قراءة لكتاب ملوك العرب، رحلة في البلاد العربية لأمين الريحاني:

 

يقع الكتاب في 741 صفحة.
يأخذنا الكاتب في رحلة للبلاد العربية بدأها عام 1922م قابل فيها كل من:
الملك الحسين بن علي شريف مكة، والإمام يحيى بن حميد الدين إمام اليمن والسيد الإدريسي حاكم عسير ، وسلاطين ومشايخ لحج والنواحي التسع المحمية، وسلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز آل سعود ، وأمير الكويت أحمد الجابر الصباح، والشيخ خزعل خان أمير عربستان، وشيخ البحرين حمد بن عيسى ، والملك فيصل بن الحسين ملك العراق....
 
في الصفحة الأولى للكتاب يقدم الكتاب للناشئة العربية الناهضة في كل مكان...فكم منهم قرأ الكتاب ووصلته رسالة المؤلف؟
يبدو واضحا عند قراءة الكتاب أن هدف صاحب الكتاب من رحلته أن يعرف الملوك والامراء العرب ببعضهم...
 
اكتشف المؤلف انهم يجهلون بعضهم كما يجهلون جغرافية البلاد العربية ولا يثقون ببعضهم ...
كان يحلم بوحدة عربية ...وحدة اقتصادية تجمع العرب ليكون لهم رأي واحد في مواجهة القوى الخارجية الطامعة ببلادهم...لكنه وجد أمراء وملوك ينافس كل منهم الآخر.
عبر الكتاب يطل القارئ على أحوال العرب في ذلك التاريخ بعد خروج العرب من سيطرة الأتراك والوقوع تحت سيطرة بريطانيا. 
 يشرح المؤلف تفاصيل رحلته في بلاد العرب ، وهو يحاول أن يضع الأساس لوحدة عربية. 
وحدة اقتصادية يقترح أن يخصص كل حاكم عربي مبلغ مالي من إيرادات الزكاة لإنشاء مشاريع اقتصادية تخدم الجميع وتؤسس لاقتصاد عربي يستورد الكفاءات والمواد لتأسيس اقتصاد عصري. لكنه يكتشف حجم العداء بين إمام اليمن والإدريسي، وخلاف الإمام في اليمن مع شريف مكة. وباءت محاولته بالفشل. 

كان مؤلف الكتاب يحلم بمؤتمر عربي يجمع الحكام العرب ولم يتحقق حلمه. ويشعر أن ذلك هدف بعيد فيقول:
 
" إن روح القبائل لا تزال سائدة في البلاد العربية ومتغلبة في أكثر أقطارها على الروح القومية" 
 
"إذن لا أمل للعرب في تحقيق الوحدة العربية الكلية اليوم".
 
الكتاب يستحق القراءة ...يوضح حجم الدمار الذي خلفه الحكم التركي في البلاد العربية وسوء الأنظمة العربية التي حاولت الاستقلال وأطماع بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية والتي نجحت في تقسيم المنطقة بسبب تشرذم العرب والحروب الداخلية بينهم.

استمتعت بالوقت الطويل الذي قضيته بين صفحات الكتاب...اتخيل نفسي مع الكاتب بين كثبان صحراء العرب والسهول والجبال ....
وعبر صفحاته الطويلة نجد أجوبة لكثير مما نعيشه الآن...فكثير من الأوضاع لم تتغير .

قراءة لرواية جبل الروح لغاو شينغجيان:

 

رغم عدد صفخاتها ال 798 ، لكنني وجدت نفسي مستمرة في التهام صفحاتها الطويلة ...
في هذه الرواية نعرف أنه ليس مهما معرفة اسماء الشخصيات، المهم ما هي حكاياتهم.
والحكايات متداخلة لعدد من الشخصيات، ليست حكاية واحدة متسلسلة، بل مجموعة من الحكايات عن شخصيات يجمعها البؤس.
شخوص الرواية تنحصر في أنا ، وأنت ، وهي ، وهو....وما يدور بينهم من تفاعلات ومواقف.
 
تصف الرواية التغير الدائم في شخصية الإنسان.
بطل الرواية يفتش عن جبل الروح ويروي لنا الكثير عن أحوال الناس الذين يصادفهم في طريقة ...
 
رحلة بحث عن الجبل ورحلة بحث داخلي ..رحلة في التاريخ، في المشاعر، في الآثار التي طمست، عن قصص الرهبان وصلواتهم، والموشحات والأغاني الشعبية.
يعرف القارئ الكثير عن الحضارة الصينية وواقعها عبر صفحات الرواية المتعددة..
 
قالت عن الرواية الأكاديمية السويدية عندما فاز مؤلفها بجائزة نوبل عام 2000:
 " الرواية عبارة عن تحفة أدبية نادرة لا مثيل لها، بالإضافة لكونها رواية ....إنها عبرت عن الجانب غير المعروف في الثقافة الصينية".
 
81 فصل، كل فصل يحكي عن صراع الأشخاص مع بعضهم، تلك الصراعات اليومية.
 
كل مايسمع المرء ويراه في محيطه، الأساطير المتداولة بين الناس ، الأشعار الشعبية، قصص السحر، قصص الدويلات والممالك السابقة...حكايات عن معاناة الناس، والعادات والتقاليد المختلفة والمتنوعة لبلد بحجم الصين.
 
الفصل 72 مميز. يبدأ هذا الفصل هكذا :
"_هذه ليست رواية!
-ما هي إذا ؟ يسأل.
-الرواية يجب أن تتضمن قصة كاملة."
 
وعبر هذا الفصل يعبر عن عدم ضرورة الإلتزام بالمقدمة وصلب الموضوع والذروة والخاتمة....
في روايته هذه لا يلتزم بكل هذا ، ومع هذا تبقى رواية ويتابع القارئ الصفحات حتى النهاية ...فنسف القواعد تجربة رائعة...
 
قد يسيطر على القارئ شعور بالحزن، وهو يسمع حكايات عن أثر تسلط الدولة على عادات الناس واساطيرهم، وكيف يتحايل الناس للحفاظ على ارثهم الثقافي من الضياع.
 
تحتوي الرواية على الكثير مما يستحق الاقتباس:
"حقيقة الحياة لا تشبه صورتها الظاهرة. حقيقة الحياة أي طبيعة الحياة، يجب أن تكون كما هي عليه لا على نحو مغاير لها".
 
"لما اختلط التاريخ بالشائعات والأقاويل، ولدت أسطورة شعبية. فالحقيقة لا توجد إلا في التجربة وليس التجربة بالمطلق بل في تجربة كل منا، وحتى لو وجدت في تجربة كل منا فإنها تستحين حكاية حاليا تتناقلها الألسن تواترا."
 
"هل من أمة من دون روح! ما جدوى أمة فقدت روحها".
 

 

قراءة لرواية ليلة سقوط بغداد للدكتور أحمد خيري العمري:

 


تبدأ الرواية بتأكيد الكاتب أن كل شخصيات الرواية حقيقية...هي نوع من السيرة الذاتية...
والإهداء موجه لبغداد...
وفي الصفحة الأولى يقول :
"لا شيء يعود كما كان أبدا."
سنقف كثيرا عند ليلة سقوط بغداد ...
سيكون هناك إبحار في التاريخ الذي قاد إلى سقوط بغداد ...
" أصعب الحروب هي تلك التي تنتظرها وأنت لا تملك حيال وقوعها غير انتظارك هذا ..."
هكذا يلخص الكاتب مشاعر أهل بغداد قبل سقوطها بيد الاحتلال...
 
يأخذنا في جولة أيضا حول نسب سكان بغداد ...والانتماء المذهبي:
"هذه هي الحقيقة التي فوق الإيديولوجيات، المدن العريقة لا نسب محدد لها، إنها تحتضن الأنساب والأعراق، وتصهرهما معا، وتضيف عليها من عبق تاريخها وتحملها أيضا جزءا من عبء تاريخها، بغداد هي الحاضنة التي حوت واحتوت الأقوام والأعراق والأنساب"...
 
النسب كما يرى د. أحمد هو أمر وهمي، والفكر القومي مبالغة عتيدة،...
يوجه النقد للفكر الديني الخرافي الذي فسر هبوب العاصفة الترابية بما حدث من عاصفة في غزوة الخندق، وهو الفهم الأسوأ للظواهر الطبيعية ، للقوانين الإلهية وللغزو الأمريكي ولغزوة الخندق!
 
يؤكد ان ذلك التفسير للعاصفة كشف أننا متأخرون لقرون طويلة ...متأخرون بالذات عما كناه يوم كان الاستعداد خندقا، لا انتظارا لعاصفة...
سقطت بغداد لماذا؟
"ولكن ألم يكن النظام السابق، نظام احتلال أيضا؟
 
ماذا يريد الاحتلال؟ سيسألون...
منابع النفط! سيردون على أنفسهم واهمين...
ماذا حصلنا من النفط وقت النظام السابق؟ لا شيء . كان يذهب كله للطاغية وقصوره وملذاته وملذات أولاده وحروبه الحمقاء الغبية..."
 

 
على امتداد فصول الرواية نعيش مع رحلة الكاتب الباحثة في التاريخ والجغرافيا والسياسة والدين وكل التناقضات لنفهم لماذا سقطت بغداد ووقعت بيد الاحتلال الأمريكي...
نعرف كيف يعيش المواطن الخائف تحت إرهاب نظام مستبد يصادر الحريات ويشوه الواقع فيكون خراب البلاد هو النتيجة الطبيعية لذلك الحكم ...
الكاتب يلامس مشاعر القارئ وهو يسرد وقائع وحقائق للناس تحت القصف والرعب والخوف ...
هناك نوع من التكرار في بعض الصفحات حيث يسترسل الكاتب في سرد الفكرة ذاتها ...
لكن اجمالا الرواية رائعة ...

قراءة لرواية الخطايا السبع للبركان للمهلب مرهج

 



الخطايا السبع المميته التي تدفع الناس إلى ارتكاب الشرور ...
أو السبع الموبقات....
الرغبة ، الشراهة، الجشع ، الكسل، الغضب، الحسد، والغرور...
نراها تتجسد في أفراد عصابة تعمل لصالح مهرب كبير يدعى بركان...
وتتداخل احداث الرواية مع بطل الرواية الذي تنقلب حياته رأس على عقب بسبب تلك العصابة ...
بطل الرواية يعيش الصراع النفسي...فهل ينسى ما حدث أم يسير في طريق الانتقام ممن تسببوا بقتل والده!
هل الانتقام هو الطريق الوحيد؟
وهل من السهل ان تقف وحيدا أمام عصابة تجسد كل تلك الخطايا؟
هل هو ينتقم لوالده أم يخلص المجتمع من شرور هذه العصابة؟
 
" فمن يسامح القتلة والظالمين فهو ليس إلا ظالما مثلهم ويشجعهم على الظلم أكثر"
عشاق أفلام الحركة والإثارة( الأكشن) سيستمتعون كثيرا بأحداث الرواية التي تنساب فصولها في مصادفات متتالية ينجح المؤلف في ربطها واقناع القارئ بها ...
 
لغة الرواية جميلة ...
صورة الغلاف لوحة سريالية لسلفادور دالي تحمل عنوان: وجه الحرب ...
الوجه في اللوحة بلا جسد في صحراء قاحلة....وجه ذابل كأنه جثة ترتدي تعبيراً من البؤس.....وهناك وجوة متشابهة داخل فم الوجه وفجوة عيناه، والذي يبدو كأنه استدعاء ذاتي....وتحوم حول الوجه الكبير ثعابين لاسعة.
اللوحة ستظهر على جدران إحدى الشخصيات في الرواية ...
ويبدو كأن أحداث الرواية تتناسب مع النظرة السريالية للحياة وبعض أحداثها ومصادفاتها ...
المؤلف وضع الرواية على جوجل بوك لذا يسهل الحصول عليها بسهولة ...
النسخة التي قرأتها بها أخطاء مطبعية تحتاج مراجعة.

كتاب: هوية السلطة في اليمن - جدل السياسة والتاريخ لأحمد علي الأحصب

الكتاب يقع في 240 صفحة، من منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للعام 2019.

يحتوي الكتاب على مقدمة وأربعة فصول. 

في المقدمة يقدم المؤلف تعاريف لكل من السلطة والهوية. ويبدو واضحا أن الكاتب بذل مجهود كبير في توضيح حقيقة الهوية باليمن، حيث يفحص هوية السلطة في اليمن على مستويات عدة: 

1- الانتماء العصبوي للحكام، حيث ينفذ مسح تاريخي للانتماءات العصبوية للحكام في اليمن.

2- الانتماء الجهوي 

يضع المؤلف توضيح للأعراق في اليمن:

العرق العربي ، والعشيرة قحطان أو عدنان. يتفرع من قحطان حمير ومنها كهلان الذي يتفرع منها همدان بشقيها حاشد وبكيل، ومذحج، وكنده، والأزد. 

أما عدنان فيتفرع منها:  قريش بشقيها الأموي والهاشمي.

كما يفصل الانتماء المذهبي بشقيه: السني بتفرعاته الأربعة: حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي.

والشيعي بتفرعاته: الاسماعيلي، والزيدي.

وفي الفصل الأول الذي يحمل عنوان: الاستئثار بالسلطة في اليمن دعاوي الحاضر وحقائق التاريخ

 يشرح الكاتب كيف يدور الجدل حول هوية السلطة في اليمن على المستوى الجهوي والعشائري والمذهبي. 

وهناك من يرفع دعوى سيطرة الزيود على السلطة واستمرارية تلك السيطرة، وتقول الدعوى بسيطرة الهاشميين على السلطة طوال الأحد عشر قرنا الماضية. ويسرد الباحث طبائع السلطة في التاريخ اليمني بالتفصيل للتحقق من هذه الدعاوي.

الفصل الثاني: التوزيع الهوياتي للسلطة في اليمن

 يؤكد الباحث أن هناك كثير من الجدل وقليل من الحقائق. ويأخذنا الباحث في مسح ومراجعة لكل ماكتب عن تاريخ اليمن ومن حكم، ويلخص الكاتب اسماء الدول التي حكمت اليمن وتاريخ ظهورها وتاريخ أفولها ومدة الحكم ونوع الانتماء العرقي والعشائري لها والانتماء المذهبي واسم العاصمة في جدول، وفي جدول آخر ياخص الانتماءات العصبوية لحكام العهد الجمهوري من حيث الانتماء المذهبي والعشيرة وفترة الحكم والانتماء المناطقي.

ويتوصل المؤلف إلى النتائج التالية التي يلخصها في جداول ورسومات بيانية توضيحية:

أهم العواصم بحسب فترة الحكم: 41% زبيد، 31% صنعاء، 28% تعز.

توزيع السلطة بين القحطانيين والعدنانيين بحسب الدول: 69% قحطانيين، 23% عدنانيين.

توزيع السلطة بين السنة والشيعة بحسب فترة الحكم: 65% سنة، 25% شيعة زيدية، 10% شيعة اسماعيلية.

ويؤكد أن السلطة تنقلت بين مختلف الانتماءات، وهذا ينقض اي تصور حول سيطرة نسب أو هوية بعينها على السلطة، وينقض على وجه الخصوص التصور الشائع بين اليمنيين والدعوى المركزية في جدلهم حول هوية السلطة التي تتهم الأئمة الهاشميين بالسيطرة على السلطة في البلاد أكثر من ألف عام.

ويخلص إلى أن هوية السلطة في اليمن لم تكن هوية جامدة، بل هوية متحركة وتعددية وعابرة للانتماءات. فقد تنقلت بين اليمنيين بمختلف هوياتهم؛ بين ذوي الأصول العربية وذوي الأصول الأفريقية، وبين القحطانيين الحميريين والكهلانيين، وبين العدنانيين الهاشميين والأمويين، كما تداولتها الجغرافيات المختلفة. 

وتثبت النتائج التي توصل لها الباحث كما يقول في النهاية، أن جدل اليمنيين حول هوية السلطة لا يقيم علاقة صحيحة مع تاريخ السلطة وتاريخ السياسة وصراعاتها في البلاد، وتثبت أن مالدى هذا الجدل وأصحابه من تصورات وأحكام بشأن هوية السلطة عبر التاريخ ليست أكثر من مسلمات شعبية بنت نفسها خارج الوعي بالتاريخ، ولا علاقة لها بحقائقه.  

العجيب أن الكاتب يعود لينسف كل ذلك في الفصلين الثالث والرابع:

يعرج في صفحة 133 لليمن الجمهوري حيث يقول:

" ففي اليمن الجمهوري مثلا، أصبحت السلطة والمعارضة والجماعات السياسية والأيديولوجيات والمواقف تُعرف وتصنف على أساس جهوي؛ فالعقائد والأيديولوجيات السياسية التقدمية ( اليسارية والقومية) ارتبطت باليمن الأسفل وبالجنوب، في حين ارتبطت العقائد المحافظة أو الرجعية السياسية باليمن الأعلى. "

ويلمح لحوادث حدثت في أغسطس 1968 حيث كادت الخلافات والمواجهات بين الجمهوريين تتحول إلى مواجهة بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل. "

" وتظل حوادث يناير 1986 في عدن أحد أهم ما يقدمه لنا الزمن الجمهوري من شواهد على ارتداء الصراع السياسي حلة مناطقية صارخة، فقد انقسم المتصارعون في الجنوب إلى فريقين: الزمرة والطغمة. الزمرة مناطق شبوة وأبين، والطغمة ردفان والضالع وإلى حد ما حضرموت. إن أهمية هذا المثل ودلالته تأتيان من كون الصراع حدث بين مجموعة من التقدميين الذين أعلنوا إيمانهم وتبنيهم الاشتراكية والأممية."

وهذا تحليل مهم لكنه غير كاف ، لكنه لم يضع تفصيلات كافية ليفهم القارئ حقيقة ما حدث، وكأن ذلك كان مدخل لتبرير ما سيأتي في الصفحات التالية التي تتناقض مع ما جاء في الفصلين السابقين.

ابتداء من الفصل الثالث وحتى نهاية الكتاب، يخلط حقائق تاريخية وسياسية بتحليلات متحيزة وأقوال أثبت عدم صحتها سابقا. 

ويبدو أن البحث والدراسة كانت هي الفصلين الأول والثاني أما الفصلين الأخيرين الثالث والرابع ليستا إلا محاولات لإرضاء طرف سياسي معين على حساب مبادئ البحث والدراسة العلمية الحقيقية. 

ومما يؤسف له أن هذا الأمر يبدو شائعا في كثير من الدراسات والتحليلات اليمنية، فنادرا ما نجد باحث يلتزم بشروط الحياد والنزاهة العلمية. 

السؤال هل يتعرض الباحث اليمني لضغوط تجبره على ذلك؟

 


 

قراءة لرواية فتاة من ورق لغيوم ميسو

 

نصحني أحدهم بقراءة هذه الرواية للاستمتاع بالخيال الغريب، لرواية تحكي عن سقوط بطلة الرواية من الكتاب بعد أن يصاب الكاتب بما يسمى عسر الإلهام، أو حبسة الكاتب. وعندما أمسكت بالرواية بيدي، قرأت على الغلاف الخارجي للرواية:


"مبللة وعارية تماما، ظهرت على شرفتي في عز ليلة ماطرة.

- من أنتِ؟ سألتها وأنا أقترب متفحصا إياها من أعلى إلى اسفل.

- لقد سقطتُ.

- سقطتِ من اين؟

- سقطت من كتاب. سقطت من حكايتك، !كذا!"

أي خيال هذا!

فتاة من ورق، هي بطلة رواية تخرج من بين السطور لتعيش مع الكاتب ...وبدأ خيالي ينسج حكاية مذهلة عما يمكن أن تكون عليه الرواية.

بصراحة، أعجبت بالفكرة بشكل غير عادي.

اشتريت الرواية، وشرعت بالتهام صفحاتها. 

من هو غيوم ميسو؟

المؤلف غيوم ميسو من أشهر المؤلفين الفرنسيين، ترجمت بعض رواياته إلى أكثر من عشرين لغة، وتحتل كتاباته قائمة أعلى الكتب مبيعا في العالم. صدرت أولى رواياته عام 2001.بدأ الكتابة وهو على مقاعد الدراسة في التاسعة عشرة من عمره.

ورواية فتاة من ورق من أبرز رواياته، صدرت باللغة الفرنسية عام 2010. وترجمت إلى اللغة العربية عام 2012 عن المركز الثقافي العربي، ترجمة شكير نصر الدين.

الرواية تبدأ بداية مختلفة عبر عناوين لعدد من الصحف تنقل أخبار رواية هي أشهر عمل أدبي للسنة لكاتب شاب مغمور طوم بويد فصارت تلك الرواية، كما نفهم من الأخبار، في غضون بضعة شهور على رأس قائمة المبيعات للسنة. 

ونعرف أيضا أن تلك الرواية هي الجزء الأول من ملحمة مكونة من ثلاثة أجزاء.  يترك الكاتب الشاب وظيفته بعد توقيع عقد مع دار النشر يخص كتابين إضافيين أو الجزئين التاليين من الرواية ونعرف أن العقد بمليوني دولار.

ونتابع عبر عناوين الصحف والايميلات قصة الحب الفاشلة للكاتب الشاب والتي سببت بسقوطه في فخ الإدمان ويعتقل في حالة سكر.


ومن الصفحة 25 تبدأ احداث الرواية بعيدا عن الصحف، فنعرف أن الكاتب يعيش في عزلة عن العالم تحت تأثير المهدئات بسبب قصة الحب الفاشلة التي انتهت بتخلي عازفة البيانو عنه، لكن صديقه صاحب دار النشر يحاول أن يخرجه من عزلته ليتابع كتابة بقية أجزاء الرواية دون جدوى. 


وفجأة تظهر تلك الفتاة التي سقطت من الرواية غير المكتملة لتظهر في شرفة الكاتب. يطلق عليها فتاة من ورق وتتوسل إليه أن يستمر بكتابة الرواية لتعود إلى عالمها في صفحات الكتاب قبل أن تموت، ولكن الكاتب يعاني من حالة اكتئاب شديدة، وتحاول مساعدته.

الرواية مليئة بالتشويق والإثارة والأحداث المتسارعة ويجد القارئ نفسه يلاحق الأحداث كأنه أمام أحد أفلام الحركة والتشويق الأمريكية، فهناك شرطة، واتهامات بالقتل....

وتنقلات من بلد لآخر، ومطاردات بالسيارات تحبس الأنفاس. قدرة هائلة على التشويق، خاصة لمن يهوى أفلام المطارادات والحركة والإثارة السينمائية التي لا تحدث في الواقع لكنها تسعد المشاهد. كل تلك المطاردات والتنقلات رافقت النسخة الوحيدة للرواية. نسخة وحيدة للرواية تنجو من الاتلاف بعد أن تقوم دار النشر بسحب كل النسخ للرواية من السوق بسبب عيب فيها وهذا ربما ما سبب سقوط بطلة الرواية.

لكنني توقفت عند سؤال: كيف عرف ميلو أن تلك النسخة لم تتلف؟الحبكة للرواية معتمدة على تلك النسخة.

  في رايي أن الروايات التي تقوم على عدد كبير من الصدف تصبح غير مقنعة، عندما يجد القارئ نفسه يقف للتساؤل. كل تلك الصدف أصابتني بالحيرة.


يجد القارئ نفسه يتابع مشاعر الكاتب الذي يقع في المعاناة بسبب ما يسمى حبسة الكاتب، ويتابع مقدار مايعانيه الكاتب عند الكتابة. وكيف يأتي الإلهام، ويستمر الكاتب في الكتابة لينقذ بطلة روايته من الموت. 

الرواية تحوي الكثير عن مشاعر الصداقة والحب والحوارات الرائعة.

فكرة أن بطلة الرواية فتاة تسقط من بين صفحات الكتاب فكرة عبقرية أدهشتني. فكرة رائعة، لكن كيف تمت معالجة الأحداث عبر صفحات الرواية ال441، لم تقنعني.

هي فتاة من ورق، يقع المؤلف في هواها.

قلت،  حسنا يمكن ذلك، ربما يزيد هذا من متعة الخيال ويجعل الأحداث أكثر إمتاعا.

لكنني أصبت بخيبة الأمل، فنهاية الرواية غير المتوقعة خيبت أملي فعلا. شعرت بالخيانة. لا ، ليس هذا ما توقعته. 

هل سبق لأحدكم أن قرأ رواية ووجدها مختلفة تماما عما تخيل، فشعر بالغضب؟


للأسف الترجمة ليست جيدة.

 اقتباسات من الرواية:

  - لكن الهوى يشبه المخدر، إن معرفة عواقبه المدمرة لم تمنع أحدا من الاستمرار في تدمير ذاته بعد أن دخل تلك الدوامة.

- لكن نادرا ما تجعل الشهرة شخصية من يصلوا إليها أفضل ما يكون. إنها تعمق الجراح النرجسية أكثر من تلطيفها.

- إن الصلة التي كانت تربطنا هي أبعد من التعاطف والمودة. ولم تكن أيضا مجرد صداقة عادية، بل كانت من تلك الوشائج الثابتة التي لا يمكن  بناؤها إلا في الطفولة والتي تلزم المرء طوال حياته، في اغلب الأحيان على المر أكثر منه على الحلو.

- ربما لأننا كنا نأمل بسذاجة أن عدم استحضار الماضي كان يسمح بمحوه. 

-الحظ هو وصل الإرادة بالظروف المناسبة، هذا ما زعمه سينيك.

- نحن نجهل في الغالب المحن التي يجتازها الناس الذين نحبهم أكثر.

- الكائن البشري هو بالتاكيد حيوان يتكيف مع كل المهانات.

- إن أي كتاب لا يصير على صورته إلا بالقراءة والقارئ هو من يمنحه الحياة، من خلال تأليف صور ستخلق ذلك العالم الخيالي الذي تعيش داخله الشخصيات.




 


 


قراءة لرواية حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا

 


رغم العدد الكبير لصفحات الرواية إلا أنها ممتعة حتى آخر صفحة...
تغلق الكتاب وفكرك لايزال هناك ...بين صفحات الرواية...
مع شخصياتها والاحداث الرهيبة التي تجعل نبضات القلب تتسارع...
الرواية ليست من بنات خيال الكاتب ...
هي قصة حقيقية ...أبطالها شخصيات حقيقية ...
لكنها تربكك...تؤلمك...
كيف يعيش شعب كامل تحت رحمة تيس...ديكتاتور يختصر كل شيء في شخصه العظيم ...
فهو يملك البلاد والعباد ...يمنح ويحرم ويقتل ويتفنن في تدمير النفوس ...
الغريب أن شخصية هذا التيس تنطبق كثيرا على شخصيات تيوس كثيرة نعرفها ...
الكاتب يملك قدرة عالية على تعذيب القارئ وتجريعه المرارة التي عاشتها شخصيات الرواية ...
تنتمي الرواية للواقعية السحرية....ببساطة هي تحفة أدبية مليئة بالسوداوية التي تلون الواقع ...وصف الواقع كما هو ولكن بطريقة احترافية ...
شعرت كأني أنا من يتلقى التعذيب في ذلك السجن الرهيب ...أي عالم مريع نعيش فيه ...
اميل كثيرا لقراءة الروايات التي ترصد وتسجل عذاب الناس ومعاناتهم بعيدا عن ترف الخيال والمبالغات الأدبية...
هنا الكاتب المبدع قرر أن يوثق التاريخ ...حماية للحقيقة وبكامل الأمانة التاريخية ...يرصد محاولة اغتيال المعلم والزعيم والقائد تروخييو الديكتاتور تبدأ الرواية بلحظات الاغتيال وتأتي الحكاية في الصفحات التالية لتحكي مايصدم القارئ...
الكاتب ماريو بارغاس يوسا المولود في بيرو في مارس من العام 1936 هو روائي وصحفي، وسياسي وناقد وأستاذ جامعي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 2010....ويعده النقاد واحد من أهم الكتاب اللاتينيين...

 

قراءة لكتاب الحوثيون في اليمن بين السياسة والواقع لعائدة العلي سري الدين:

 


يقع الكتاب في 264 صفحة، نشر عام 2010م.
تجذبنا بعض العناوين للكتب، لم لا ، وفي محاولة للفهم ممن يكتب عن علم ومعرفة نخوض مغامرة شراء الكتاب.
 
مؤلفة الكتاب لبنانية عملت مستشارة إعلامية في سفارة الجمهورية العربية اليمنية حتى 1990، وأكملت عملها في سفارة الجمهورية اليمنية حتى عام 1994م.
 
لكن بعد قراءة الكتاب يطل سؤال إلى أي مدى عرفت اليمن وحقيقة مايجري في اليمن.
لا ادري لماذا شعرت أن الكتاب عبارة عن تجميع لقصاصات من الأخبار عن اليمن من مصادر مختلفة، دون التحقق من مصداقية المصادر.
 
يتكرر الخبر الواحد بأكثر من طريقة عبر صفحات الكتاب، و يتكرر الخبر بصيغ متناقضة.
يبدو أن مراجع المؤلفة هي من ذلك النوع الذي يمارس التجني والتحريف للتاريخ.
المصادر الحكومية والرسمية عادة تفتقر للمصداقية والموضوعية، لأسباب سياسية ودعائية ولا يعتمد عليها لتأليف كتاب دون التأكد من صحتها...
وتحليلات الكاتبة للأسف تبدو ساذجة ومضحكة...
 
الغريب ان ماجاء في نهاية الكتاب يتناقض مع ماجاء في بدايته!!
الكتاب من ذلك النوع الذي لا يضيف لك شيء، كأنك تسمع نشرة أخبار رسمية تنقل وجهة نظر الحكومة التي تخفي الحقائق وتزور الواقع.

 

قراءة لكتاب: أزمة اليمن الطريق إلى الحرب لهيلين لاكنر

 


عبر 336 صفحة تأخذنا مؤلفة الكتاب ، التي عاشت في اليمن لفترة من الزمن، في رحلة عبر تاريخ اليمن لنفهم لماذا جاءت الحرب أو لماذا كانت اليمن تسير في طريق ينتهي بالحرب!
 
يستطيع القارئ بسهولة فهم ماتريده المؤلفة، فالدولة التي لا يبادر نظامها السياسي للاهتمام بمصالح الشعب، لن تجد من يفعل ذلك من دول العالم. وأيضا تفقد هذه الدولة احترام دول العالم، وتصنف دولة فاشلة لا تستحق الدعم.
 
تشرح كيف حول رئيس النظام السياسي في اليمن بلاده لدولة فاشلة، كيف أضاع الكثير من الفرص والدعم المالي لتحويل اليمن لبلد مستقر وتحسين اقتصاده برفضه لأي مشاريع حقيقية تخدم البلد وتحوله لبلد ديمقراطي مستقر اقتصاديا.
 
كان كل اهتمامه ينصب حول الحصول على المساعدات والاستيلاء عليها لصالحه وصالح من يعملون معه، في ظل سياسته التي عبر عنها بالرقص على رؤوس الثعابين.
بعد ثورة 26 سبتمبر عام 1962 غرق النظام في فخ تشويه صورة النظام السابق كوسيلة لتلميع ذاته بدلا من التفكير والعمل على تحقيق أهداف الثورة برفع مستوى الشعب وإزالة آثار العزلة.
عقدت مقارنات وتحليلات لوضع النظامين في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وأوضاع الناس المعيشية، فهي عاشت مع الناس البسطاء في كل منهما قبل الوحدة.
 
تقول في بداية الكتاب عن اليمن:
"اليمن بلد جميل للغاية، به مناظر طبيعية رائعة من جبال وصحراء وساحل. كما أن لديه العديد من الميزات الثقافية، بما في ذلك تراث معماري فريد بالإضافة إلى مواقع أثرية وثقافية تعود إلى ما قبل التاريخ، والتي لها أهمية كبيرة في تاريخ شبه الجزيرة العربية بأكملها والشرق الأوسط الأوسع. كل هذا يستطيع بسهولة أن يجعله أفضل الوجهات للسياحة الثقافية وسياحة المشي لذوي الدخول العالية، بالإضافة إلى البحث."
 
تشير في الكتاب إلى اسهام الناس في بناء المشاريع التي يحتاجونها في مناطقهم تحت مسمى التعاونيات وكيف حاول الرئيس الحمدي أن يفرض سيطرة الدولة على تلك المشاريع التي تنفذ من مساهمات الناس وجيوبهم الخاصة ، وبعدها جاء نظام الرئيس صالح فألغى تلك التعاونيات وحولها إلى مجالس محلية قضت على ما تبقى.
 
يعرض الكتاب المشكلات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة والمتداخلة والتي أدى التفاعل بينها إلى الحرب عام 2015، حيث كان عام 2011 هو عام الوصول إلى نقطة الانهيار. 
 
استمرت مستويات معيشة الشعب في التدهور، واستنفد الحكم الاستبدادي القائم على المحسوبية ومحاباة الأقارب طاقته.
وفشل النظام الانتقالي في توفير الحكم الرشيد والسياسات الاجتماعية والاقتصادية العادلةاللازمة لتغيير البلد جذريا.
وتحولت اليمن لبلد ممزق...
 
في ختام الكتاب ترى المؤلفة أن أي نظام جديد سينشأ في اليمن يجب عليه أن يركز على القضايا طويلة الأجل التي يواجهها الشعب وفي المقام الأول أزمة المياة...والتعليم..
التعليم سيضمن ظهور سكان متعلمين تعليما عاليا قادرين على استغلال إمكانيات القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني استثمار ضخم في التعليم يستهدف سكان الريف والحضر في جميع أنحاء البلاد، وسياسات تعزز تكافؤ الفرص الاقتصادية وإنهاء المحسوبية والمحاباة مما يشكل عنصر من عناصر اليمن الجديد الذي تحكمه إدارة جيدة...
 
الكاتبة تعرضت للكثير مما يحدث في البلد ويظهر بوضوح مدى فهمها ومعرفتها بالمجتمع اليمني وهمومه وعلاقة ما يحدث بالسياسات الدولية مما يصعب عرضه هنا ...
الكتاب يستحق القراءة لمن يهتم بفهم جزء من حقيقة مايدور في اليمن ممن يكتب بعيدا عن التحيز لأي طرف...

 

فيلم سينمائي يستحق المشاهدة

 بعض الأفلام تثير قضايا مهمة في حياتنا، تنبه لوجود خطأ ما يحتاج أن ننتبه له. تعلمنا دروس مهمة وتفتح أعيننا على أمور منسية....

فيلم الأب من بطولة أنتوني هوبكنز يحكي قصة رجل مسن من ويلز يعاني من فقدان الذاكرة المتطور أو الخرف. مدة الفيلم 97 دقيقة، يعيشها المشاهد وهو يتابع أحداث الفيلم التي تشده حتى النهاية. ما الذي يحدث بالضبط؟ يعيش المشاهد مشاعر الحيرة التي يعيشها بطل الفيلم الذي تختلط عليه الأمور من اللحظة الأولى. من هم الذين يريدون دفعه للخروج من شقته، فهو يعلن بحزم أنه لن يغادر شقته. لنراه في مشاهد أخرى في شقة مختلفة عن السابقة. يعاني من الارتباك وهو لا يتعرف على الأشخاص، من هذا الجالس على المقعد في شقته.

يشعر بالغضب عندما يلاحظ قطع أثاث لا يتعرف عليها ويستغرب كيف تغير ابنته أثاث الشقة دون أن تخبره. الفيلم ببساطة يضع المشاهد في ذهن الشخص الذي يفقد ذاكرته تدريجيًّا، يجد المشاهد نفسه يشعر بالحيرة والارتباك أيضًا كما يحدث لبطل الفيلم.

فيلم الأب The Father

يقدم الفيلم صورة تعاطفيه للمصاب بالخرف. كيف تكون الحياة بعيون وذهن ذلك المصاب الذي لا يفهم ما يدور من حوله. تقديم نظرة دقيقة ترسم زحف أعراض الخرف والأضرار التي تلحق بمن هم على مقربة من المصاب. فالمشاهد يرى ملامح الحزن الشديد والحيرة على وجه ابنته وهي لا تفهم ما يحدث لوالدها، ولا تدري كيف تتعامل مع تلك التغيرات التي تصيبه، وذلك العناد.

لا يحاول الفيلم أن يصف لنا ما يشعره المريض، بل يقوم بأكثر من ذلك، فيجعلنا نعيش داخل ذهن المصاب، فنصاب بحيرته، ونشعر بغضبه لعدم فهمه لما يحدث. فهو ينسى الوجوه، فيسأل ابنته بحيرة عمن تكون؟

يعيش المشاهد الأحداث كما يراها المريض. كيف يظن أنه مرّ بموقف معين، ثم يكتشف المشاهد عدم حدوث ذلك الموقف. ربما كانت ذكرى من الماضي. وهكذا يعيش المشاهد شعور مشابه لشعور الشخصية التي تكتشف بعد كل موقف أنها تفقد الذاكرة. فيحصل بطل الفيلم على تعاطف المشاهد عبر لقطات متتالية تتميز بأداء ممتاز بشكل مذهل ومفجع.

نرى التخبط الذي يقع به بطل الفيلم وهو يسأل عن ابنته الأخرى التي يشتاق لها ويستغرب لم لا تزوره، ونفهم من إجابات ابنته والحزن الذي يرتسم على ملامحها أن أختها أصيبت بحادث، لكنه لا يتذكر ذلك. ينسى دومًا أين وضع ساعة يده، فيبحث عنها ويشعر أن هناك من سرقها، لكن ابنته تكتشف أنه وضعها في ذات المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه. ابنته لا تفهم تصرفات والدها الغريبة. تظل تلك الساعة التي نراه يبحث عنها وكأنها رمز للزمن الذي يضيع من يديه ومحاولته البائسة للإمساك به.

إنها فوضى وانهيار الذاكرة. والشعور بالعجز عن التفريق بين الماضي والحاضر. ويشارك المشاهد بطل الفيلم مشاعر الحيرة والارتباك حتى تلك اللحظة التي يصل فيها الممثل إلى مرحلة من الأداء المذهل والمؤلم وهو ينهار باكيًا كطفل فقد أمه وهو لا يعرف أين هو.

برع الممثل برسم الصورة الداخلية للشخصية وما تعانيه مع حضور مستمر لساعة اليد التي يحرص على لبسها لكنها تضيع ولا يدري أين هي كالزمن الذي يتبدد في ذهنه. لن تشعر بالملل وأنت تشاهد الفيلم رغم محدودية المكان فأنت في حالة ارتباك وذهول وتعاطف كبير. الممرضة تحتضن العجوز أنتوني في نهاية الفيلم وتقول له إن كل شيء سيكون على ما يرام، فيهدأ كطفل تحتضنه أمه فيشعر بالهدوء.

تدور أحداث الفيلم عن الأب أنتوني المسن والذي يرفض الاعتراف بتقدمه بالعمر وحاجته لممرضه تعتني به في حالة غياب ابنته. وصعوبة أن يعيش بشقته الفاخرة وحيدًا. هو يرفض المساعدات والاقتراحات التي تقدمها له ابنته.

ابنته تعيش مشاعر الحيرة بين مسؤوليتها تجاه أب يحتاج للعناية ويتوقع أن تستمر بتقديم العناية له، واستكمال حياتها خاصة وهي ستغادر البلاد لتعيش في فرنسا وشعورها القوي بالشفقة تجاه والدها.

الفيلم ليس قصة عادية عن مسن مصاب بالخرف، بل تجربة تدعو المشاهد ليعيش للحظات داخل ذهن رجل يعاني ولا يفهم ما يدور من حوله ويعجز عن تفسير التناقضات التي يراها، وهو لا يميز المكان ولا الوجوه، وينسى أحداث حدثت من لحظات، وكيف يمكن لرفض المساعدة أن يتسبب بتمزق عاطفي لمن هم أقرب الناس إليه. استطاع الفيلم بنجاح اختراق عواطف المشاهد وجعله يعيش تجربة المصاب بالخرف. لأنه يجد نفسه داخل رأس الشخصية. يرى كل شيء بعين الشخصية وتفسيراتها ويتبنى مواقفها.

مع من ستتعاطف؟ مع المصاب بالخرف الذي يريد العيش في شقته ويرفض أن تأتي من تساعده وتهتم به، ويرفض الانتقال لبيت ابنته وبعده الانتقال لدار للمسنين، أم تتعاطف مع ابنته التي مزقتها الحيرة.

الفوز بالجائزة

الممثل أنتوني هوبكنز فاز بجائزة أوسكار أفضل ممثل في حفل توزيع جوائز الأوسكار رقم 93 في لوس انجلوس. عمره 83 عام. الفيلم من إخراج الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي فلوريان زيلر. الفيلم المأخوذ عن مسرحية الأب التي صدرت عام 2012، أيضا حاز على أوسكار أفضل سيناريو مأخوذ عن عمل أدبي. الفيلم إنتاج فرنسي بريطاني مشترك، وهو من بطولة: أنتوني هوبكنز، وأوليفيا كولمان، ومارك جاتيس.

أسئلة يثيرها الفيلم

عندما انتهى الفيلم وأُضيئت الأنوار في صالة السينما لاحظت أن من حضروا الفيلم في حالة ذهول. لم يقف أحد منهم للخروج كما يحدث عادة عندما يقف البعض للخروج بمجرد فهمهم أن الفيلم وصل لنهايته. اتفهم المشاعر التي اجتاحتهم جميعًا. الفيلم صرخة غير عادية للجميع، لأولئك الذين يسكن معهم في البيت شخص مسن. فقد يكون الفيلم نبههم لفهم ما يحدث. وربما هو تنبيه لما سيحدث.

سألت نفسي: ماذا عن دور المسنين في بلادنا؟ الثقافة عندنا تعيب من يضع المسن هناك، وتصور الحياة هناك جحيمًا وتعرض المسن للإهمال والقسوة. فهل المسن بين أهله يحظى بما يحتاج من تفهم واهتمام، خاصة مع بدء انقراض العائلة الكبيرة التي يعيش فيها أجيال مختلفة. مع الإيقاع السريع للحياة التي نعيشها هل سيحظى كل مسن بمن سيتفرغ للعناية به من الأهل ولا نحتاج للاهتمام بتلك الدور التي يتلقى فيها المسنون الرعاية والاهتمام؟ وهل من يقدم الرعاية للمسنّ يشبه الممرضة الرائعة بتعاطفها وتفهمهما في الفيلم والتي يظن بطل الفيلم في بعض المشاهد أنها ابنته الثانية؟

وبالعودة لأحداث الفيلم، من القسوة إرغام المسن على ترك شقته التي اعتاد عليها، لكن رفضه لتلقي المساعدة يجعل الأمور صعبة. هل تستحق ابنته أن نلومها لأنها اختارت أن تضع والدها في دار للمسنين بدلًا من ضياع فرصتها في العيش مع من تحب في فرنسا؟

ما أصعب الإجابة!

نشر المقال على منصة زد:

https://ziid.net/art-intertainment/cinematic-movie-worth-watching/