حوار في العدد السادس لمجلة سلاف الثقافية

 

 

تمثل الرواية اليمنية اليوم نافذة مهمة لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد، حيث باتت تتناول قضايا الحرب والنزوح والفقر والصراعات المختلفة، إلى جانب تسليط الضوء على الموروث الشعبي والثقافي. في هذا السياق، برزت أسماء أدبية عديدة استطاعت أن تعكس هموم المجتمع من خلال السرد، ومن بين هذه الأسماء الروائية أحلام جحاف، التي تميزت أعمالها بتناولها العميق للواقع اليمني، ورصدها لمعاناة الإنسان في ظل الأزمات المتلاحقة.

في هذا الحوار، نتناول مع الكاتبة رؤيتها للواقع الأدبي في اليمن، وكيفية تفاعل الرواية مع القضايا الحساسة، إضافةً إلى مناقشة دور الأدب في مقاومة الموروثات التقليدية، وتأثير الظروف السياسية والاقتصادية على الإنتاج الأدبي. كما نناقش موقفها من مصطلح "الأدب النسوي"، ووجهة نظرها حول الصراع بين الأجيال، وتأثير العادات والتقاليد على المرأة في المجتمع اليمني.

حوار/ يحيى اليازلي

 

-       كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ ومن كان له التأثير الأكبر في مسيرتك الأدبية؟ وما هي التحديات التي واجهتك كامرأة تكتب في اليمن، كيف نظرين لمصطلح الأدب النسوي؟

 

القراءة تمهد للكتابة... وأنا أعشق القراءة منذ سن مبكرة... والدي رحمه الله علمني القراءة والكتابة قبل سن المدرسة... كان قارئا نهما وكبرت وأنا محاطة بالكتب... لوالدي مكتبة عامرة.... كتبت اليوميات من أيام المدرسة وكان معي دفتر خصصته لكتابة القصص الخيالية وكانت الطالبات يتناقلنه... وللأسف اختفى ذلك الدفتر وحزنت كثيرا... ولم أعرف من أخذته...

 

وقد تأثرت بما شهدته الرواية اليمنية في السنوات الأخيرة؛ إذ بدأت تواكب إلى حد كبير التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، ويمكن رصد ذلك من خلال ملاحظة المواضيع التي تناقشها الرواية من القضايا المعاصرة مثل قضايا الحرب والصراعات السياسية، وتأثيرها على حياة الناس، وغيرها من القضايا الاجتماعية مثل الفقر، والبطالة، والتمييز، وقضايا المرأة.

أما بالنسبة للحراك الثقافي النسوي في اليمن، فأنا لست مع المصطلح من الأساس، فمن وضع مصطلح أدب نسوي لا أفهم دوافعه لأن الأدب هو أدب إنساني يهتم برصد هموم المجتمع نساء ورجالاً، والمصطلح فيه تمييز ضد المرأة من وجهة نظري وعزل لقضاياها كأنها تعيش بمعزل عن العالم.

وأبرز التحديات هو ما تعانيه المرأة من الظلم والتهميش وكذلك الرجل في مجتمع يعاني من سقف منخفض للحرية وفهم مغلوط لكثير من المصطلحات والمسميات، وخلق صراع بين الرجل والمرأة ليس من مصلحة أحد بل يؤدي لتشتت الجهود.

 

 -كيف تصفين طريقتك في السرد؟ وما هي الموضوعات التي تجدين نفسك ميالة لكتابتها باستمرار؟ وهل تؤمنين بأن على الروائي الالتزام بقضايا مجتمعه أم أن الإبداع حرية مطلقة؟

لكل كاتب طريقته في السرد أو ما يسمى بصوته الخاص... أنا أكتب وأترك هذا الوصف للقارئ وخاصة للنقاد... لأني عند الكتابة أجدني أكتب منغمسة بالكتابة ولا أتوقف للتفكير بطريقة السرد، السرد بالنسبة لي يعتمد على الموضوع وشخصيات العمل والفكرة، كيف تصل الفكرة للقارئ!

وبالنسبة لي فإني أميل للكتابة عن معاناة الناس في مجتمعنا، مجتمعنا لايزال مجهولاً وقضاياه مغيبة وتاريخنا مجهول أو مشوه ويحتاج أن نكتب عنه وعن الإنسان المهمش فيه.

صحيح أن الإبداع حرية مطلقة ومن الصعب أن يملي عليك أحد أن تكتب عملاً أدبياً عن موضوع معين، على الكاتب أن يعيش المعاناة ويتقمصها حتى لو لم تكن تجربة شخصية بل لآخرين، لكن إذا لم ينغمس بمشاعره في تلك التجربة سيكون العمل باهتا والشخصيات لا لون لها؛ فالقارئ يتفاعل مع العمل الذي يجد فيه صدى لتجاربه وشيء من معاناته بحيث يستغرب كيف استطاع الكاتب أن يصف هذه المشاعر بدقة.

 

- كيف أثرت الظروف السياسية والاقتصادية على الإنتاج الأدبي في اليمن؟

 هذه الظروف أثرت بشكل كبير على الإنتاج الأدبي في اليمن بسبب انشغال عدد كبير من الأدباء والمنشغلين بالأدب بقضايا لقمة العيش، وتعثرت عمليات النشر بسبب توقف أو صعوبة عمل دور النشر المحلية، بسبب هذه الظروف هاجر عدد من الأدباء خارج اليمن مما أثر على الإنتاج الأدبي داخل البلد.

مواضيع الأعمال الأدبية تأثرت أيضا وأصبح أغلبها يتناول مواضيع الحرب والصراعات والنزوح والفقر والمعاناة الإنسانية، وأيضا القارئ تأثر وضعه الاقتصادي وتراجع اهتمامه بالكتاب الذي أصبح نوع من الترف يصعب الحصول عليه.

 

-  شهدنا ازدهارًا في أدب السيرة الروائية والرواية الذاتية؛ كيف تنظرين إلى هذا النوع من الكتابة؟ وهل ترين أن المزج بين التجربة الشخصية والخيال يثري العمل الأدبي أم يحد من انفتاحه؟

أدب السيرة الذاتية من أكثر الأعمال الأدبية شهرة، وتجيب القراء بدافع الفضول والبحث عن الحقائق وفهم أسباب ما حدث من أمور غامضة، هو أدب عالمي له مكانته؛ لكن المشكلة في البلاد العربية هي التحفظ وصعوبة كتابة كل شيء بشفافية كما يحدث في العالم الغربي...

ويميل العربي للظهور بصورة مثالية خالية من العيوب وكأنه منزه عن أي خطأ... لهذا لا نتعلم من دروس الحياة ولا نكتسب خبرة...

والمزج بين الخيال والحقيقة يثري العمل الأدبي بشرط عدم اللجوء لتشويه الحقائق وتزوير التاريخ والإساءة المتعمدة للآخرين... لكن الخيال بصفة عامة جميل...  


 - كيف تتقاطع حياتك الشخصية مع القضايا الثقافية الأوسع في اليمن؟ وهل ترين أن السرد الشخصي يمكن أن يكون نافذة لفهم تحولات المجتمع وتحدياته؟

الكاتب جزء من المجتمع الذي يعيش فيه... فتجاربه الشخصية وأفكاره ومشاعره تتشكل داخل هذا المجتمع وتتأثر بكل ظروف البلد...

وبالتالي ما يكتبه الكاتب يعبر عن قضايا المجتمع وهمومه... بل أستطيع القول إن السرد الشخصي يعد وثيقة تاريخية مهمة تسجل تحولات المجتمع وتحدياته... ويقدم رؤية إنسانية عميقة للواقع ويكشف عن الجوانب المخفية للحياة في اليمن .

 

 - كيف تجدين تفاعل القراء مع أعمالك، خاصة تلك التي تتناول قضايا حساسة في المجتمع اليمني؟

 لا أستطيع الحكم على تفاعل القراء مع أعمالي لأن ما أكتبه نشر خارج اليمن ولم يصل للقارئ في اليمن.

وما يقال لي من العدد القليل الذي تمكنوا من الحصول على نسخ قليلة أعده من باب المجاملة.

 

-  برأيك، ما هي أبرز القضايا التي تواجه المرأة في الحكاية الشعبية اليمنية؟ وهل تعتقدين أن هذه الحكايات أنصفت المرأة أم كرّست صورًا نمطية تؤثر على وضعها؟

صور المرأة في الحكايات الشعبية متنوعة هناك قصص تصورها غبية لا رأي، لها لكن هناك قصصاً تصفها بالحكمة وسداد الرأي وسعة الحيلة وذلك التصوير هو انعكاس لرأي المجتمع وثقافته، ومجتمعنا لايزال حتى اليوم يعيش نوع من العزلة عن العالم وبالتالي تلك القصص ليست غريبة ولاتزال النظرة الدونية للمرأة والسخرية تكون بوصف الرجل أنه امرأة.

 

- في مجتمع يتشبث بالخرافة رغم الأدلة العلمية، ما هو الدور الحقيقي للأدب في هدم هذه المعتقدات؟ هل يمكن للقصة أن تكون أقوى من البرهان العلمي؟ وهل تعتقدين أن الخرافة تؤدي وظيفة نفسية أو اجتماعية تجعل المجتمع متمسكًا بها رغم تناقضها مع العقل؟

 الأدب لا يقدم حلولاً أو إجابات لكنه يلعب دوراً محورياً في تفكيك المعتقدات الخاطئة لأن الأدب يخاطب القلب، يلامس العاطفة لكن البرهان العلمي يخاطب العقل وهذا يصعب على كثير من الناس فهمه والتعامل معه .

كما أن الأدب يثير المشاعر ويخلق تجارب عاطفية قوية فيجعل الأفكار أكثر رسوخاً، فالحكاية في الأدب تجعل الأفكار المجردة ملموسة مما يسهل على القارئ فهم وتقييم تلك الأفكار التي تتجسد على هيئة شخصيات وأحداث في الرواية أو القصة.

بالإضافة لذلك فالأدب لا يقدم إجابات جاهزة بل يطرح أسئلة ويشجع القارئ على التفكير النقدي عبر تقديم التناقضات في التفكير الخرافي، وهو يوفر بدائل قد تظهر على لسان الشخصيات ويحتاج القارئ أن يفكر فيها لفترة من الوقت حتى تترسخ ويفهمها.

أما بالنسبة للخرافة فهي بالفعل تلعب دوراً نفسياً وتفسر ما يصعب فهمه وتمنح المرء الشعور بالأمان في عالم متسع يصعب فهم كل حقائقه فهي تقدم تفسيرات بسيطة ومقبولة بعيداً عن تعقيدات التفسيرات العلمية.

ويصعب محاربة الخرافة بالتحريم والسخرية؛ بل تحتاج وقتاً وجهوداً وتعليماً حقيقياً يبسط الحقائق ويشجع على التفكير الناقد بمناهج مختلفة جذرياً عن المناهج التعليمية الحالية.

 

- في قصص مثل "الزنيحية" يظهر الصراع بين الأجيال جليًا؛ برأيك، هل التمرد على السلطة الأبوية هو الطريق الوحيد للتغيير؟

الصراع بين الأجيال هو جزء من الواقع خاصة في المجتمعات الحية التي تتحرك للأمام ولا تقف في المكان نفسه لمئات السنين، في مجتمعاتنا يتم قمع التمرد على السلطة الأبوية بدعوى احترام الصغير للكبير وأن الكبير دوماً على حق وهو أكثر خبرة وتجربة.

لكن الأجيال الأصغر غالباً تميل لتحدي الأعراف والتقاليد التي تقيد حركتهم وتتعارض مع الأفكار الجديدة.

وهذا الصراع ليس حتمياً لو أن الجيل الأكبر يتبنى الحوار وقبول آراء الأجيال الأصغر، خاصة في عصرنا فالجيل الأكبر سنا يمكن أن يتواضع ويتعلم من الجيل الأصغر سناً، والجيل الأصغر يستفيد من حكمة الجيل الأكبر.

لكن تعنت الكبار يؤدي للتمرد ورفض كل ماله علاقة بالجيل السابق وللأسف هذا قد يؤدي لضياع كثير من التقاليد والقيم الجميلة وبالتالي يؤدي لتغيرات لا تكون بالضرورة إيجابية، وأنا مع الحوار بين الأجيال.

 

- في مجموعتك "لست سوى امرأة"، المرأة تبدو أحيانًا ضحية وأحيانًا أخرى جزءًا من دائرة الاستعلاء؛ كيف توازنين بين هذين الدورين؟

في هذه المجموعة سعيت لأن تكون الشخصيات تعبيراً عن الواقع الذي تكون فيه المرأة أحيانا ضحية وأحيانا هي الجانية، هذا جزء من الواقع؛ فهناك امرأة ضحية، وقد تكون ضحية لامرأة أخرى وليس بالضرورة أن يكون الجاني رجلاً، ونعرف رجالاً وقعوا ضحايا لنساء لا يعرفن الرحمة، من المبالغة أن نقول أن المرأة دوما ضحية .

 

 - إلى أي مدى تشعرين أن الأدب يمكن أن يسهم في تغيير النظرة المجتمعية للمرأة؟ هل تعتقدين أن الأساطير الشعبية لا تزال تؤثر في العقل الجمعي اليمني؟ وهل ترين أن للأدب دورًا علاجيًا في معالجة الجروح النفسية الناتجة عن العادات الاجتماعية القاسية؟

الأدب سيكون له أثر في وجود القارئ... لا أملك إحصاءات تكشف حجم القراءة في مجتمعنا...

لكن من متابعة من نعرفهم من حولنا يبدو أن نسبة القراء متدنية... ودون قارئ نهم يحب متابعة كل ما يكتب ستظل مشاكلنا كما هي.. لأن ارتفاع الوعي بين الأفراد يلعب دوراً مهماً في خلق مجتمع أكثر وعيا ولديه قابلية لفهم مشاكل المجتمع والإحساس بها والبحث عن حلول... وهذا يحتاج إعادة نظر للمناهج التعليمية حتى في الجامعات...

المدرسة التي لا يتخرج أغلب الطلاب منها وهم على علاقة طيبة بالكتاب هي مدرسة لا تلعب دورها الحقيقي... وبالتالي ما قيمة أدب لا يصل لأيدي القراء!!!

 

- في "إضرام النيران"، كيف تعالجين فكرة اغتراب المرأة عن ذاتها بسبب القيود الاجتماعية والثقافية؟ وهل تعتقدين أن التجربة التعليمية للمرأة اليمنية هي صراع بين تحقيق الهوية الفردية والخضوع للتقاليد الجمعية؟ وكيف يمكن للمرأة المعلمة أن تعيد تعريف دورها خارج الإطار النمطي الذي يفرضه المجتمع؟

إضرام النيران عكست الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصية بين القيود التي تكبلها وما تريد تحقيقه في الواقع... فهناك قيود تفرضها الإدارة المدرسية وتتعارض مع مصلحة الطالبات وحتى العملية التعليمية...

فالمعلمة مرغمة على الالتزام بقوانين غير منطقية ولأن الإدارة لا تتقبل أي نقد أو توضيح لخطأ يمكن تلافيه فيتحول العمل لمجرد إجراء روتيني يفقد أهميته ووظيفته الحقيقية؛ فالإدارة تهتم فقط بالشكليات...

وأنا أتفق مع أن التجربة التعليمية للمرأة اليمنية هي صراع بين تحقيق الهوية الفردية والخضوع للتقاليد الجمعية... لأن من تناقضات مجتمعنا أنهم ينادوا بضرورة التعليم وخاصة للفتيات لكنهم ضد أي تغيير في المجتمع... هناك إصرار على أن يبقى المجتمع كما هو بالثقافة ذاتها ودون الاهتمام بحقيقة تغير العصر والزمن... لهذا تعيش أغلب الأسر اليمنية تناقضاً غريباً فهي تمارس حياتها خارج اليمن بالشكل الذي تحرم هي على نفسها فعله داخل اليمن وهذه كارثة خاصة أنها تحدث من شخصيات وعائلات تحكم ولها سلطة...

و المرأة المعلمة في مجتمعنا اليمني تستطيع أن تكون قدوة للطالبات فيكتسبن منها قوة الشخصية والطموح ويمكنها أن تنشر الوعي بينهن بحقوقهن... لكن دور المعلمة لوحدها سيظل قاصراً لأن قيود المجتمع تكبح الجميع... فالفتاة ستتزوج وستجد كل ما تعلمته مجرد أفكار نظرية...

لذا؛ فالأمر أكبر من قدرة المعلمة هو بحاجة لتظافر جهود شخصيات واعية ومثقفه من كل المستويات وتؤمن بضرورة حدوث تغيير حقيقي في مجتمعنا اليمني... لأن المشكلة من وجهة نظري لا تكمن في المرأة فقط بل في الرجل لأن العادات والتقاليد تكبل الجميع بدرجات متفاوتة...

وأنا لست ضد العادات والتقاليد، لكن العادات والتقاليد تتغير بتغير الزمن لأنها تعبر عن ثقافة المجتمع وتفاعل أفراده مع متطلبات العصر... ففي مجتمعنا هناك حاجة لتحرير العقل من سلطة الماضي والقبول بأننا أبناء عصر مختلف وهذا لا يعني الانسلاخ عن الثقافة والعادات والتقاليد بل تطوير كل ذلك... نحن من يفعل ذلك لا أن يفرض علينا.

 

 - هل يمكن للكتابة أن تكون وسيلة للتحرر الشخصي؟ وكيف توازنين بين الكتابة كأداة للبوح والالتزام بقضايا المجتمع؟ إلى أي مدى يمكن اعتبار التعليم في الرواية وسيلة للخلاص الروحي والمعرفي، وليس فقط كوسيلة للترقي الاجتماعي؟

 الكتابة توفر مساحة للتعبير عن المشاعر والأفكار التي يصعب التعبير عنها في الحياة اليومية...

كما تسمح للكاتب باكتشاف جوانب مختلفة من شخصيته... وهي وسيلة لفهم أنفسنا بشكل أعمق...

وبالكتابة يمكن تجاوز القيود الاجتماعية وغيرها من القيود إلى حد ما... لكن لايزال سقف الحرية في مجتمعاتنا العربية منخفض والسقف أكثر انخفاضا في مجتمعنا اليمني لهذا يحاسب الكاتب على كل كلمة..

رغم أن الأدب يوفر مساحة لتحدي الأعراف والقيم السائدة ويترك للكاتب الحرية للتعبير عن رأيه... وهذا في صالح المجتمع ولكن في واقع الأمر يشهر في وجه الكاتب سلاح التكفير والاتهام بالخروج عن تقاليد المجتمع المحافظ... ومجتمعنا يرفض وبإصرار عجيب الاعتراف بمشاكله وسلبياته وينكر وجودها...

ومع أن المجتمعات الحية تستفيد من الأدب لإصلاح الخلل بعد الاقتناع بوجوده والبدء بنقاش حوله والبحث عن الأسباب والحلول... لكن نحن نصر أننا مجتمع فاضل لا يعيبنا شيء... وأي نقد أو إشارة لما يحدث من سلبيات وجرائم وغيره هو تشويه لمجتمعنا المثالي ونوع من إشاعة للفاحشة داخل هذا المجتمع البريء جداً...  وما شابه...

والتعليم الحقيقي يوسع الآفاق عبر اكتساب طرق التفكير النقدي وإخضاع كل شيء للنقد وعدم تقبل أي معلومة كحقيقة قبل البحث عن مصدرها... هذا يعني أن التعليم يساعد على إحداث تغيير في السلوك يقاوم سلبيات المجتمع...

فالتعليم يمكن أن يساعد على النمو والتطور على المستويين الروحي والمعرفي برفض أن تكون الشخصية مجرد متلق لأوامر ضد قناعاتها وما تؤمن به...

 

- لماذا اخترتِ عنوان "إضرام النيران" تحديدًا؟ وهل كان لسقراط تأثير خاص على تجربتك التعليمية؟ وكلمة "النار" في العنوان تحمل دلالات رمزية عميقة؛ هل تمثل التطهير، الثورة، أم صراع الذات مع قيود الواقع؟

- وقفت كثيرا أمام قول سقراط: التعليم هو إضرام النيران، وليس ملء الوعاء “لأن ما رأيته أثناء عملي في مجال التدريس هو ملء أوعية... حتى تجربتي كطالبة... أغلب المعلمين كانوا يهتمون بملء الوعاء فعلا...

ماذا نسمي تلقين الطالب الأجوبة التي ستأتي في الامتحان؟ وتحديد مواضيع بعينها للتركيز عليها وحفظها... حفظها كما هي دون فهم للنجاح في الامتحان والحصول على درجات عالية والاهتمام بنسبة النجاح في المدرسة؟ استفزتني العبارة بشدة وكانت فعلاً تلخص مأساة التعليم التي شهدتها...

والنار في العبارة ترمز لدور التعليم في تنمية القدرة على التفكير الحر والإبداع في المتعلم، و أن يغرس التعليم فيه الرغبة في اكتشاف الجديد والتمرد على الأفكار التقليدية السائدة والبحث عن أجوبة لكل الأسئلة التي تثار... فالتعليم حسب سقراط يشعل الفتيل... يقدح الفكرة ويترك الباقي للمتعلم الشغوف بالمعرفة للبحث والاكتشاف وهذه عملية لا تتوقف بالتخرج من المدرسة...

لكن ما يقوم به التعليم من تلقين وملء أوعية فهو يقضي على أي فرصة للتفكير... المعلم يفرض ويحدد الإجابة بل يفعل ذلك الدكتور في الجامعة والذي يتعمد رسوب الطالب الذي يخرج عما قاله في محاضراته...

كما أن التلقين يلغي القدرة على التفكير وينتج أفراداً يسلمون عقولهم لمن يديرها يميناً أو شمالاً... وهذا يناسب السلطة السياسية... 

 

 - كيف ترين تأثير التيارات السياسية، خاصة تأثير الإسلام السياسي الذي ذكرته الرواية، على العملية التعليمية؟

 - التيارات السياسية المتشددة والتي لا تعترف بالآخر وتعمل على شيطنته والدعوة لمحاربته... أثرت بشكل سلبي وخطير على كل المجتمع اليمني وعلى التعليم... في الرواية إدارة المعاهد التعليمية ترفض تعيين المعلمة لأنها تشترط زياً وهيئة محددة لزوج المعلمة... كما تمارس نوعاً من الضغط على المنتسبين لها لنشر الآراء السياسية التي تلائمها في المدارس بمحاولة بيع تلك الشرائط للدعاة...

 

- ما الذي أردتِ تجسيده من خلال شخصية العم عبدالله في الرواية، كيف وظفتِ الرمزية في ربط الشخصيات الواقعية بالأفكار الفلسفية لخدمة القصة؟

 العم عبدالله أو "أبي عبد الله" كما يناديه الجميع، هو تجسيد لفكرة أن ليس كل ما هو قديم هو بالضرورة سيء... الاستفادة من خبرات الماضي تدل على الحكمة... الرمزية في العمل الأدبي تسمح بتجاوز الواقع المباشر وإضافة أبعاد جديدة للقصة، وتحويل الأفكار الفلسفية المعقدة إلى صور ملموسة قابلة للفهم... مع ترك مساحة للقارئ لتفسير تلك الرموز بطريقته الخاصة...

 

 - هل لديكِ مشاريع روائية جديدة تتناول قضايا مشابهة؟ هل تخططين لاستكشاف مواضيع جديدة في أعمالك القادمة، أم ستواصلين الغوص في قضايا المجتمع التقليدي؟

 نعم هناك أعمال أدبية انتهيت منها... المشكلة هي في إيجاد دار النشر التي تهتم بنشر وتسويق العمل...

الغوص في قضايا المجتمع التقليدي يستحق أكثر من عمل، لكن استكشاف مواضيع جديدة مغامرة تعاملت معها بكتاب في أدب الرحلة لم ينشر بعد...

 

 - برأيك، هل يمكن تحويل "إضرام النيران" إلى عمل تلفزيوني؟ وإن كان كذلك، كيف تتخيّلين أن يُعرض هذا العمل؟

 ليس من السهل تحويل عمل أدبي إلى عمل تلفزيوني... وهذا يتطلب مخرجاً متميزاً يفهم العمل الأدبي وعنده القدرة لتحويله إلى عمل تلفزيوني مؤثر، ولا يمكن إغفال دور كاتب السيناريو والممثلين... بمعنى هو عمل لفريق متكامل وليس دور الكاتب التفكير في هذا...

 

 - كيف تصفين دور الأدب في معالجة قضايا التعليم والتغيير الاجتماعي في اليمن؟

 كما قلت سابقا الأدب لا يقدم حلولاً لمعالجة القضايا... بل يلفت الانتباه لتلك القضايا عن طريق عرضها وتقديمها بشكل إبداعي داخل العمل الإبداعي ربما عن طريق تصوير معاناة الطلاب أو المعلمين...

والأدب يساهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة عبر نقل صور حية للواقع... والقارئ يتفاعل مع ما يقرأ وتدفعه تلك الصور للتفكير في رداءة الواقع والحاجة للتغيير...

 

- كيف تعتقدين أن القصص التي تُروى للأطفال بدافع التربية أو التخويف تشكل وعيهم النفسي والاجتماعي على المدى الطويل؟ هل تعتقدين أن الخوف يمكن أن يكون أداة فعالة للتربية، أم أنه يترك آثارًا نفسية يصعب التخلص منها لاحقًا؟

القصص والحكايات أداة فعالة في التربية... ونلاحظ أن القرآن استخدم القصص؛ فالقصص لها تأثير كبير على نظرة الطفل لذاته... كيف تقدم الشخصيات للطفل كأبطال أم شخصيات ضعيفة!!!

وهل تركز على الصفات الإيجابية أم السلبية... مع محاولة البعد عن الشخصيات المثالية لأن لا وجود لها في الحياة وهي غير قابلة للتطبيق في الحياة والطفل ذكي يعي ذلك... وأيضاً تجنب قصص الوعظ المباشر فأثرها ضعيف وهي غير جذابة... القصص تعلم الطفل القيم وكيف يتعامل مع الآخرين...

مع ملاحظة أن الطفل ذكي ويحلل ما يروى له ومن الخطأ استغفاله... كما أن التخويف والقصص المرعبة تسبب القلق وانعدام الثقة بالنفس والكوابيس الليلية والأفضل أسلوب التعزيز والتشويق...

 

- في قصصك، يظهر أن المرأة ضحية للأنظمة الاجتماعية والموروثات؛ كيف ترين إمكانية التحرر من هذه القيود دون القطيعة مع الجذور الثقافية؟

تحرر المرأة من الموروثات التقليدية لا يعني بالضرورة القطيعة مع الجذور الثقافية... هذا فهم خاطئ...

المرأة في قصصي تعاني من قيود موجودة في المجتمع والقيود تكبل الرجل والمرأة لكن قيود المرأة مضاعفة... نحن بحاجة للنظر لتراثنا وموروثنا الثقافي بنظرة نقدية موضوعية... ليس كل ما هو موروث سيء... لكن هناك سلبيات تعيق حركة المجتمع لأن الزمن تغير ومن الخطأ الإصرار على التمسك بمفاهيم تجاوزها الزمن... لست مع النسف والثورة التي تطيح بكل شيء فهذا نوع من الفوضى... أنا مع الفهم والتبصر والتحليل والنظر بموضوعية لمعرفة طبيعة العصر ومتطلباته... هذا يحتاج لفتح أبواب حوار ونقاش عام يتناول كل قضايانا دون استثناء دون تشدد ولا استهتار... مع اليقين أن التغيير لا يعني التخلي عن الهوية الثقافية بل عن عادات تجاوزها الزمن، ونحتاج أن نتمتع بثقة أكبر بقدراتنا وأنفسنا...

 

- كيف يمكن للأدب أن يعيد صياغة صورة المرأة في مجتمع يُكرس النظرة الدونية لها؟ وهل ترين أن التغيير يبدأ من النص أم من الواقع؟

فهم الواقع وسلبياته يحتاج لتسليط الضوء على ذلك... الأدب يستطيع خلق مساحة للحوار والتفكير في شتى المواضيع... عندما ترتفع قيمة الأدب في المجتمع وتدار ندوات وحوارات حول ما يكتب... عندها تناقش تلك الأوضاع من زوايا مختلفة... القضايا الاجتماعية لا يمكن حلها بسهولة لكن البدء بذلك خطوة مهمة عبر الاهتمام بما يكتب... والتغيير يبدأ من النص والواقع معا لأن الواقع مصدر إلهام للأدب، والأدب يكون أداة للتغيير عندما ينجح بلفت الانتباه للقضايا التي يثيرها...  

زوروا الموقع:
لتصفح العدد السادس (عدد إبريل) بصيغة الصفحات المفردة
لتصفح العدد السادس (عدد إبريل) بصيغة الصفحات المزدوجة
 

 

 

 

 


 

كفاحي الكتاب الثاني 1- رجل عاشق لكامل أوفه كناوسغارد:

 


الجزء الأول من الكتاب الثاني بعنوان رجل عاشق ...كتاب سيرة ذاتية مميزة لأنها لا تشبه غيرها ...
بها شبه برواية بحثا عن الزمن المفقود
يعيش القارئ مع تفاصيل حياة الكاتب الدقيقة والصادمة في بعض الأحيان....
ويركز بشكل خاص على فترة انتقاله إلى ستوكهولم بعد انفصاله عن زوجته الأولى، وعلاقته الجديدة بالشاعرة ليندا بوستروم التي ستصبح زوجته وأم أطفاله.
أسلوب كناوسغارد في الكتابة مميز ... يجمع بين السرد الواقعي اليومي والتأملات الفلسفية العميقة....
فيتيح للقارئ أن ينغمس في تفاصيل حياته الروتينية في ستوكهولم،....بدء من البحث عن شقة....مرورا بعلاقته بصديقه النيتشوي المهووس بالملاكمة غير....وهو نرويجي يعيش بالسويد....
نعيش تفاصيل تطور علاقته بليندا وصعوبات الأبوة المبكرة والتي يكتب كثير من تفاصيلها ومشاعره تجاهها....
يستعرض كناوسغارد مشاعره وأفكاره بصراحة مؤلمة في بعض الأحيان لدرجة يشعر القارئ بأنه يعيش الحدث معه ...ولا يتردد في الكشف عن جوانبه الضعيفة والمتناقضة. يتحدث عن وحدته...
وشكوكه الذاتية ككاتب وأب...
وصراعه مع فكرة الحب والالتزام....
كما يقدم وصفا حيا وصريحا لتجربة الأبوة.... بكل ما فيها من فرح وتعب وإحباط وغرابة...
يستمر الكاتب في دمج مقاطع مطولة تتناول مواضيع متنوعة مثل: الفن والأدب والفلسفة....
مما يثري النص ويضيف إليه طبقات من العمق الفكري وهو
ما يذكر القارئ بكتابات مرسيل بروست..
هناك الكثير من الاسهاب والتطويل ويبدو واضحا انه يكتب مذكرات يومية ...
لأن الحوارات التي يدرجها بكل تلك التفاصيل يصعب أن تكون استدعيت من الذاكرة ...
ببساطة هو كتاب يهتم بسرد تفاصيل دقيقة تتسم بالصراحة والعمق ويقدم نظرة عميقة لرجل يصارع مشاعر الحب والأبوة والكتابة...ولا يجد حرج من ذكر تفاصيل كثيرة ...
وهنا يكمن الفرق بين الكاتب الغربي والعربي والذي يصعب عليه أن يكون بهذا القدر من الشفافية والصراحة والعمق...
في مجتمعاتنا عادة من يكتب سيرة ذاتية يحتاج أن يلغي كل السلبيات والأخطاء والسقطات ويبدو شخصية مثالية من نوع الملائكة لا البشر ...
الكتاب ممتع لمن يستمتعون بأدب السيرة الذاتية والأدب الواقعي ....
ومن يهتم باستكشاف أعماق النفس البشرية وتحديات العلاقات في الحياة المعاصرة ...وبالأخص من لا يشعرون بالملل من الكتابات الطويلة ...
لكنه بشكل عام كتاب يستحق القراءة ويقدم فعلا تجربة قراءة مختلفة...
أتذكر الكتاب كلما رأيت شخص يسحب حقيبة لأنه قال أنه يفضل حمل الحقيبة ذات العجلات لا سحبها... لأن سحب الحقيبة ذات العجلات خاص بالنساء 😊
ويعرف القارئ الفرق بين النرويجي والسويدي...
 

 

كيف نتحدث عن وقائع لم تحدث

 

العنوان هو لكتاب لأستاذ الأدب الفرنسي في جامعة باريس بيير بايار، الكتاب يتكون من ثلاثة أقسام وخاتمة، وكل قسم به أربعة فصول. القسم الأول يتمحور حول أنماط الحقيقة: الحقيقة الذاتية، والحقيقة الأدبية والحقيقة التاريخية، والحقيقة العلمية.
والقسم الثاني عن بعض الحالات الخطابية، والقسم الثالث عن التصرفات التي ينبغي القيام بها، وينتهي الكتاب بالخاتمة.
يشير الكاتب إلى أن البشرية المعاصرة دخلت حديثا مرحلة ما بعد الحقيقة. ومصطلح ما بعد الحقيقة، وهو مصطلح جديد أضيف في العام 2016 إلى قاموس أكسفورد وجاء التعريف كما يلي: "يتعلق أو يشير إلى الظروف التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في تشكيل الرأي العام من نداء العاطفة والمعتقدات الشخصية"، وقاموس أكسفورد عادة كل عام يضيف الكلمات الجديدة الأكثر رواجا واستخداما.
وفي هذه المرحلة، التي أسميت بمرحلة ما بعد الحقيقة، تتكاثر المعلومات الخاطئة التي ينبغي مكافحتها لما يترتب عليها من إضرار. ويوضح أن الحكايات الخرافية قديمة قدم الكائن ابشري وهي جزء من حياته. وهي مفيدة للتقدم الاجتماعي لما للقصة من دور في حياة الإنسان.
يضع الكاتب أمثلة على قصص اشتهرت بين الناس وذاعت شهرتها على أنها قصص حقيقية أو حدثت لكنها لم تكن كذلك.
مثل كتاب: العيش مع الذئاب والذي تحول لفيلم سينمائي وهو يحكي معاناة صاحبة الكتاب التي تروي فيه قصة فتاة صغيرة تمكنت من عبور أوروبا بحثا عن والديها اليهوديين الذي كانت تعيش معهما في بروكسل، لكنهما اتخذا جميع الاحتياطات للهرب من الاعتقال والمحارق، وفي نهاية الأمر تم القبض عليهما واختفيا في خضم اضطرابات الحرب، وتركاها عند إحدى صديقات العائلة لكنها لم تكن تعاملها بالحسنى، فقررت الصغيرة الهروب عبر الغابات ورعتها الذئاب لأيام.
نجحت هذه القصة نجاحا كبيرا في أوروبا وتعاطف معها الناس بشكل كبير، وتحولت لفيلم سينمائي ولكن حدث خلاف بين صاحبة القصة والناشرة مما دفع الناشرة للبحث عن تفاصيل حياة صاحبة القصة لتكتشف أنها ليست يهودية في الأصل وكل حكايتها ملفقة وكانت الفضيحة مدوية. 
 
ويسرد الكاتب حكاية أخرى للكاتب المعروف عالميا جون شتاينبك الذي قرر عام 1960 القيام برحلة يكتشف عبرها بلده وسكانه، لشعوره بعدم معرفته الجيدة بهم. واصطحب معه كلبه شارلي رفيقاً له، وهو كلب صغير من نوع كانيش الفرنسي ليكون محادثه الرئيسي خلال الرحلة، ويتبادل معه انطباعاته. هذه الرحلة التي استغرقت شتاينبك خمسة وستين يوماً عبر القارة الأمريكية، وطاف خلالها أربعة وثلاثين ولاية، قادته وشارلي من نيويورك إلى شمال شرق الولايات المتحدة، ثم شيكاغو، وبعدها الجبال الصخرية. ثم توجه إلى كاليفورنيا، ثم عاد إلى تكساس، وصعد أخيراً نحو الشمال مروراً بولايات الجنوب.
يسرد شتاينبك في كتاب الرحلة تلك وصف المناظر الأمريكية الطبيعية، وأنماط حياة مواطني كل منطقة مر بها كما سجل حوارات طويلة ومحادثات احتلت عدة صفحات في الكتاب والتي سهّلها الكلب شارلي كما يذكر الكاتب، بما يتميز به الكلب من حُسن المعشر. حقق كتاب شتاينبك، الذي يندرج في إطار قصص الرحلات الكبرى، نجاحاً واسعاً، وسرعان ما أصبح من أكثر الكتب مبيعاً. وتحول الكتاب إلى كتاب كلاسيكي يدرس في المدارس الأمريكية.
 
ولكن بعد خمسين عاما تقريباً - أي في عام 1910- قرر الصحفي الأمريكي بيل ستايغروولد، القيام بالرحلة الأسطورية نفسها التي قام بها شتاينبك عبر الولايات المتحدة الأمريكية، لا تدفعه إلى ذلك أي نية سيئة إزاء الكاتب الذي يقدر عمله، بل كانت فكرته تنطوي على المرور في الأماكن نفسها التي وصفها شتاينبك في كتابه، ليعثر إذا أمكنه ذلك، على من تحدث إليهم الكاتب، أو ربما على أبنائهم، بهدف دراسة التغيرات التي أصابت الولايات المتحدة بعد نصف قرن. ليكتشف أن كل شيء جاء في كتاب شتاينبك يتعلق بتلك الرحلة كان مزيفا، سواء في خطوطه العريضة أم في تفاصيله. أحد الانتقادات الرئيسة التي وجهها ستاينغر وولد لشتاينبك، هو اختلاق هذا الأخير غالبية الحوارات التي أجراها مع الأمريكيين الذين التقى بهم. وأن الحوارات المُغرقة في أدبيتها، لم يكن لها وجود في الواقع.
وهناك أمثلة أخرى لكنني سأكتفي بهاتين الحكايتين لتوصيل ما جاء في الكتاب. دفعني الكتاب للتفكير في حجم القصص والحكايات والكتب التي كتبت عن التاريخ اليمني وبالأخص عن ثورة 26 سبتمبر عام 1962 وحجم الزيف في كل ذلك وحاجتنا لمن يكشف الحقيقة. فعند قراءة ما كتب من سير ومذكرات وكتابات تاريخية يكتشف القارئ حجم المغالطات والزيف، وأحيانا يكون من الصعب التمييز بين الحقيقي والمزيف لتناقض المرويات حول الحدث الواحد. ونحن بحاجة لذلك الكاتب المشاكس والمدقق والمحقق وكاشف الألغام الذي جاء وصفه في كتاب بيير بايار، والذي لا يهدأ ولا يستكين حتى يكشف الحقيقة، لكشف الكثير من البطولات الزائفة والحكايات التي تفاعل معها الناس وهي أبعد ما تكون عن الواقع.
 
فعل ذلك عبد الله البردوني في كتابة: اليمن الجمهوري (طبعة 1983م) والذي أغضب الشيخ سنان أبو لحوم وذكر ذلك في كتاب مذكراته واصفا البردوني (بالخرط)، كما حاول لطفي فؤاد نعمان كشف جزء من الواقع حول الرئيس إبراهيم الحمدي في كتابه: بدايات إبراهيم الحمدي-رحلة الصعود وقصة الطموح. ولاتزال الحاجة لمزيد من أولئك المشاكسين.
نحن إذا نعيش عصر ما بعد الحقيقة، والذي يحل فيه الكذب محل الصدق، والعاطفة محل الحقيقة، والتحليل الشخصي محل المعلومة، والرأي الواحد محل الآراء المتعددة.
لكن ليس هذا كل شيء، فالكاتب يريد منا أن نفرق بين حق المرء في الحديث عن وقائع لم تقع بعد والتعبير عن رأيه فيها؛ وهو حق يستحق أن ندافع عنه لا سيما أنه اليوم موضع تساؤل من كل حدب وصوب. وهو يندرج في تيار نظري يمكن تسميته النقد بالجهل، الذي يشدد، قبل الانخراط في نقاش معين على أهمية عدم إرباك أنفسنا بمعارف غير مجدية لا يمكن أن تكون إلا مصادر للأحكام المسبقة.
في كتاب آخر لجوناثان غوتشل، بعنوان: الإنسان الحكاء، يتتبع الكاتب علاقة البشر عبر التاريخ بالحكايات بتنوعها، فهناك الأساطير والحكايات الشعبية، والقصص، والقصائد الشعرية والملاحم، وأيضا الكتب المقدسة. ويقول إن الحكايات هي ما يميز البشر عن غيره من الحيوانات. وفي سوق النشر تحتل الروايات مركز الصدارة في المبيعات، وحتى حين نخلد للنوم يظل العقل مستيقظا طوال الليل يروي القصص لنفسه.
وذكرني هذا بإن القرآن الكريم استخدم القصص أيضا ووصفها بأحسن القصص في دلاله لقوة تأثير القصص والحكايات على الإنسان.
 
وكما يقال فإن الذهن لا يفرق القصص التخييلية عن الوقائع، بل يعمل العقل العاطفي على معالجتها كأنها حقائق.
ونحن نشعر بالرعب عند مشاهدة فيلم رعب كأنه حقيقة، وأحاول أن أقنع نفسي أنه مجرد فيلم دون جدوى، لذا توقفت عن مشاهدة ذلك النوع من الأفلام.
ونحن نعرف أن الأدباء والمفكرين يتبعون تقنيات تحيد بهم عن الحقيقة الواقعية وذلك لإظهار بعض الضوء حول حقيقة أخرى قد تكون حقيقية وقد تكون تخييلية، فكيف سنميز نحن القراء الحقيقة عن اللاحقيقة، لولا وجود من اسماهم مؤلف الكتاب بالمشاكسين والمدققين والمحققين وكاشفي الألغام وهم الذين يبحثون عن الحقائق والتحقق من صحة ما يكتبه البعض على أنه حقائق، فلولاهم لظلت بعض الحكايات والسرديات مبهمة. ويعبر الكاتب عن دهشته لانخداع كثير من الناس بالقصص الكاذبة التي يدعي أصحابها أنها حقائق. فما الذي يدفع الناس للوقوع في الفخ؟
ومع هذا ورغم أهمية البحث عن الحقيقة لكن الكاتب يدافع عن حق الإنسان في اختراع القصص الخيالية، هذا الإنسان الكائن الحكاء أو الكائن اللغوي الذي يحب الحكايات منذ زمن بعيد، عندما كان يتحلق الناس حول النار في المغارات لسماع القصص الخيالية عن الكائنات المخيفة، وهناك فرق بين القضيتين بالطبع، فمن حق الإنسان أن يكتب ما يمليه عليه خياله، لكن لا يحق له أن يوهم الناس أن تلك حقائق.




الحرية في بلادنا

 

الكل يحتاج أن يتحرر ، ليست المرأة فقط، بل المجتمع .
مجتمعنا يفكر فيه الجميع بعقلية العبيد...
لا أحد يفكر كما يفكر الإنسان الحر ...
نتعامل مع بعضنا من منطلق الخوف...
الخوف من الحرية وتبعاتها ...
الحرية مرعبة لأنها توحي أننا قد نفقد السيطرة على من نربيهم، لابد ان يبقوا تحت السيطرة فنكبلهم بالأوامر والنواهي والمحرمات ونقنع ذواتنا أننا إنما نفعل ذلك حرصا عليهم..
في المجال الديني والسياسي والاجتماعي ...الكل يفكر بالطريقة نفسها...
لهذا نحن نفتقد عقلية الأحرار ...
 
لتتحرر المرأة نحتاج إعادة النظر بقواعد المجتمع ...
عاداته، تقاليده، ليتحرر العقل العربي من سلطة المحرمات والقيود التي تكبل العقل والإبداع في الحياة وتبقينا عاجزين ...
فالانسان يحتاج أن ينطلق في رحاب الحرية والإبداع بثقة عالية بنفسه وبغيره...
بعد غرس قيم وضمير ينوب عن السلطة المباشرة ...
تربية إنسان حر يفرق بين الصح والخطأ دون الخوف من رقيب خارجي ...ذلك هو الإنسان الحر...
الذي يستطيع الخروج من ظلام العبودية إلى سعة نور الحرية بجرأة وشجاعة وإقدام وإرادة...
هناك من يقفز مباشرة بمجرد سماع كلمة حرية ...امرأة...صارخا:
نعم انتم تريدون تعرية المرأة ونزع الحياء ....
فالحرية في رأية هي مرادف للعري والانحلال والتفلت...
نعم، هذه هي عقلية العبيد التي ترتعش بمجرد ذكر كلمة الحرية ...
تلك هي العقلية التي لا تثق بقدرة الإنسان على العيش بحرية تحت مظلة القيم التي تحكم المجتمع ⚘

يوميات رمضان

 

جرت العادة قبل رمضان في صنعاء تبدأ عمليات التنظيف الشامل والكامل للبيت والحوش والمخزان...
يأتي رمضان وللبيت روائح منعشة...
النظافة عادة يومية في البيوت ...لكن قبل رمضان وقبل الأعياد وبعض المناسبات تكون النظافة شاملة تطال كل شيء بالغسل والمسح والتخبيط والتنفيض ...
تذكرت هذا وأنا أغسل اليوم الثلاجة ...
شهر كريم ومبارك لكم جميعا
*****
هل يأكل الناس كميات أكبر من الطعام في رمضان؟
أم أن أصناف الطعام تتغير ؟
هناك من يرى أن بعض الأطعمة تسبب العطش وهكذا يتجنبها الناس في رمضان مثل الأصناف البحرية...
في صنعاء وجبات الأسماك وغيرها من الأصناف البحرية هي نادرة على المائدة الصنعانية ...
لأن صنعاء مدينة جبلية بعيدة عن البحر وطعامه...
وهناك أصناف من الطعام لا تظهر سوى في رمضان...
الشراب التقليدي هو القديد وشراب الزبيب...
المائدة الرمضانية في اليمن متنوعة لأن كل منطقة لها تفضيلاتها...
في صنعاء تحتاج قبل رمضان إعادة تموين للمطبخ : البهارات والحوايج ابن آدم ضعيف ينقص نوع معين ويخرب الطعم ...
لذا تزدحم الأسواق خاصة في الأسبوع الأخير من شعبان وكأن العرب والمسلمين لن يأكلوا إلا في هذا الشهر ...
كم من الناس لايخرجوا للشراء والتموين قبل رمضان؟
على كل حال ...ما هي أكلاتكم المفضلة في شهر رمضان؟🌙🌙🌙
(يوميات شهر رمضان٢)
 
  ******
الشفوت أبرز وأهم طبق على مائدة رمضان في صنعاء وبه تبدأ المائدة...
هناك من يفضله مع السلطة أو مع الرمان وهناك من يحبه مع الحامضة
وهناك من يرى أنها أجمل مع المرق ...أو مع الزحاوق...
الشفوت يصنع من خبز اللحوح واللبن المحوج بالكبزرة (الكزبرة )، والنعنعة ( النعناع)...
اللحوح تقريبا موجود في كل مناطق اليمن مع اختلافات بسيطة ...
ربما أجمل نوع هو لحوح حجة ...
ويعرف في المغرب بالبغرير...
وفي أثيوبيا يسمى أنجيرا....وفي أثيوبيا يفضلونه بمذاق حامض....
ورغم وجود اللحوح على مدار السنة لكن في رمضان لابد أن يزين المائدة ..
تغيرت طرق تحضير اللحوح مع تغير الزمن ...
من قبل كان يحضر باستخدام الصلى ( مع تشديد اللام) وهو وعاء خاص ...لكن اليوم تستخدم طاوة (مقلاة) التيفال أو ما يشبهها من ماركات أخرى لهذا فقدت اللحوحة النكهة الأصلية كما حدث لكثير من الأمور في حياتنا...
بائعات الملوج والخبز واللحوح في منطقة القاع متواجدات طوال العام ...
وفي هذا الزمن اتجهت بعض ربات البيوت لطلب اللحوح إونلاين بدلا من مشقة التحضير ...
صوما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان٣)

 *******
لرمضان مشروبات خاصة ارتبطت به في كل بلد عربي ..
في اليمن وخاصة صنعاء هناك الشراب الأشهر:
القديد
والذي يصنع من البرقوق أو المشمش المجفف...يضاف له السكر والماء ويغلى لفترة ...ويشرب باردا
وشراب الزبيب ..زبيب أسود أو الأشهر الزبيب الأبيض...
هناك شراب الشعير والكركدية أيضا ...
والمشروبات الصناعية المستوردة مثل التانج والسن كويك وماء الورد والفيمتو عادة تقدم في العيد ...
الخشاف مشروب رمضاني جميل...ينسبه من لديهم هوس بأن أصل كل شيء في البلاد العربية التركية لذا ينسبوه لتركيا للدولة العثمانية أو لإيران ...
لكن هل من يزور تركيا أو إيران يجد الخشاف هناك معروف؟
على كل حال ظهور الخشاف في البلاد العربية في فترة الدولة العثمانية لا يعني أنه تركي مثل الحلويات العربية التي عرفها العرب من قبل عصر آل عثمان ...
الخشاف مشهور في المطبخ المصري وهو مشروب رائع ...منقوع فواكة مجففة ويمكن الاستغناء عن إضافة السكر ...ويحتاج الأمر لملعقة طبعا ...
صوما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٤)
 
 
******
مائدة رمضان لا تكتمل إلا بالحلويات...
رمضان من غير حلى مش رمضان...
أشهر الحلويات: الرواني والشعوبيات والقطايف والكنافة والشعيرية والبسبوسة والمحلبية البيضاء ومحلبية الكاسترد والكاسترد...
الشعوبيات لا يعلى عليها هي الأجمل ...
محلات بيع الحلويات تنشط في رمضان وتبيع المشروبات عادة مثل القديد والزبيب ...
لكن ربات البيوت المشحوطات يجهزن الحلويات في البيت ..
وممكن تتنوع الحلويات عندما يتم ارسال جزء من الحلاوى للجيران فتأتينا أنواع أخرى ...
 
صوما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٥)
 

 
 
 ******
رمضان شهر العزائم دون منازع ...
حسب حجم الأسرة يكون عدد العزومات فيها...
ولأنه شهر الخير والبركة لابد من عزومة المكالف ...كل نساء العائلة ...البنات المتزوجات والأخوات والعمات ...وبعض الأهل لايرون بعضهم إلا من رمضان إلى رمضان...
صحيح أنا لم اجرب هذا النوع من العزومات من جانب عائلة أبي رحمه الله فلم توجه لنا منهم أي دعوة...
لكن عرفناها من جانب أهل أمي عم أمي رحمه الله خالي عافاه الله ومن عليه بالشفاء وجدي رحمه الله ...
وبعد زواجي عائلة زوجي لم يفوتوا العزائم عام واحد حتى وفاة كبير العائلة ...فتغيرت الأحوال .
ودوام الحال من المحال...
وإضافة لعزومة المكالف هناك عزومة الأصدقاء والأنساب ...
فتضاف لصفات رمضان شهر العزومات والضيافة والموائد العامرة بكل ما لذ وطاب ... 
 
صوما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٦)
 
****
رمضان شهر القرآن ...
هناك من يتسابقوا لختم القرآن أكثر من مرة في رمضان ...
لا ادخل هذا النوع من السباقات ...
لأن قراءة التدبر والفهم لل علاقة لها بمرات ختم القرآن...
ولهذا لا نجد أثر للقرآن في سلوكيات الناس وتعاملاتهم رغم عدد الختمات...
في طفولتنا كانت أمي تؤكد أن علينا قرآءة القرآن هدية لروح أبي رحمه الله...
وتكرر السؤال لتتأكد أننا نفعل ذلك ...
كل منا يمسك مصحفا ويقرأ لروح أبي...
تلك قراءة مميزة لأنني كنت أستحضر أبي وأشعر أنه معنا ...
في شهر القرآن اعتدنا سماع صوت المقرئ القريطي رحمه الله قبل أذان المغرب ...
والمقري عامر قبل الفجر ...
بعد شيوع المسلسلات المخصصة لرمضان هل لايزال الناس يملكون الوقت لقراءة القرآن...
صوما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٧)
 
****
الشوربة أو الحساء طبق مهم على مائدة رمضان...
عادة لا نتناول طبق الشوربة إلا برمضان...
أشهر شوربة هي شوربة الحب ...التي تتكون من الجشوش أو مجروش القمح يسلق ثم يضاف له الحليب ويزين الوجه بالبصل المحمر بالسمن أو الزبدة ورشة فلفل أسود فتملأ رائحة الحساء المكان...رائحة شهية ومميزة...
البعض يفضلها أيضا على مائدة السحور...
هناك شوربات أخرى مثل شوربة الخضار مع اللحم أو الدجاج ومع إضافة الجشوش أو الشعيرية المحمرة....
شوربة الدبا أو الكوسة مع الحليب ...
أو شوربة الجشوش مع اللحم والطماطيس ( الطماطم كما نسميها في صنعاء)....
أي نوع شوربة تفضلون في رمضان؟!
مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٨)
 
*****
شهر المسلسلات أقصد رمضان ...
هو شهر المسلسلات لأن المسلسلات تعد خصيصا لهذا الشهر ...
فهناك من يجلس أمام الشاشة لمتابعة الحكايات والقصص المتنوعة للصراعات العائلة كما يبدو من الإعلانات فأغلبها فيها صرخ وعويل وخيانات ...
حكايات تمتلئ بالاثارة والغموض والعنف ...
قبل التلفزيون كانت أيضا ليالي رمضان هي ليالي السمر لسماع الحكايات من الحكواتي من يملك في جعبته عدد لا ينتهي من الحكايات ...
في عالم النساء كانت هناك المحازية...التي تحازي أي تحكي الحكايات أو الحزاوي...
فتبدأ حكايتها عادة بالصلاة على النبي:
يا مصليين على النبي، كان به واحد وما واحد إلا الله ...
وعندما تنتهي الحكاية...تنهيها بالعبارة المعهودة:
ولو كان بيتنا قريب لاديت لكم غطاء زبيب...
وفي طفولتي كنت أتمنى أن تحازينا واحدة بيتها قريب لنستمتع بزبيب الغطاء ...خاصة لو كان زبيب بياض، يا طعماه.
من الحزاوي التي علقت في ذهني، حكاية البنت التي ماتت أمها...وكانت زوجة الأب شريرة وكذلك ابنتها.
تركن الفتاة بين المطر والبرد لبيع شيء ما...فتأتي ساحرة متنكرة بهيئة عجوز فقيرة فتعطف عليها الفتاة...
وتكافئها الساحرة بطريقة عجيبة: إذا ضحكت يتناثر الورد من فمها وإذا بكت تتناثر حبات اللؤلؤ من عينيها...
من يعرف الحكاية ؟
مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ٩)
 
 
 ****
اعتاد الناس في شهر رمضان في صنعاء الخروج للدورة ...
فتجهز الأمهات فطور وعشاء رمضان بدري تقريبا على وقت العصر ...
وتخرج الأسرة بالسيارة للدورة ...دورة رمضان كانت جزء مهم ...
الدورة أو الفسحة تكون عادة لضواحي صنعاء :
إلى عصر باتجاه طريق الحديدة ...أو باتجاه حدة ..باتجاه الوادي يكون الجو ساعتها قبل الغروب برود وجمال الله يسكنا الجنة قلوا آمين...
وتبدأ رحلة العودة ...
رحلة العودة تكون مغامرة غير عادية، لأن أغلب سكان المدينة خرجوا دورة...
وقبل المغرب بنص ساعة أو أقل الجميع يريد العودة للبيت قبل أن يقرح المدفع ويبدأ أذان المغرب ...
فيبدأ التوتر وتحرق الأعصاب والبعض ينسى الغاية من الصيام ويبدأ بالسب والشتم وجني لنا جني عيكبر المغرب واحنا هنا ...يا جني أخر من الطريق...
وفي اليوم الثاني سيتكرر الخروج للدورة فيكون وقت الخروج لحظات من الحماس والسعادة وعند العودة المشهد مختلف ...
في حياة والدي رحمه الله كنا نخرج دورة بسيارة اللاند روفر ذات اللون الأخضر الفاتح ...
هل لا يزال أحد يخرج دورة؟
صياما مقبولا وذنبا مغفورا...
(يوميات شهر رمضان ١٠)

 
 
 

فصل آخر من رواية: جني تعرفه ولا أنسي ما تعرفه، وهي رواية خيالية وكل أشخاصها من عالم الخيال

 

سألت صديقتي الجنية عن حالها، أجابت بأنها على مايرام.
- لكن شكلك يقول أنك لست كذلك!!!
ابتسمت:
- أشعر بالضيق من طلبات السماح والمسامحة التي تنتشر في المواسم...هذه الأيام أغلب مجموعات الواتس اب فيها نفس الطلب... "في هذه الأيام المباركة اطلب المسامحة من الجميع عن كل ما بدر مني وأنا سامحت الجميع في حقي من اليوم إلى يوم اللقاء بين يدي الرحمن الرحيم ...."
وزمت شفتيها بامتعاض...
- وما الذي يزعجك في هذا؟ خطوات طيبة من الناس ...
 
تعالت ضحكتها:
- السطحية والغباء تثير أعصابي ...خاصة لما توصل لي هذه من صياد ...
- صياد شخصيا؟
- تعرفي صياد مزعجة ...مؤذية ما تخلي لأحد حاله ...طول السنة تدي لش الجنان ...وبعدها ببساطة ترسل في مجموعة "الخباير المدلوزات " سامحوني أنا سامحتكم...
- طيب ماعد تشتي ...ما اتخيلتش أنا ان صياد هذه بتطلب السماح ...
- يا حاليه اللي يطلب السماح من الناس معناها مخلوق من مخلوقات الله الحساسة ...التي لاتؤذي الآخرين وإذا حدث وأخطأت في حق أحدهم تذهب له شخصيا وتعترف بالخطأ وتبدي الأسف لما بدر منها وتطلب السماح ...
 
- لكن هناك من يصعب عليهم الاعتراف بالخطأ
- هذا النوع والكل صعب يوقف قدامش ويعتذر لكن تصرفاته وأسلوب تعامله تعبر عن ذلك...لكن سامحونا لأننا نستعد للي بعده ...هذا كلام فاضي لا قيمة له ...
- أوف لا تخليش قلبش اسود ...تسامحي مع الجميع اليوم دنيا وغطوه آخره ...
- مش معقول حتى انتي بتفكري مثلهم ...
صياد هذه قد سامحتها لوما تعبت ...وهي لا تتغير ولا تتوقف عن الأذية...
لازم تطبزش بكلمة تفحرش...لازم تخليش قدام الناس وتبدأ تنتقد شكلش ولبسش وتنكت عليش على أساس دمها خفيف ...ولما تزعلي تطلعي أنتي الحقودة والشوعة وصاحبة القلب الأسود وهي الطيبة صاحبة القلب الأبيض اللي تنسى بسرعة ...تخبص وتنسى واللي حولها يؤيدوا تصرفاتها لأنها كثيرة هدار ومجاد وتحلف دائما أن قلبها أبيض وما تقصدش تزعل احد بس انتوا اللي بتفهموا غلط ...
 
- لا لا ...احنا عندنا الوضع مختلف ...في عالم الأنس مابش حركات الجن هذه ...وأعوذ بالله من صياد وطباعها ..
عندنا اللي مثلها يقولوا عليه: حقه حق وحق الناس مرق ...
بردي على قلبش ودعممي... 
 
 ***** 
حدثتني صديقتي الجنية عن خوفها من الموت ...
وصلها فيديو على الواتساب من ناصحة تحذرها بأنها لو ماتت وهي تضع على أظافرها الطلاء الاكريليكي فلن يكون وضعها جيدا ...
ستكون في ورطة حقيقية ...
كان التحذير شديد اللهجة بأن لحظة تغسيلها بعد الموت لن تتمكن المغسلات من إزالة ذلك الطلاء ...
والذي لايمكن إزالته إلا في صالون التجميل ...
وبالتالي ستكفن وتدفن بتلك الأظافر...ولتتخيل نفسها يوم القيامة !!!
أي خزي وعار ستحمله يوم العرض الكبير على الله شديد العقاب...
ستكون فضيحتها كبيرة وعلى الملأ ...
فلتحرص قبل الموت على عدم الوقوع في هذه المعصية ولا تستهين بالموضوع...
لأنها قد تموت موت مفاجئ في أية لحظة وتكون فضيحتها يوم القيامة بجلاجل...
لم أعرف فعلا ما أقول لها ...اكتفيت بالدهشة والعجب ...
على صديقتي أن تخاف من يوم القيامة بسبب طلاء لكن هل يصل ما يذكر الفاسدين ومن يحولوا حياة الناس على الأرض إلى جحيم حقيقي...هل يصلهم ما يذكرهم بيوم العرض الكبير
أم أن الفضيحة مقتصرة على أظافر صديقتي التي أصيبت بحالة نفسية من شدة الرعب ...

 
*****
حكت لي صديقتي الجنية عن الموقف الذي تعرضت له في مطار بلادها:
- أول غرفة للتفتيش عند باب المطار ...شرطية مقززة سألتني مسافرة؟
رديت عليها مبتسمة: بذمتش هذا سؤال!!
فردت بحدة: تشتي الصدق أنتي تافهة
قيل أن الشرطية من الأمن المركزي...
انا اردت ألا يمر الحادث وكأن شيء لم يكن ...فلا يحق لأحد أن يهينني على أرض وطني طبعا أو أي مكان...
سألت أين المسؤول أو مدير المطار...فجاء شخص قمة في الأدب والأخلاق أعتذر نيابة عنها ..
عندما سألها كيف تتصرف هكذا ...صرخت كالمجمنونة بأنني زناطة وتافهة...
مفهوم أن المسؤول الأمني يحق له إهانة المواطن مرفوضة..
الشرطة والأمن لخدمة المواطن لا لإهانته أو تعذيبه ...

رواية:النمل لبرنار فيربير

 


السرد يشد القارئ من السطر الأول...سرد ممتع
لغة بسيطة ومكثفة...
يسير السرد عبر خطين متوازيين:
عالم البشر ...وعالم النمل
في فقرات متتالية ويتم الانتقال بسهولة دون إرباك للقارئ... 
 
لا وصف كثير ، تبدأ الحكاية بانتقال جوناثان إلى شقة جديدة يرثها من خاله إدوارد ...
في هذه الشقة تبدأ الحكاية حيث يوجد بها قبو غامض، لكن الخال إدوارد يترك رسالة تحذر جوناثان من النزول للقبو، وهذا يوحي للقارئ بأن هناك لغز ما في القبو !!
 
وينتقل السرد إلى عالم النمل وهي الحكاية التي تسيطر على معظم صفحات الرواية ...
وكأن عالم البشر هو المصيدة ، لكن الأساس والقصة الأهم هي قصة النمل ، وحتى لا تتحول الرواية لمجرد حكاية من حكايات الحشرات فكان من الضروري أن تكون هناك حكاية لأسرة من البشر بها فجوات وأسرار لتشد القارئ ...
قصة النمل تأخذ القارئ لأماكن عيش النمل ليتعرف على الكثير من الأسرار عن حياة النمل...
عن الصراعات والحروب والغارات وأخذ الاسرى والخيانات والتجسس...عن الأنواع المختلفة للنمل، عن المعارك والمستعمرات والبيات الشتوي، وكيف يتحدث النمل ويتواصل مع غيره...
وعن توزيع المهام وتنوع القدرات...وطبقات النمل ومهمة كل نملة داخل الخلية...
وكأن المخلوقات على كوكب الأرض تعيش إلى حد ما حياة متشابهة، فهناك دوما أعداء وحروب وتدمير وقتل خطط وصراع دائم للسيطرة.
 
معلومات علمية تختلط بالخيال فتخلق نوع من المتعة يستشعرها القارئ.
فكأن الكاتب يريد أن يخبرنا بأن هذا الكوكب ليس حكرا على عالم البشر وأن هناك مخلوقات متناهية الصغر والتي تفوق أعدادها أعداد البشر بمرات كثيرة وأنها تستحق العيش على هذا الكوكب ..
 
"في الوقت الذي يجهل الإنسان حقيقة المخلوقات التي تعيش معه على الأرض، يبذل المال والجهد لإرسال مسبار للفضاء للبحث عن كائنات أخرى في الكواكب البعيدة"
 
توضح الرواية أيضا حجم الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها البشر والتي تؤثر على التوازن البيئي على كوكب الأرض، فهو يتسبب بانتقال النمل وغيرها من الحشرات والحيوانات من بيئاتها الطبيعية إلى أماكن مختلفة، مما يؤثر على سلوك الحشرات والحيوانات...
ومن الظريف في الرواية المقارنة بين وضع الأطفال للبشر وما يتعرضون له من قسوة وسوء معاملة ، عكس العناية والاهتمام لصغار النمل.
 
تتداخل الحقائق العلمية عن النمل في الرواية مع شيء من الخيال الجميل لصنع الحبكة خاصة عندما يتصل عالم البشر بعالم النمل...وصعوبة ذلك الاتصال بسبب قسوة البشر وتحطيمهم لكثير من الحيوات والكائنات على هذا الكوكب بقصد أو دون قصد!!!!
 
تثير الرواية أسئلة من نوع:
هل الصراع هو الأصل للبقاء في عالم الكائنات ولا مجال للتعاون وتبادل المنافع بينها؟
الرواية هي الجزء الأول لثلاثية النمل ...فلا يزال هناك الجزء الثاني والثالث...

 

هوس الكتابة الروائية باليمن(استطلاع رأي)

 

المشاركة بالاستطلاع الخاص بمجلة سلاف الثقافية عن هوس الكتابة الروائية باليمن...
يمكن تحميل العدد الرابع لمجلة سلاف الثقافية عبر الرابط:
 



 

رواية ذاكرة الرحيل لعبد الرزاق قرنح:



الرواية مؤثرة ومؤلمة لأنها تعكس واقع الناس في بلدة أفريقية ساحلية في شرق أفريقيا دون تسميتها.

الرواية تسرد جزء من حياة حسان الذي يعيش طفولة تعيسة في عائلة فقيرة حيث يترافق الفقر والعوز مع السقوط في الرذيلة والإدمان....
يشعر القارئ بالمرارة وهو يتابع تفاصيل حياة حسان التي يمر عليها الكاتب سريعا بما يشبه غرس خنجر في القلب...


تفاصيل طفولة حسان وهو في الخامسة من عمره حيث يتعرض للضرب بطريقة وحشية مع أخيه الأكبر سنا من أب سكير وأم مهزومة ومشاعر الذنب بعد وفاة أخيه متأثر بالحريق لأنه لم يتمكن من انقاذه...
تدفعه أمه للخروج من البلدة لتحقيق طموحه بحياة أفضل ودخول الجامعة عبر الاتصال بخاله الذي يعيش في نيروبي والذي حرمها نصيبها في الميراث، لكنه يتعرض للطرد بعد أن يقع في حب ابنة خاله...
عبر حكاية حسان وظروف عائلته يلخص الكاتب حقيقة وحشية الاستعمار الاوروبي لأفريقيا وما خلفه من فقر وفساد ومعاناة لشعوب تلك البلاد...

"تاريخنا المشحون بالتعسف وسوء المعاملة والجور والطغيان الذي مورس على الأفارقة بتحالف من العرب والهنود والاوربيين، كان من السذاجة التوقع لأن تسير الأمور على نحو مغاير"

ويعرج لتورط والد حسان بخطف الاطفال وبيعهم عبيد وارسالهم لبلاد الخارج العربي، وكذلك ماساة اغتصاب الاطفال...
كما يلمح الكاتب لحقيقة افتتان بعض أفراد شعوب الدول التي عانت من الاستعمار ببلاد المستعمر والتعبير عن كراهيتهم لأبناء بلادهم وتعبيرهم عن مشاعر عقد النقص تجاه دول أوروبا ومنتجاتها الصناعية وإحساسهم بالمرارة لكونهم مجرد مستهلكين لما تنتجه الدول الصناعية...


الرواية تذهب أيضا لفساد الحكومات التي تستلم الحكم بعد خروج قوات المستعمر والتي تعمل على تدمير الوحدة الوطنية لغرض إحكام قبضة الحاكم على الناس، فهو لا يهتم عبر حكوماته بتحسين حياة الناس...ويتضح هذا في الرواية من وضع المستشفى الذي لا وجود لسرير لجدة حسان التي يتم اسعافها حيث لا سرير ولا طبيب ، الطبيب الوحيد بالمستشفى مشغول بمرافقة رئيس البلد ...
تنتهي الرواية بمغادرة حسان لبلاده بحثا عن حياة أفضل...