"مبللة وعارية تماما، ظهرت على شرفتي في عز ليلة ماطرة.

- من أنتِ؟ سألتها وأنا أقترب متفحصا إياها من أعلى إلى اسفل.

- لقد سقطتُ.

- سقطتِ من اين؟

- سقطت من كتاب. سقطت من حكايتك، !كذا!"

أي خيال هذا!

فتاة من ورق، هي بطلة رواية تخرج من بين السطور لتعيش مع الكاتب ...وبدأ خيالي ينسج حكاية مذهلة عما يمكن أن تكون عليه الرواية.

بصراحة، أعجبت بالفكرة بشكل غير عادي.

اشتريت الرواية، وشرعت بالتهام صفحاتها. 

من هو غيوم ميسو؟

المؤلف غيوم ميسو من أشهر المؤلفين الفرنسيين، ترجمت بعض رواياته إلى أكثر من عشرين لغة، وتحتل كتاباته قائمة أعلى الكتب مبيعا في العالم. صدرت أولى رواياته عام 2001.بدأ الكتابة وهو على مقاعد الدراسة في التاسعة عشرة من عمره.

ورواية فتاة من ورق من أبرز رواياته، صدرت باللغة الفرنسية عام 2010. وترجمت إلى اللغة العربية عام 2012 عن المركز الثقافي العربي، ترجمة شكير نصر الدين.

الرواية تبدأ بداية مختلفة عبر عناوين لعدد من الصحف تنقل أخبار رواية هي أشهر عمل أدبي للسنة لكاتب شاب مغمور طوم بويد فصارت تلك الرواية، كما نفهم من الأخبار، في غضون بضعة شهور على رأس قائمة المبيعات للسنة. 

ونعرف أيضا أن تلك الرواية هي الجزء الأول من ملحمة مكونة من ثلاثة أجزاء.  يترك الكاتب الشاب وظيفته بعد توقيع عقد مع دار النشر يخص كتابين إضافيين أو الجزئين التاليين من الرواية ونعرف أن العقد بمليوني دولار.

ونتابع عبر عناوين الصحف والايميلات قصة الحب الفاشلة للكاتب الشاب والتي سببت بسقوطه في فخ الإدمان ويعتقل في حالة سكر.


ومن الصفحة 25 تبدأ احداث الرواية بعيدا عن الصحف، فنعرف أن الكاتب يعيش في عزلة عن العالم تحت تأثير المهدئات بسبب قصة الحب الفاشلة التي انتهت بتخلي عازفة البيانو عنه، لكن صديقه صاحب دار النشر يحاول أن يخرجه من عزلته ليتابع كتابة بقية أجزاء الرواية دون جدوى. 


وفجأة تظهر تلك الفتاة التي سقطت من الرواية غير المكتملة لتظهر في شرفة الكاتب. يطلق عليها فتاة من ورق وتتوسل إليه أن يستمر بكتابة الرواية لتعود إلى عالمها في صفحات الكتاب قبل أن تموت، ولكن الكاتب يعاني من حالة اكتئاب شديدة، وتحاول مساعدته.

الرواية مليئة بالتشويق والإثارة والأحداث المتسارعة ويجد القارئ نفسه يلاحق الأحداث كأنه أمام أحد أفلام الحركة والتشويق الأمريكية، فهناك شرطة، واتهامات بالقتل....

وتنقلات من بلد لآخر، ومطاردات بالسيارات تحبس الأنفاس. قدرة هائلة على التشويق، خاصة لمن يهوى أفلام المطارادات والحركة والإثارة السينمائية التي لا تحدث في الواقع لكنها تسعد المشاهد. كل تلك المطاردات والتنقلات رافقت النسخة الوحيدة للرواية. نسخة وحيدة للرواية تنجو من الاتلاف بعد أن تقوم دار النشر بسحب كل النسخ للرواية من السوق بسبب عيب فيها وهذا ربما ما سبب سقوط بطلة الرواية.

لكنني توقفت عند سؤال: كيف عرف ميلو أن تلك النسخة لم تتلف؟الحبكة للرواية معتمدة على تلك النسخة.

  في رايي أن الروايات التي تقوم على عدد كبير من الصدف تصبح غير مقنعة، عندما يجد القارئ نفسه يقف للتساؤل. كل تلك الصدف أصابتني بالحيرة.


يجد القارئ نفسه يتابع مشاعر الكاتب الذي يقع في المعاناة بسبب ما يسمى حبسة الكاتب، ويتابع مقدار مايعانيه الكاتب عند الكتابة. وكيف يأتي الإلهام، ويستمر الكاتب في الكتابة لينقذ بطلة روايته من الموت. 

الرواية تحوي الكثير عن مشاعر الصداقة والحب والحوارات الرائعة.

فكرة أن بطلة الرواية فتاة تسقط من بين صفحات الكتاب فكرة عبقرية أدهشتني. فكرة رائعة، لكن كيف تمت معالجة الأحداث عبر صفحات الرواية ال441، لم تقنعني.

هي فتاة من ورق، يقع المؤلف في هواها.

قلت،  حسنا يمكن ذلك، ربما يزيد هذا من متعة الخيال ويجعل الأحداث أكثر إمتاعا.

لكنني أصبت بخيبة الأمل، فنهاية الرواية غير المتوقعة خيبت أملي فعلا. شعرت بالخيانة. لا ، ليس هذا ما توقعته. 

هل سبق لأحدكم أن قرأ رواية ووجدها مختلفة تماما عما تخيل، فشعر بالغضب؟


للأسف الترجمة ليست جيدة.

 اقتباسات من الرواية:

  - لكن الهوى يشبه المخدر، إن معرفة عواقبه المدمرة لم تمنع أحدا من الاستمرار في تدمير ذاته بعد أن دخل تلك الدوامة.

- لكن نادرا ما تجعل الشهرة شخصية من يصلوا إليها أفضل ما يكون. إنها تعمق الجراح النرجسية أكثر من تلطيفها.

- إن الصلة التي كانت تربطنا هي أبعد من التعاطف والمودة. ولم تكن أيضا مجرد صداقة عادية، بل كانت من تلك الوشائج الثابتة التي لا يمكن  بناؤها إلا في الطفولة والتي تلزم المرء طوال حياته، في اغلب الأحيان على المر أكثر منه على الحلو.

- ربما لأننا كنا نأمل بسذاجة أن عدم استحضار الماضي كان يسمح بمحوه. 

-الحظ هو وصل الإرادة بالظروف المناسبة، هذا ما زعمه سينيك.

- نحن نجهل في الغالب المحن التي يجتازها الناس الذين نحبهم أكثر.

- الكائن البشري هو بالتاكيد حيوان يتكيف مع كل المهانات.

- إن أي كتاب لا يصير على صورته إلا بالقراءة والقارئ هو من يمنحه الحياة، من خلال تأليف صور ستخلق ذلك العالم الخيالي الذي تعيش داخله الشخصيات.




 


 


قراءة لرواية حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا

 


رغم العدد الكبير لصفحات الرواية إلا أنها ممتعة حتى آخر صفحة...
تغلق الكتاب وفكرك لايزال هناك ...بين صفحات الرواية...
مع شخصياتها والاحداث الرهيبة التي تجعل نبضات القلب تتسارع...
الرواية ليست من بنات خيال الكاتب ...
هي قصة حقيقية ...أبطالها شخصيات حقيقية ...
لكنها تربكك...تؤلمك...
كيف يعيش شعب كامل تحت رحمة تيس...ديكتاتور يختصر كل شيء في شخصه العظيم ...
فهو يملك البلاد والعباد ...يمنح ويحرم ويقتل ويتفنن في تدمير النفوس ...
الغريب أن شخصية هذا التيس تنطبق كثيرا على شخصيات تيوس كثيرة نعرفها ...
الكاتب يملك قدرة عالية على تعذيب القارئ وتجريعه المرارة التي عاشتها شخصيات الرواية ...
تنتمي الرواية للواقعية السحرية....ببساطة هي تحفة أدبية مليئة بالسوداوية التي تلون الواقع ...وصف الواقع كما هو ولكن بطريقة احترافية ...
شعرت كأني أنا من يتلقى التعذيب في ذلك السجن الرهيب ...أي عالم مريع نعيش فيه ...
اميل كثيرا لقراءة الروايات التي ترصد وتسجل عذاب الناس ومعاناتهم بعيدا عن ترف الخيال والمبالغات الأدبية...
هنا الكاتب المبدع قرر أن يوثق التاريخ ...حماية للحقيقة وبكامل الأمانة التاريخية ...يرصد محاولة اغتيال المعلم والزعيم والقائد تروخييو الديكتاتور تبدأ الرواية بلحظات الاغتيال وتأتي الحكاية في الصفحات التالية لتحكي مايصدم القارئ...
الكاتب ماريو بارغاس يوسا المولود في بيرو في مارس من العام 1936 هو روائي وصحفي، وسياسي وناقد وأستاذ جامعي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 2010....ويعده النقاد واحد من أهم الكتاب اللاتينيين...

 

قراءة لكتاب الحوثيون في اليمن بين السياسة والواقع لعائدة العلي سري الدين:

 


يقع الكتاب في 264 صفحة، نشر عام 2010م.
تجذبنا بعض العناوين للكتب، لم لا ، وفي محاولة للفهم ممن يكتب عن علم ومعرفة نخوض مغامرة شراء الكتاب.
 
مؤلفة الكتاب لبنانية عملت مستشارة إعلامية في سفارة الجمهورية العربية اليمنية حتى 1990، وأكملت عملها في سفارة الجمهورية اليمنية حتى عام 1994م.
 
لكن بعد قراءة الكتاب يطل سؤال إلى أي مدى عرفت اليمن وحقيقة مايجري في اليمن.
لا ادري لماذا شعرت أن الكتاب عبارة عن تجميع لقصاصات من الأخبار عن اليمن من مصادر مختلفة، دون التحقق من مصداقية المصادر.
 
يتكرر الخبر الواحد بأكثر من طريقة عبر صفحات الكتاب، و يتكرر الخبر بصيغ متناقضة.
يبدو أن مراجع المؤلفة هي من ذلك النوع الذي يمارس التجني والتحريف للتاريخ.
المصادر الحكومية والرسمية عادة تفتقر للمصداقية والموضوعية، لأسباب سياسية ودعائية ولا يعتمد عليها لتأليف كتاب دون التأكد من صحتها...
وتحليلات الكاتبة للأسف تبدو ساذجة ومضحكة...
 
الغريب ان ماجاء في نهاية الكتاب يتناقض مع ماجاء في بدايته!!
الكتاب من ذلك النوع الذي لا يضيف لك شيء، كأنك تسمع نشرة أخبار رسمية تنقل وجهة نظر الحكومة التي تخفي الحقائق وتزور الواقع.

 

قراءة لكتاب: أزمة اليمن الطريق إلى الحرب لهيلين لاكنر

 


عبر 336 صفحة تأخذنا مؤلفة الكتاب ، التي عاشت في اليمن لفترة من الزمن، في رحلة عبر تاريخ اليمن لنفهم لماذا جاءت الحرب أو لماذا كانت اليمن تسير في طريق ينتهي بالحرب!
 
يستطيع القارئ بسهولة فهم ماتريده المؤلفة، فالدولة التي لا يبادر نظامها السياسي للاهتمام بمصالح الشعب، لن تجد من يفعل ذلك من دول العالم. وأيضا تفقد هذه الدولة احترام دول العالم، وتصنف دولة فاشلة لا تستحق الدعم.
 
تشرح كيف حول رئيس النظام السياسي في اليمن بلاده لدولة فاشلة، كيف أضاع الكثير من الفرص والدعم المالي لتحويل اليمن لبلد مستقر وتحسين اقتصاده برفضه لأي مشاريع حقيقية تخدم البلد وتحوله لبلد ديمقراطي مستقر اقتصاديا.
 
كان كل اهتمامه ينصب حول الحصول على المساعدات والاستيلاء عليها لصالحه وصالح من يعملون معه، في ظل سياسته التي عبر عنها بالرقص على رؤوس الثعابين.
بعد ثورة 26 سبتمبر عام 1962 غرق النظام في فخ تشويه صورة النظام السابق كوسيلة لتلميع ذاته بدلا من التفكير والعمل على تحقيق أهداف الثورة برفع مستوى الشعب وإزالة آثار العزلة.
عقدت مقارنات وتحليلات لوضع النظامين في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وأوضاع الناس المعيشية، فهي عاشت مع الناس البسطاء في كل منهما قبل الوحدة.
 
تقول في بداية الكتاب عن اليمن:
"اليمن بلد جميل للغاية، به مناظر طبيعية رائعة من جبال وصحراء وساحل. كما أن لديه العديد من الميزات الثقافية، بما في ذلك تراث معماري فريد بالإضافة إلى مواقع أثرية وثقافية تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي لها أهمية كبيرة في تاريخ شبه الجزيرة العربية بأكملها والشرق الأوسط الأوسع. كل هذا يستطيع بسهولة أن يجعله أفضل الوجهات للسياحة الثقافية وسياحة المشي لذوي الدخول العالية، بالإضافة إلى البحث."
 
تشير في الكتاب إلى اسهام الناس في بناء المشاريع التي يحتاجونها في مناطقهم تحت مسمى التعاونيات وكيف حاول الرئيس الحمدي أن يفرض سيطرة الدولة على تلك المشاريع التي تنفذ من مساهمات الناس وجيوبهم الخاصة ، وبعدها جاء نظام الرئيس صالح فألغى تلك التعاونيات وحولها إلى مجالس محلية قضت على ما تبقى.
 
يعرض الكتاب المشكلات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة والمتداخلة والتي أدى التفاعل بينها إلى الحرب عام 2015، حيث كان عام 2011 هو عام الوصول إلى نقطة الانهيار. 
 
استمرت مستويات معيشة الشعب في التدهور، واستنفد الحكم الاستبدادي القائم على المحسوبية ومحاباة الأقارب طاقته.
وفشل النظام الانتقالي في توفير الحكم الرشيد والسياسات الاجتماعية والاقتصادية العادلةاللازمة لتغيير البلد جذريا.
وتحولت اليمن لبلد ممزق...
 
في ختام الكتاب ترى المؤلفة أن أي نظام جديد سينشأ في اليمن يجب عليه أن يركز على القضايا طويلة الأجل التي يواجهها الشعب وفي المقام الأول أزمة المياة...والتعليم..
التعليم سيضمن ظهور سكان متعلمين تعليما عاليا قادرين على استغلال إمكانيات القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني استثمار ضخم في التعليم يستهدف سكان الريف والحضر في جميع أنحاء البلاد، وسياسات تعزز تكافؤ الفرص الاقتصادية وإنهاء المحسوبية والمحاباة مما يشكل عنصر من عناصر اليمن الجديد الذي تحكمه إدارة جيدة...
 
الكاتبة تعرضت للكثير مما يحدث في البلد ويظهر بوضوح مدى فهمها ومعرفتها بالمجتمع اليمني وهمومه وعلاقة ما يحدث بالسياسات الدولية مما يصعب عرضه هنا ...
الكتاب يستحق القراءة لمن يهتم بفهم جزء من حقيقة مايدور في اليمن ممن يكتب بعيدا عن التحيز لأي طرف...

 

فيلم سينمائي يستحق المشاهدة

 بعض الأفلام تثير قضايا مهمة في حياتنا، تنبه لوجود خطأ ما يحتاج أن ننتبه له. تعلمنا دروس مهمة وتفتح أعيننا على أمور منسية....

فيلم الأب من بطولة أنتوني هوبكنز يحكي قصة رجل مسن من ويلز يعاني من فقدان الذاكرة المتطور أو الخرف. مدة الفيلم 97 دقيقة، يعيشها المشاهد وهو يتابع أحداث الفيلم التي تشده حتى النهاية. ما الذي يحدث بالضبط؟ يعيش المشاهد مشاعر الحيرة التي يعيشها بطل الفيلم الذي تختلط عليه الأمور من اللحظة الأولى. من هم الذين يريدون دفعه للخروج من شقته، فهو يعلن بحزم أنه لن يغادر شقته. لنراه في مشاهد أخرى في شقة مختلفة عن السابقة. يعاني من الارتباك وهو لا يتعرف على الأشخاص، من هذا الجالس على المقعد في شقته.

يشعر بالغضب عندما يلاحظ قطع أثاث لا يتعرف عليها ويستغرب كيف تغير ابنته أثاث الشقة دون أن تخبره. الفيلم ببساطة يضع المشاهد في ذهن الشخص الذي يفقد ذاكرته تدريجيًّا، يجد المشاهد نفسه يشعر بالحيرة والارتباك أيضًا كما يحدث لبطل الفيلم.

فيلم الأب The Father

يقدم الفيلم صورة تعاطفيه للمصاب بالخرف. كيف تكون الحياة بعيون وذهن ذلك المصاب الذي لا يفهم ما يدور من حوله. تقديم نظرة دقيقة ترسم زحف أعراض الخرف والأضرار التي تلحق بمن هم على مقربة من المصاب. فالمشاهد يرى ملامح الحزن الشديد والحيرة على وجه ابنته وهي لا تفهم ما يحدث لوالدها، ولا تدري كيف تتعامل مع تلك التغيرات التي تصيبه، وذلك العناد.

لا يحاول الفيلم أن يصف لنا ما يشعره المريض، بل يقوم بأكثر من ذلك، فيجعلنا نعيش داخل ذهن المصاب، فنصاب بحيرته، ونشعر بغضبه لعدم فهمه لما يحدث. فهو ينسى الوجوه، فيسأل ابنته بحيرة عمن تكون؟

يعيش المشاهد الأحداث كما يراها المريض. كيف يظن أنه مرّ بموقف معين، ثم يكتشف المشاهد عدم حدوث ذلك الموقف. ربما كانت ذكرى من الماضي. وهكذا يعيش المشاهد شعور مشابه لشعور الشخصية التي تكتشف بعد كل موقف أنها تفقد الذاكرة. فيحصل بطل الفيلم على تعاطف المشاهد عبر لقطات متتالية تتميز بأداء ممتاز بشكل مذهل ومفجع.

نرى التخبط الذي يقع به بطل الفيلم وهو يسأل عن ابنته الأخرى التي يشتاق لها ويستغرب لم لا تزوره، ونفهم من إجابات ابنته والحزن الذي يرتسم على ملامحها أن أختها أصيبت بحادث، لكنه لا يتذكر ذلك. ينسى دومًا أين وضع ساعة يده، فيبحث عنها ويشعر أن هناك من سرقها، لكن ابنته تكتشف أنه وضعها في ذات المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه. ابنته لا تفهم تصرفات والدها الغريبة. تظل تلك الساعة التي نراه يبحث عنها وكأنها رمز للزمن الذي يضيع من يديه ومحاولته البائسة للإمساك به.

إنها فوضى وانهيار الذاكرة. والشعور بالعجز عن التفريق بين الماضي والحاضر. ويشارك المشاهد بطل الفيلم مشاعر الحيرة والارتباك حتى تلك اللحظة التي يصل فيها الممثل إلى مرحلة من الأداء المذهل والمؤلم وهو ينهار باكيًا كطفل فقد أمه وهو لا يعرف أين هو.

برع الممثل برسم الصورة الداخلية للشخصية وما تعانيه مع حضور مستمر لساعة اليد التي يحرص على لبسها لكنها تضيع ولا يدري أين هي كالزمن الذي يتبدد في ذهنه. لن تشعر بالملل وأنت تشاهد الفيلم رغم محدودية المكان فأنت في حالة ارتباك وذهول وتعاطف كبير. الممرضة تحتضن العجوز أنتوني في نهاية الفيلم وتقول له إن كل شيء سيكون على ما يرام، فيهدأ كطفل تحتضنه أمه فيشعر بالهدوء.

تدور أحداث الفيلم عن الأب أنتوني المسن والذي يرفض الاعتراف بتقدمه بالعمر وحاجته لممرضه تعتني به في حالة غياب ابنته. وصعوبة أن يعيش بشقته الفاخرة وحيدًا. هو يرفض المساعدات والاقتراحات التي تقدمها له ابنته.

ابنته تعيش مشاعر الحيرة بين مسؤوليتها تجاه أب يحتاج للعناية ويتوقع أن تستمر بتقديم العناية له، واستكمال حياتها خاصة وهي ستغادر البلاد لتعيش في فرنسا وشعورها القوي بالشفقة تجاه والدها.

الفيلم ليس قصة عادية عن مسن مصاب بالخرف، بل تجربة تدعو المشاهد ليعيش للحظات داخل ذهن رجل يعاني ولا يفهم ما يدور من حوله ويعجز عن تفسير التناقضات التي يراها، وهو لا يميز المكان ولا الوجوه، وينسى أحداث حدثت من لحظات، وكيف يمكن لرفض المساعدة أن يتسبب بتمزق عاطفي لمن هم أقرب الناس إليه. استطاع الفيلم بنجاح اختراق عواطف المشاهد وجعله يعيش تجربة المصاب بالخرف. لأنه يجد نفسه داخل رأس الشخصية. يرى كل شيء بعين الشخصية وتفسيراتها ويتبنى مواقفها.

مع من ستتعاطف؟ مع المصاب بالخرف الذي يريد العيش في شقته ويرفض أن تأتي من تساعده وتهتم به، ويرفض الانتقال لبيت ابنته وبعده الانتقال لدار للمسنين، أم تتعاطف مع ابنته التي مزقتها الحيرة.

الفوز بالجائزة

الممثل أنتوني هوبكنز فاز بجائزة أوسكار أفضل ممثل في حفل توزيع جوائز الأوسكار رقم 93 في لوس انجلوس. عمره 83 عام. الفيلم من إخراج الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي فلوريان زيلر. الفيلم المأخوذ عن مسرحية الأب التي صدرت عام 2012، أيضا حاز على أوسكار أفضل سيناريو مأخوذ عن عمل أدبي. الفيلم إنتاج فرنسي بريطاني مشترك، وهو من بطولة: أنتوني هوبكنز، وأوليفيا كولمان، ومارك جاتيس.

أسئلة يثيرها الفيلم

عندما انتهى الفيلم وأُضيئت الأنوار في صالة السينما لاحظت أن من حضروا الفيلم في حالة ذهول. لم يقف أحد منهم للخروج كما يحدث عادة عندما يقف البعض للخروج بمجرد فهمهم أن الفيلم وصل لنهايته. اتفهم المشاعر التي اجتاحتهم جميعًا. الفيلم صرخة غير عادية للجميع، لأولئك الذين يسكن معهم في البيت شخص مسن. فقد يكون الفيلم نبههم لفهم ما يحدث. وربما هو تنبيه لما سيحدث.

سألت نفسي: ماذا عن دور المسنين في بلادنا؟ الثقافة عندنا تعيب من يضع المسن هناك، وتصور الحياة هناك جحيمًا وتعرض المسن للإهمال والقسوة. فهل المسن بين أهله يحظى بما يحتاج من تفهم واهتمام، خاصة مع بدء انقراض العائلة الكبيرة التي يعيش فيها أجيال مختلفة. مع الإيقاع السريع للحياة التي نعيشها هل سيحظى كل مسن بمن سيتفرغ للعناية به من الأهل ولا نحتاج للاهتمام بتلك الدور التي يتلقى فيها المسنون الرعاية والاهتمام؟ وهل من يقدم الرعاية للمسنّ يشبه الممرضة الرائعة بتعاطفها وتفهمهما في الفيلم والتي يظن بطل الفيلم في بعض المشاهد أنها ابنته الثانية؟

وبالعودة لأحداث الفيلم، من القسوة إرغام المسن على ترك شقته التي اعتاد عليها، لكن رفضه لتلقي المساعدة يجعل الأمور صعبة. هل تستحق ابنته أن نلومها لأنها اختارت أن تضع والدها في دار للمسنين بدلًا من ضياع فرصتها في العيش مع من تحب في فرنسا؟

ما أصعب الإجابة!

نشر المقال على منصة زد:

https://ziid.net/art-intertainment/cinematic-movie-worth-watching/ 

 




 

 

التصنيف العرقي والمناطقي والانقسام الاجتماعي

 

نظرة سريعة على بعض التعليقات على صفحات الفيسبوك تصيب المرء بالذهول لحجم الكراهية التي تفوح من التعليقات التي تقطر حقدا وكراهية، الأدهى أن هناك أوراقا بحثية عن الوضع في اليمن لمختصين تصيب القارئ بكثير من الدهشة والذهول لكم المغالطات فيها، دراسات أبسط ما نقول عنها إنها تفيض بغضا وتحريضا، أبحاث علمية لا علاقة لها بالرصانة العلمية والموضوعية وتحري الدقة والموضوعية.
فيقفز التساؤل: 
ما الذي يحدث؟
هل نحن مجتمع مريض بالتعصب؟
 
لقد عشنا سنوات في مجتمع متسامح، لم نسمع عن التعصب والاختلاف المذهبي بهذه الحدة والقوة إلا في السنوات الأخيرة.
هل تظهر الأمراض الاجتماعية بشكل مفاجئ؟
هل تنفجر براكين الحقد والغضب والثارات بين أبناء مجتمع واحد هكذا بين يوم وليلة؟
ولكن في المقابل هل هناك بلد في العالم يعيش فيه مواطنون لا اختلافات ولا خلافات بينهم؟
 
هل هناك مجتمع نقي بمعنى أن جميع أفراده هم من نفس البلد منذ الآف السنين؟
هذا البلد غير موجود على أرض الواقع، لأن طبيعة حياة البشر التنقل وعدم الاستقرار منذ بدء التاريخ، البعض يتنقل بحثا عن الرزق في أماكن وبلدان أخرى والاستقرار فيها، والبعض يهرب طلبا للنجاة بحياتهم بسبب فظائع الحروب والاضطهاد، ولا ننسى أثر العوامل الطبيعية كالزلازل والبراكين والجفاف وغيرها.
عبر التاريخ اعتاد الناس التنقل من بلد لآخر، في هجرات جماعية أو فردية.
وبلد مثل اليمن بموقعه الجغرافي المتميز وطبيعته المتنوعه كان محطة لبعض القوافل عبر الزمن، فكما هاجر اليمنيون خارج اليمن، جاء واستقر في اليمن أناس من أماكن مختلفة، والتركيبة السكانية في اليمن متنوعة. اليمن كان ذات يوم جزءا من الإمبراطورية العثمانية وكل إمجبراطورية تجلب رجالها ومواطنيها وتوطنهم في الأراضي التي تحكمها، عدن والحديدة والمخا مدن ساحلية شهدت عبر التاريخ نشاط تجاري دفع بكثير من الجنسيات المتنوعة للاستيطان في البلاد فذابوا بمرور الزمن في المجتمع اليمني وخاصة في المدن الرئيسية.
كما أن الإمبراطورية البريطانية التي احتلت جنوب اليمن والمعروفة بولعها الشديد بتغيير التركيبة السكانية لكل بلد تحتله، جلبت معها الهنود وغيرهم ووطنتهم في اليمن، وكلما عدنا إلى مسافات أبعد في التاريخ سنرى جموع البشر التي تستوطن، ونرى تلك التي تغادر. وسنرى اليمني يخرج مقاتلا في الجيوش في شمال أفريقيا وحتى الأندلس حيث يستقر هناك بعيد عن موطنه الأصلي ويتحول لمواطن في بلد آخر.
هناك ما يقارب 5 مليون اندونيسي من أصول يمنية، وأعداد ليست قليلة في ماليزيا وسنغافورة وجنوب الفلبين رحلوا من اليمن عبر عصور مختلفة لمزاولة التجارة واستقروا هناك، هم مواطنون لتلك الدول رغم أسمائهم العربية الواضحة لكنهم مواطنون لتلك البلدان بحكم العيش هناك لفترات طويلة لا أحد ينادي بطردهم وإعادتهم لليمن بلدهم الأصلي الذي أتوا منه. بل نرى من يحملون أسماء يمنية يتبوأون مناصب قيادية في تلك المجتمعات. وعلى سبيل المثال، حليمة يعقوب التي فازت بالانتخابات الرئاسية في سنغافورة رغم أنها من أصول هندية ومتزوجة بماليزي من أصل يمني، وهذا ما يسمى بالمواطنة في المجتمع المعاصر.
 
وجود الاختلافات والتنوع داخل كل مجتمع هو أحد سنن الكون، لكن الشيء المهم هنا، كيف يتم التعامل مع هذا التنوع والاختلاف والخلاف؟ وهذا ما يميز البلدان المتحضرة المستقرة عن غيرها من البلدان التي يكثر فيها الصراعات والقلاقل. رغم وجود نوع من العنصرية في الدول المتحضرة لكن يتم تطويقه وحصره في أضيق نطاق.
المجتمعات المتحضرة لها دساتير تصون حقوق جميع المواطنين مهما كانت أصولهم وخلفياتهم العرقية والدينية، الكل سواء أمام القانون، الكل لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، لا أحد فوق القانون.
 
عندما نلقي نظرة على دولة متحضرة نلاحظ الانسجام الاجتماعي، والاهتمام بالجميع وتوطين المهاجرين، والاعتراف بتنوع المواطنين الثقافي والعرقي وحتى الديني، والمسارعة في إيجاد حلول لدعم الشباب واستيعابهم ودمجهم في التخطيط لمستقبل البلاد ليشعروا بالثقة بالمستقبل ومستقبلهم في بلادهم، فالفقر والبطالة وانعدام العدالة كلها تؤدي، بكل تأكيد، للتشرذم والحقد المجتمعي.
 
ما يعيب مجتمعاتنا العربية هو المبالغة في تقدير الانتماء الاجتماعي الذي يرثه المرء. والمؤسف في الأمر أن المثقف اليمني لا يستطيع التحرر من هذه الثقافة المنغلقة، فينطلق من عقد ورثها ورضعها في طفولته، عقد انتقلت عبر الحكايات من الماضي المليء بالصراعات.. هذا المثقف لم ينجح تعليمه وثقافته في إكسابه عقلية علمية تتساءل وتحلل وتنقد مشاكل المجتمع اليمني نقدا بنّاءً ليساهم في البحث عن حلول لها.
المثقف اليمني يساهم في استمرار ثقافة الماضي بكل ما فيها من عيوب وأخطاء، فهو يعيش الحاضر بجسده، لكن عقله وفكره أسيران هناك في دهاليز الماضي، يجتر حكايات التاريخ المؤلمة وصراعات الماضي البغيضة وتسيطر عليه أفكار الثأر والانتقام.. في مجتمعنا وهو مجتمع تقليدي تجاوزه الزمن، يوجد صراع بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، عكس المجتمعات الحديثة التي يطور فيها الإنسان المعاصر مسارات للجمع بين المصلحتين، فالكل يفوز.
 
في تلك المجتمعات يخدم الناس مصالحهم الشخصية وهم في الوقت نفسه يساهمون في تطوير مجتمعاتهم وتقديم الخدمات للآخرين بغض النظر هل ينتمون لنفس العرق أم ينتمون لعرق آخر، وهم بذلك يساهمون في تطوير اقتصاد بلدهم وتقوية النسيج الاجتماعي فيه، ويعلمون أنهم يقدمون خدمة للبلد الذي سيتربى على ترابه أبناؤهم وأحفادهم بأمان.
مجتمعنا يقوم على التعصب للقبيلة، وللنسب والعرق، والدين، حتى بين المتعلمين ونخب المجتمع، في المجتمعات الحديثة يميل الناس للتآلف مع الآخرين، يعيشون ضمن نظام مرن قابل للتعديل والتطوير، نظام تعلم من دروس التاريخ وتخلى عن الكثير من العصبيات التي لا تتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، لكننا نعيش في نظام جامد ومنغلق، ولا يعترف بتغير الزمان.
وبالعودة للتساؤلات في بداية المقال عن حقيقة التعصب في مجتمعنا.. سنبدأ من مفهوم التصنيف، التصنيف هو عملية تمييز الأشياء إلى مجموعات بحيث كل مجموعة يكون بينها وحدات مشتركة من الصفات أو الخواص.
والتصنيف العرقي هو نظام يستخدم لتصنيف البشر إلى جماعات مختلفة حسب الخصائص الظاهرية، والأصول الجغرافية. الغريب أن التصنيف العرقي يقودنا للعنصرية ال Racism، حيث يكون هناك جماعة تظن أنها أفضل من غيرها وتبيح لنفسها ما تحرمه على الآخرين.
 
والسؤال هو: لماذا تنشأ الصراعات العرقية في أي مجتمع؟
جاء في كتاب لإيان لوو الذي يحمل عنوان “العنصرية والتعصب العرقي من التمييز إلى الإبادة الجماعية” أن “العامل السياسي هو السبب الأول، فالنظام السياسي الذي لا يتصف بالعدل يكون سبب لتفجر موجات الكراهية والعنصرية والتنازع للسيطرة على الموارد الاقتصادية، وكذلك التنازع حول فرص التعليم والتوظيف الحكومي، وقد ينشأ الصراع بحثا عن العدالة في تحديد الموارد ، وينتج عن عدم العدالة إحياء لتلك المزاعم القديمة وخلق مزاعم جديدة”.
 
وفي العادة “تتعايش مجموعات عديدة مختلفة ثقافيا وإثنيا بشكل سلمي بينها، ولكن عند نقطة بعينها يتفجر الصراع، إما بسبب الإهانة أو بسبب التهديدات التي تمس المصالح الحيوية للجماعة”.
باختصار، نجد أن هناك محاولات مستميتة للعب على وتر العداء الطائفي ونبش التعصب العرقي والمناطقي في اليمن في الوقت الحالي، رغم أنه لاخلاف سني شيعي حقيقي في بلادنا، نستطيع إدراك ذلك بسهولة من تواجد الناس وتعايشهم في مدينة مثل صنعاء جنبا إلى جنب. وبالتالي لا صراع طائفي في اليمن، ولا عرقي ولكن ما يحدث هو صراع سياسي. أطراف هذا الصراع يلجأون لاستخدام أوراق الاختلاف المذهبي والعرقي، رغم أن هذا يؤدي لتمزق النسيج الاجتماعي، لكن أطراف الصراع وفي سبيل تحقيق أهدافهم لا يبالون بتفتيت البلد وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
 
يصبح الخطر أكبر عندما ينقسم الناس فيؤيد البعض طرفا ويؤيد البعض الآخر الطرف الآخر، هنا يكون الخطر الحقيقي الذي يمزق اللحمة داخل البلد الواحد، ويحدث تهتك كبير بالنسيج الاجتماعي.
 
ما يحدث هو فعلا لعب بالنار، قوى سياسية تستخدم الورقة المذهبية والمناطقية لحشد الناس وضمان تأييدهم، وهي طرق تستدعي كل الخلافات التاريخية التي عفى عليها الزمن. خلافات مرت بها كثير من الشعوب وتجاوزتها، لكن لدينا من يصر على إثارة النعرات والبحث عن مبرر ديني لحربه ضد الطرف الآخر، حتى وصل الأمر لبعث السلالية والمناطقية والتي كادت تختفي بمرور الوقت وانتشار مساحة التعليم والوعي بين الناس، وبدلا من أن تصبح جزءا من تاريخ مضى ها هي تجد أياد عابثة تنفخ فيها الحياة مما يعزز من انتشار الكراهية باستدعاء كل الحزازات والأحقاد القديمة، والمخيف أن الأثر سيبقى لسنوات طويلة في النفوس لو استمر هذا الحشد البغيض.
 
هناك من يتعامل باستخفاف ساذج بالعقول، وينشر بين الناس محدودي الاطلاع أكاذيب كأنها حقائق، وينسى أن معالجة أخطاء التاريخ والماضي لا تتم بتدمير الحاضر ونسف المستقبل، فهذا انتقام من الجميع، كيف يتم الانتقام من شخوص الماضي في الحاضر. الانتقام الصحيح من كل مخلفات الماضي تتم بنشر العلم وقيم التسامح حتى لايبقى مجتمعنا أسير لذات الممارسات، ولنفس الطغاة الذين لا يقيمون وزنا لتطلعات المواطن اليمني للعيش بكرامة وأمن على أرضه.
 
الصراع والاختلاف طبيعي لأن الله خلق الناس باختلافاتهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين).
وهذه طبيعة الحياة، لكن كيف سنواجه هذا الاختلاف، وهذا الصراع؟
مستقبل البلاد يتوقف على هذا، كيف سنتعامل مع كل هذه الصراعات. هل سنعي أنه صراع سياسي يحاول جر الجميع للهاوية، فهل سنهوي باختيارنا؟ أم نستطيع أن نتخذ الخطوات التي تمنع المزيد من التدهور؟
كيف سنخفف من آثار هذا الصراع؟ هل نملك الشجاعة والقدرة على التعايش مع بعضنا رغم اختلافنا، واختلافاتنا؟
 
هل نستطيع أن نعتبر هذه الاختلافات تنوعا إيجابيا يثري حياتنا ونقبل ببعضنا ونتفق على قوانين وقواعد تنظم حياتنا وتضمن الحيلولة دون المزيد من الانحدار؟
نعم نحن بحاجة لأن نتغير، لأن نخرج من دوامة الماضي، لنقتنع أن الماضي حدث، ونحن نعترف به بكل ما فيه، لكن ما فيه بكل أحداثه هو قصص للعبرة ولتعلم الدروس وليس لشحن العواطف والإصرار على العيش في الماضي. فالهدف من دراسة التاريخ ينبغي أن يكون منع حدوث نفس أخطاء الماضي من جديد، ومنع وقوع الظلم على أي مكون من مكونات الجتمع اليمني تحت أي مبرر، فلا نصلح الأخطاء بالوقوع في أخطاء أكبر.
فهل نملك الخيار، خيار أن ننزلق للصراع الطائفي لتحقيق أطماع أهل السياسة، أو ترميم ما يمكن ترميمه لنعيش حياة كريمة؟
(مقال نشر على صفحات نسيج)
 

قراءة لرواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق

 


الرواية تدور أحداثها عام 2023 وبالتالي هي خيالية ...لكن ذلك النوع من الخيال المفزع...
مصر انقسمت إلى طبقتين ...
طبقة للأغنياء الذين يملكون كل شيء...
وكل الخدمات متوفره في مدينتهم يوتوبيا التي تقع في الساحل الشمالي للبلاد...
الطبقة الثانية وهم غالبية الشعب المصري يقع خارج أسوار هذه المدينة ...حيث الفقر والجوع ولا وجود لأي نوع من أنواع الخدمات الحكومية ...
كل الخدمات توقفت عن ذلك الجزء من البلاد ...حيث الأمراض والعفن وكل ما هو سلبي...
 
الرواية تدور حول شاب يوتوبي يشعر بالملل ويفكر في الخروج من يوتوبيا لاختطاف أحد الأغيار وهو اسم البشر خارج أسوار يوتوبيا ليتسلى بتعذيبه مع اصدقائه ثم يقتله ويحتفظ بقطعة من جسده كتذكار يفتخر به أمام الآخرين...
يعلق مع صديقته التي تسللت معه إلى خارج مدينتهم المرفهه فيخوضا مغامرة مرعبة ...
هناك نوع من الشبه...ليس كبير...بين الرواية ورواية لعبة الجوع او مباريات الجوع التي تحولت لفيلم سينمائي...
 
هذا النوع من روايات الديستوبيا...أو روايات المدينة الفاسدة المرعبة ...عالم الواقع المرير المرعب...
في رواية يوتوبيا وكذلك مباريات الجوع الفكرة نفسها ... الأغنياء يقتلون الملل بقتل الفقراء المطحونين بعد الاستمتاع بتعذيبهم...
الفكرة سادية ومخيفة...
وفي ملامح المدينة التعيسة التي يعيش فيها الأغيار هناك شبه بكثير من الشوارع التي تعيش الاهمال في الواقع ...فقر ومخدرات ومجاري تلوث الشارع ...
 
احزنني مصير المثقف الفقير العاشق للكتب والذي رغم كل ظروفه التعيسة التي يعيشها لكنه يكره الدماء ويكره الانتقام ويقدم المساعدة لليوتوبي وصديقته وينقذهم من الموت ...
لم يقتلهم...كان صادق معهم لكنهم بمنتهى الغدر واللؤم قتلوه...بعد أن أوصلهم لبر الأمان...
تصوير مدهش للمشاعر والعواطف ...تصوير صادم ...
خاصة ونحن نرى العالم يخطو فعلا إلى عزل الأغنياء عن الفقراء بأسوار يستحيل تسلقها ...



قراءة لرواية المنبوذون ل رياض معطاس

 


هناك من الروايات من تحفر في الأعماق...تحتل أماكن يصعب ازاحتها منها ...
اتذكر قبل مدة قرأت رواية بعنوان: "لا تخبري ماما"، شعرت بالفزع... بالصدمة من قسوة ما اقرأ ...وبقت تلك الرواية لفترة من الزمن تؤرقني...احتجت بعض الوقت لأتخلص من تأثيرها ...
 
الواقع البشع المرعب يصعب تصوره ...
ورواية المنبوذون من هذا النوع ...واقع قاس...شديد القسوة والصعوبة ...
الرواية تقع في 175 صفحة يمكن قراءتها دون انقطاع ...هكذا حدث معي لم اتركها حتى انتهيت من آخر صفحة...وأنا أتجرع المرارة مع كل صفحة من صفحاتها...
سواء كانت الاحداث والشخصيات حقيقية أو تخيلية فهي تحكي عن واقع يصعب تصوره ...
نتحاشى التفكير به ..ونرفض تصديق وجوده بهذه التفاصيل ...
شدتني أحداث الرواية وشخصياتها ... التي رأيتها أمامي تمتلئ حياة ...لكنها حياة لا تشبه حياتنا ...
 
بطلة الرواية زهرة وزوجها سالم من فئة الأخدام...الفئة التي تعيش على حافة المجتمع بلا حقوق ...
ولأن عبارة الأخدام لا تليق قيل لنسميهم فئة المهمشين...التسمية الجديدة لم تغير شيء في واقعهم البائس وأصبح لهم اسم جديد ...أحفاد بلال لكن فكرة المساواة في المجتمع المسلم يبدو لا تزال مجرد فكرة كما يبدو لنا بوضوح ...
الكاتب برع في رسم الشخصيات وتحريك الأحداث ووصف الأماكن ووجدتني هناك اتابع بدهشة...
 
لربما تساءلت هل يعقل هذا؟
ألا يبالغ الكاتب ؟
واذهب بخيالي حتى أجد ما ينفي حدث ما ...لكنني أعود بلا خفين بالمره...
احيي الكاتب على شجاعته ...أن تكون شخصيات الرواية من الأخدام هي شجاعة كبيرة في رأيي ...
 
الرواية مفزعة ...
 تفضح الكثير من ادعاءاتنا...
اتمنى أن تجد الرواية طريقها للنشر والتوزيع خارج اليمن فهي تستحق ذلك.

قراءة لرواية الطاعون لالبير كامو

 


الرواية عن مرض الطاعون الذي أصاب مدينة وهران في اربعينيات القرن الماضي..
تبدأ الرواية بملاحظة موت الفئران وهي العلامة الأولى لانتشار المرض...
في البداية لا أحد يهتم بذلك رغم تزايد عدد الفئران المصابة...
يصف الكاتب ماتعانيه الفئران من اختناقات ومعاناة قبل أن تموت...
يعرف الأطباء انه الطاعون لكن السلطات تتردد في الاعلان عن ذلك ...
عندما تزداد الاصابات بين الناس تتخذ خطوات الحجر الصحي أخيرا بعزل المدينة ومنع الدخول إليها أو الخروج منها ...
 
يصف الكاتب الاصابات عبر الطبيب ريو الذي يتابع الحالات ...
يصف اعراض المرض وهي الاعراض نفسها التي أصابت الفئران..
 
في الرواية كل الشخصيات أوروبية لا وجود للعنصر العربي هي مدينة يسكنها الاوربيون ...يصفها بالقبح والبشاعة والقذارة...
هناك نقاش فلسفي وديني حول الله والمرض والموت ...
ودور الدين في تقبل الكارثة ...
العجيب أن تنتشر بين الناس كما يذكر المؤلف حكايات عن تنبؤات بالمرض من كتب قديمة تنبأت بالكارثة وتنتشر هذه الكتب ويعاد طباعتها جميعها تتحدث عن نبؤات قائمة على حسابات رقمية عجيبة ...
تشبه إلى حد كبير الكتب والافلام التي ظهرت في أيامنا هذه تتحدث عن فيروس كورونا...
تنتهي الرواية بانتهاء المرض وأثر المرض على حياة الناس ...