قراءة للرواية المستحيلة -فسيفساء دمشقية لغادة السمان

 
تبدأ الرواية بشد انتباه القارئ من الصفحة الأولى...
الرواية هي سيرة ذاتية للكاتبة وخلال 500 صفحة تنتهي الرواية وبطلتها في 16 ربيعا ..وعلى القارئ البحث عن الجزء التالي ...
لغة الرواية جميلة ...تنساب بسهولة ويسر ...الخيال فيها جميل ...التركيز على سرد المشاعر لكل شخصية ...إدخال الخيال في كثير من المنعطفات للرواية ...
قول الحقيقة بلغة جذابة وقوية...تنبيهات بديعة...

تركز على مشاعر الطفلة بطلة الرواية التي فقدت أمها باكرا...
كيف يعيش طفل دون امه، كيف يتعلم أن يبتلع دموعه واحزانه عندما يدرك أن في غياب الأم لاوجود لحضن بديل ، وعاطفة تفيض عليه دفئا وحنانا ...
تسرد مواقف كثيرة للطفلة التي تهرب للخيال بحثا عن أمها، سيطرة الخوف من الظلام والجن والعفاريت وكل الشخصيات والمخلوقات المرعبة التي تحكى للسيطرة على الطفل فيعيش لسنوات أسير لها ...
دمشق في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي ، هزيمة جيوش العرب أمام عصابات احتلت فلسطين وطردت اهلها...
الانقلابات المتتالية في سوريا وفساد انظمة الحكم المتساقطة والديكتاتورية وسجن الناس، وانتشار الرشاوي والمحسوبية، ومعزوفة البلاغ رقم 1 بعد كل انقلاب...


" صحيح انهم جاءوا للحكم باسم الشعب ، ولكن لم يجدوا بعد ذلك الوقت للاهتمام بالناس"...

" مأساة العرب عامة التركيز على أحادية النظرة حيث كل واحد واثق من أنه على صواب وسواه بالتالي مخطئ بالضرورة "...
في الرواية كثير من النقد لأوضاع غير صحيحة ...مثل التفرقة بين البنت والولد ...وتفضيل الذكور من الأبناء...لكن بطلة الرواية يقول لها والدها:
" تذكري دائما أنك صبي قادر على انجاب الصبيان، وهو ما يعجز عنه لؤي ودريد"...
من الاشياء الملفته تلك العادات البسيطة التي كان الناس يمارسونها عندما تسقط الاسنان اللبنية، وهي تشبه ما نقوم به في اليمن ...
"هدأت جدته من روعه ونصحته بأن يدفنه في تراب الحوض وهو يقول : خذوا سن الحمار واعطوني سن الغزال "...
وفي اليمن يقال للطفل أن ينتظر بزوغ الشمس ويرمي السن ويقول: ياعين عين الشمس شلي سن حمار وادي لي سن غزال ....

وأيضا مسألة من يعد النجوم فتنبت على اصابعه ثآليل...أو فلل كما نسميها ...

تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 2009، بعنوان " حراس الصمت"
...



قراءة للمجموعة القصصية العالم ذبابة حطت على أنفها



يشد انتباهك عنوان المجموعة ..هو عنوان إحدى  القصص القصيرة بالمجموعة...17 قصة قصيرة...كل قصة تسلط الضوء على جزء من جرح كبير على جسد الوطن ...ليبيا
حرب وخوف ونزوح وموت يومي ...
الكاتبة تلتقط تلك اللحظات لترصد المشاعر الإنسانية لمن يفقد الأمان داخل وطنه ...
" ذهبت إلى عيادة سيدي حسين لمرضى السكر لتجلب الأنسولين لوالدتها ولكنه غير متوفر ولم تعرف كيف تخرج من هذه الورطة ..دخلت إلى محل المواد الغذائية ابتسمت للسوداني وحيته..التقطت بعض الأغراض..قال لها وهو يبتسم خجلا: الدين كثير ..قالت بألم وخجل : لن اتأخر في السداد إن شاء الله..
خرجت وكأن العالم ذبابة حطت على أنفها..كانت تتنفس مكرهة وتمشي مثقلة..ناداها ابن الجيران ونبهها عند ذهابها إلى البيت بأن لا تعبر الطريق المقابل فقد اعتلى أحد القناصين بالجهة الأخرى إحدى البنايات..
كل شيء ضاق بها.."
هذا جزء من القصة التي تحمل عنوان المجموعة ...
ذبابة تحط على أنفي أي وصف بليغ لرسم حجم الضيق ...
تخيل تلك الذبابة اشعرني بالضيق فعلا ...
ابدعت الكاتبة بوصف مشاعر الألم والحزن والاحباط لمن يعيش تلك اللحظات المرعبة اليومية ..

لحظات أعرفها وعشتها تحت رعب القصف في صنعاء ..
كيف تكون حياة الناس ومشاعرهم في ظروف غير عادية حيث تنقلب حياتهم رأسا على عقب ...لا يدرون لماذا ولا إلى متى يستمر هذا الجحيم اليومي الذي يعيشونه...

جاءت القصص كنوع من التوثيق لما يعانيه الناس بشكل يومي في حياتهم ، ومن غير قلم مبدع يرسم ويوثق تلك المشاعر المدفونة تحت ركام الخوف ...
القصة الأخيرة في المجموعة تختتمها بقول الشاعر محمود درويش:
"الحنين ندبة في القلب وبصمة بلد على جسد..لكن لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس، بل يحن إلى ما قبله. إلى زمان‌ لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى،  التي تذيب الوقت كقطعة سكر في فنجان شاي".

 



كتاب: الملكة بلقيس التاريخ والاسطورة والرمز لبلقيس إبراهيم الحضراني



جمعت المؤلفة في الكتاب ما قيل عن ملكة سبأ في الديانات السماوية والأسطورة وكتب التاريخ.
يقول جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب مقدمة الكتاب:
" امتزاج الحقيقة بالخيال بشأن الشخصيات الماضية إنما هو نتيجة انبثاق الأسطورة الخارقة من واقع مدهش ، لم يكن للإنسان أن يصوره إلا على هذا الغرار الذي يرى فيه تزاوج الإنسي بالجني، أو تزاوج البشري بالإلهي لعله يمسك بملامح يمكن للعقل إدركها".

فبلقيس هي امرأة خرافية الجمال والسطوة والمال، كما تذكرها الكتب والاسطورة.

فقد أجمع المؤرخون اليمنيون القدامى والمحدثون والمفسرون، إضافة إلى الحكايات الشعبية التي نسجها الخيال الشعبي أجمعوا على أن ميلادها كان من أب أنسي وأم من الجان، بل هي بنت ملك الجان. أي من الطبقة الارستقراطية.
أم بلقيس من الجن وهي رواحة بنت سكن في كتاب التيجان وهي الحوراء ابنة اليلب بن صعب العرمي ، ملك الجن، في كتاب ملوك حمير وأقيال اليمن.

والدها عندما أدركته المنية ، جمع وجوه حمير وأهل المشورة من بني قحطان وخاطبهم:
يابني قحطان أما أنكم تعلمون  فضل رأي بلقيس علي فإنها لا تخطئ  ما تشير به عليكم ، كيف تجدون بركة رايها؟وقال: فإني استخلفها عليكم.
فقال رجل منهم: أيها الملك ، تدع أفاضل قومك وأهل ملتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان التي هي منك ومنا؟

تفسر الكاتبة رفض القوم واستنكارهم أن تولى عليهم، لتأثير ثقافة من نقل الحكاية من العرب الذي صبغوا الحكاية بثقافتهم التي ترى المرأة في مستوى أدنى من الرجل ولا تزال.

تسهب الكاتبة في ذكر الرواية من مصادر مختلفة، والتي تجمع كلها على قصة الملكة بلقيس أو ملكة سبأ مع النبي الملك سليمان، تختلف الحكايات في بعض التفاصيل.

ولكن هناك ملكة سبأ في الحبشة، وبالعودة لما جاءت به كتب التاريخ ، فالاحباش جزء من السبئيين الذين عرفوا بهجراتهم المتكررة التي عبرت البحر الأحمر إلى السواحل الشرقية لأفريقيا. وهم ينتسبون لقبيلة حبشت التي ظهرت في النقوش اليمنية ، كما أشار إليها المؤرخ والمستشرق السر بدج في مؤلفه الشهير "تاريخ أثيوبيا"، إذ يقول إن حبشت هو الاسم الذي أطلق على قبيلة عربية غزت البلاد قرونا عديدة قبل المسيحية، وقد أطلق المستشرقون على سكان هذه البلاد اسم الغزاة القدماء، أي الحبشة.

يحتوي الكتاب على معلومات كثيرة عن ملكة سبأ ومملكة سبأ ، وماجاء عنها في الأدب اليمني، وخاصة الشعر.
وتختتم الكاتبة البحث بقصائد لعدد من الشعراء اليمنيين التي ربطت بين بلقيس الملكة التي اصبحت في الخيال اليمني هي الرمز للوطن والثورة والحلم.

من الفقرات الجميلة في الكتاب عن التاريخ:
"المفهوم الحديث للتاريخ كما يراه المهتمون اليوم، لم يعد عملية تسجيل للوقائع والأحداث والسير، لحفظها والتذكير بها، بل اصبح مرتبطا بعملية التطور الحضاري بشكل عام في جميع المجالات.
فكما يعالج عالم النفس الكوامن الغامضة والعميقة من ذاكرة الفرد في شعوره ولا شعوره، كذلك يفعل المؤرخون، على أن يكون لديهم الخيال الخصب ليعينهم على تقمص الماضي واستحضاره، إضافة إلى امتلاكهم الاستعداد الذهني القادر على اكتشاف العلل والأسباب من خلال النتائج والظواهر".


 

الكرد في اليمن، دراسة في تاريخهم السياسي والحضاري 1173 - 1454م لدلير فرحان إسمايل

 

وقفت أمام العنوان، هل هناك أكراد في اليمن ؟
مساحة ما نجهله أكبر بكثير من تلك الخاصة بما نعرفه...
نعم هناك كرد في اليمن من زمن الدولة الايوبية....
صلاح الدين الأيوبي ارسل أخاه تورانشاه إلى اليمن بثلاثة الآف جندي من الأكراد...
كانت اليمن في ذلك الزمن تعيش فترة خلافات مذهبية،  وصراعات سياسية واقتصادية،   بين 4 دويلات:
بني زريع في عدن...
بني حاتم في صنعاء . .
بني مهدي في زبيد ...
وشمال اليمن بيد الإمامة الزيدية ....
تلك الخلافات تتسبب بالفوضى وعدم الاستقرار وعانى السكان من ويلات الحروب المستمرة والخراب والدمار.
عبد النبي بن مهدي قام بأعمال مخالفة للشريعة في زبيد..ظلم الناس ، وسبى النساء وقطع الخطبة عن الخلافة العباسية وأعلنها لنفسه...وكان هذا سبب كاف ليرسل صلاح الدين حملة عسكرية بعد طلب الناس الإغاثة من الخليفة في بغداد ....
يحكم اليمن على التوالي عدد من الملوك الأيوبيين:
سيف الإسلام طغتكين...
الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام وهذا غير مذهبه وانتقل للمذهب الاسماعيلي ، وتنتهي حياته بالقتل بسبب هذا...
الملك الناصر سيف الإسلام...
الملك سليمان بن شاهنشاه بن أيوب ...
الملك المسعود...

يذكر الكتاب أن الوحدة السياسية بين مصر واليمن تحققت للمرة الأولى على يد الملك تورانشاه، لكنه لم تعجبه الإقامة في اليمن فغادرها عام 1175م.
كان النواب يحملون الخراج من اليمن إلى مصر. 
بعد موت الملك المسعود تنتهي الدولة الأيوبية في اليمن عام 1227م.
 
وتبدأ مرحلة دولة بني رسول من 1128حتى 1454م، والتي قامت على أنقاض الدولة الأيوبية.
ويسرد الكاتب دور الكرد تحت حكم بني رسول واستقرارهم في اليمن...
وكان آخر ملك للدولة الرسولية عام 1452م.
 
الفصل الاخير يستعرض منجزاتهم في اليمن ...ومساهمات الكرد الحضارية في اليمن ...
بستان السلطان في صنعاء القديمة ...يقصد به السلطان الأيوبي ...
يبدو أن التشرذم والحروب بين الدويلات هي لعنة تاريخية لم نتعافى منها بعد ...لعنة تصيب من لا يتعلم من دروس التاريخ....
التنوع العرقي في اليمن مثير للانتباه، وهو يعدو تنوع ثقافي جميل يثري ويغني الحياة الثقافية في اليمن. عكس تخيلات المتعصبين ممن يظنوا أن هناك بلد في العالم لم يختلط بغيره من الجنسيات والأعراق . هم خارج العصر وسيتجاوزهم الزمن.
 

 

قراءة في كتاب : شاهد على اليمن، أشياء من الذاكرة لأحمد جابر عفيف


 
الكتاب هو شهادة على عصر الكاتب، يتذكر فيه الكاتب جزء من طفولته وشبابه وانتقاله إلى العاصمة صنعاء بحسب طلب من وزير المعارف سيف الإسلام عبد الله بن الإمام يحيى...الذي طلب من إدارة معارف الحديدة اختيار مجموعة من طلاب تهامة ليصعدوا إلى صنعاء بغرض الزيارة ...
تلك الزيارة تترك أثر كبير في نفس الكاتب  ويحن للعيش في صنعاء بعد عودته لبيت الفقية ...
من اللفتات الجميلة في كتب المذكرات أن يأخذنا الكاتب  في رحلة عبر الزمن إلى الماضي الذي لا نعرفه فنحاول رسم ملامح واضحة لأهل ذلك الزمن، ونتلمس معاناتهم، ونشعر كأننا هناك معهم ...
قليلة هي الاخبار عن طفولة الكاتب وحياته قبل أن يستقر في صنعاء ...
ربما بسبب طبيعة كتابة الكتاب...فالاستاذ أحمد جابر عفيف رحمه الله تم اقناعه بأن يسجل ذكرياته على اشرطة كاسيت فهز يسرد ما يتذكره وبعدها تمت عملية نقل ذلك إلى الكتاب ...
الرجل شخصية ليست عادية...رجل اهتم بعملية التحديث في اليمن، تولى منصب وزير للتربية، ناضل لبناء جامعة صنعاء،  كون النادي الأهلي،  له مؤسسة ثقافية رائدة مؤسسة العفيف الثقافية،  وكم من الشخصيات اليمنية التي لها اسهامات ثقافية كهذه ؟

فكر في تأسيس دار مأرب للطباعة والنشر لتنافس دور النشر العربية الشهيرة...ولكن يشرح العقبات التي حالت دون ذلك...
بنى مدينة حدة السكنية ليساهم في حل مشكلة الموظفين ...
هذا جزء من انجازات الرجل رحمه الله...

حارب القات ومؤسسة يمن بلا قات من أفكاره العملية ...
ينتقد بشدة من يحاولون تجميد الحياة في اليمن ويقفون سد منيع في وجه التغيير والتحديث ...
يرصد الكثير من الملاحظات غير الصحية في التصرفات والأوضاع...فعلى سبيل المثال يستغرب كيف يتصرف اليمني بطريقة طبيعية ويمارس كافة الاعمال خارج اليمن ، لكنه يستنكف عن ممارسة أي عمل في بلده ويتصرف باستهتار ويغسر ذلك بأن حكام اليمن سحقوا الإنسان وسدوا أمامه المنافذ...وأظنه يقصد الحكم في الماضي وبعد الثورة...

رأيه في الانتفاضات والثورة يستحق الوقوف عنده طويلا ...فهو يرى:
 " أنه لم يكن هناك ثمة تخطيط دقيق ومنظم وإنما كان الحماس والتبرع اللذان يدفعان إلى مبادرات فيها البطولة وفيها قدر من الارتجال".
رأيه أيضا في الرئيس إبراهيم الحمدي يستحق الوقوف عنده كثيرا ...ويشير إلى استقالة الأستاذ أحمد دهمش دون أن يذكر تفاصيلها ...

يرصد مظاهر الفساد لكن للأسف لا يذكر أسماء ...يضع تلميحات فقط ...
كثير من القصص التي يستشهد بها لا يذكر تفاصيلها بل يكتفي بالقول وهي قصة معروفة للجميع ، رغم ان القصة المعروفة للجميع في فترة لا يعرفها من يقرأ الكتاب ...

في صفحة 38 وهو يذكر كيف تم استقبالهم في الأربعينات وهو في المرحلة الابتدائية ...استقبلوهم في الحديدة قبل سفرهم لصنعاء يذكر كيف فصلوا لهم ملابس جديدة موحدة، وعلموهم..." طريقة اللباس وطرق الأكل وخاصة كيف نمسك بالملعقة والشوكة والسكين.."

الكتاب لا يعطي معلومات كافية عن الأستاذ أحمد جابر العفيف رحمه الله ، وتمنيت لو أن من اشرفوا على الكتاب يومها استوضحوا معلومات أكثر من الرجل ...
الكتاب برأيي يحتاج إعادة كتابة وترتيب للأحداث...أو وضع تواريخ لكثير من الأحداث ...
الكتاب يجعل القارئ يشعر فعلا  انه يستمع لشخص يروي من ذاكرته لمحات من حياته ...من هنا ومن هناك ...

فيذكر مثلا انه كان يرى اشخاص بلباس غريب يجوبون الشوارع في طفولته وعرف فيما بعد انهم من أفراد الجيش السعودي الذين دخلوا بيت الفقية عام 1934...
وقد يعود للحادثة نفسها مرات، وتغيب كثير من التفاصيل ...
أفرد الكتاب الفصل السادس عشر  لوثيقة العهد والاتفاق بين أطراف القوى السياسية وهي النسخة الاصلية كما جاء في الكتاب مع توقيعات للجان الحوار ...
وهناك عدد من الصور للكاتب من سنوات مختلفة وينتهي الكتاب بوصية الأستاذ العفيف رحمه الله ....
في كثير من الصفحات يركز وبشدة على قضية تقدم اليمن...وضرورة احداث نقلة جذرية للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في اليمن...
رحمه الله، ونحلم أن تتحقق

 أحلامه يوما فهو غرس بذرة صالحة وجيدة ...

 

 


قرآءة لرواية: مسرى الغرانيق في مدن العقيق لأميمة الخميس

 

...
عنوان الرواية غريب ...
نعم، هو كذلك ...
هو لا يشبه عناوين الروايات ففيه سجع ومفردات غريبة ...
لكن عندما تشرع بقراءة الرواية ستعرف السبب..
الرواية تحكي رحلة لمزيد الحنفي تاجر الكتب من بلدة عين التمر إلى بغداد ومنها إلى القدس ليغادرها إلى القاهرة ومنها إلى قرطبة ...
تلك الرحلة في القرن الرابع الهجري ...في ذلك الزمن كانت عناوين الكتب تكتب بهذه الطريقة ...
وسيتعرف القارئ على عناوين لعدد من الكتب التي وجدت في ذلك الزمن...
فالرواية تدعو القارئ لدخول ذلك الزمن ابتداء من غلاف الرواية...
في تلك المرحلة الزمنية من التاريخ نضج المشروع الفلسفي لدار الحكمة في بغداد...
كما بدأت فيه محاولات الفقهاء لهدم ذلك المشروع...
بطل الرواية "مزيد الحنفي" يترك دياره في الصحراء قاصدًا بغداد باحثا عن أجوبة لأسئلته الوجودية.
وفي بغداد يصبح عضوا في جماعة سرية تسمى الغرانيق...
كل فرد فيها هو من السراة...
الرواية تأخذنا لنعرف أهم ملامح تلك الفترة الزمنية ...فترة الاضطرابات والفتن ...
قتال وشجار يومي في بغداد بين الحنابلة والمعتزلة...الخليفة العباسي ضعيف لا حول له ولا قوة ...
فينجو بطل الرواية بحياته ويذهب إلى القدس ليجد الفتنة هناك ...كنيسة القيامة امر الخليفة الفاطمي أن يصبح سماها أرضها وطولها عرضها فدمرت وأحرقت...والفتنة تطل على أبواب المدينة ...
القاهرة في زمن الخليفة الذي يمنع الملوخية ومن تخرج من النساء للشارع تتعرض للعقاب والكثير من الأمور المخالفة للعقل ...
قرطبة مدينة ودعت العقل والعلم في زمن خليفة يلاحق أهل الكتب والعلم ...
لغة الرواية جميلة في تغير تكلف ...لغة استمتعت بها وبروعة تعبيراتها ...
عدد صفحات الرواية 559 لكنني فوجئت بنهايتها...
تمنيت لو كانت أطول من ذلك، الفصل الأخير كانت أحداثه سريعة.
وأسعدني كثيرا الإهداء على الصفحة الأولى للرواية بخط الكاتبة.
 


 

كتاب: القصص القرآني- قراءة معاصرة.

 

كتاب : "القصص القرآني - قراءة معاصرة " تحليل جديد وعلمي لقصص الأنبياء.
يستهلّ المؤلّف المجلّد الأول - والذي يحمل عنوان فرعي : مدخل إلى القصص وقصة آدم- بمقدّمة أساسية تطرح فلسفة للتاريخ من خلال قراءة القصص القرآني بمنهجيّة علمية توظّف المعارف المستجدّة في مجال العلوم الأنثروبولوجية والآثارية.
ويصل إلى نتائج تنفي التناقض بين القرآن والعلم،مخرجاً القصص من إطار السرد التاريخي إلى آفاق إنسانية ومعرفية.
ويفكّك المؤلّف العقلية التراثية التي تعاملت مع القصص، وينتقد اعتمادها على الأساطير البابلية والتوراتية وتغييبها لمبدأ البحث والسير في الأرض كمنطلق رئيسي في فهم التاريخ.
يتضمّن المجلّد الأول أيضاً قصّة آدم كنموذج تطبيقي للمنهجية التي يطرحها، من أجل فهمه بكيفية علمية وفلسفية.
يقع "القصص القرآني" في ستة مجلّدات أو اجزاء تصدر تباعاً: "المجلّد الثاني: الوحي وتأسيس المجتمع"
"المجلّد الثالث: الحنيفية الإبراهيمية والبيت الإنساني"، "المجلّد الرابع: بنو إسرائيل"،
"المجلّد الخامس: المسيح عيسى بن مريم"،
"المجلّد السادس: القصص المحمدي".
مجموعة تستحق القراءة ⚘

 

قراءة لكتاب: اليمن تحت حكم الإمام أحمد 1948 - 1962م للدكتور: أحمد عبيد بن دغر

 

قراءة تاريخ اليمن تتطلب الإطلاع على كل ماكتب ...
وحاليا أحاول قراءة كل ما كتب حول تاريخ اليمن الحديث والمعاصر وحتى القديم.  
اليمن تحت حكم الامام أحمد هي رسالة دكتوراة للدكتور بن دغر ...
الكتاب يسرد الكثير من الاحداث للفترة الزمنية من حكم الامام يحيى حتى قيام ثورة 26 من سبتمبر في العام 1962 .. 603صفحة ...يزخر بالمراجع الأجنبية والعربية التي نشرت وتلك التي لم تنشر ..
يبدأ الكتاب من تاريخ انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ودخول الإمام يحيى صنعاء معلنا قيام المملكة اليمنية ...
الكتاب يضع القارئ أمام تصور واضح لتلك الفترة ..الأوضاع الاقتصادية (الإنتاج والخدمات)، وطبقات المجتمع والمجتمع القبلي ...
والمذهب الزيدي ...الحياة الثقافية والتعليم ...
ملامح سياسة الإمام والمعارضة التي طالبت بالاصلاحات...
مقتل الإمام وبدء حكم الإمام أحمد ...والعلاقات الدولية في ذلك العهد ...والعلاقات مع بقية الاقطار العربية ...
الانتفاضات المتعددة ، حتى سقوط الإمام وقيام النظام الجمهوري...
العجيب أن اسلوب نظام الحكم او الطريقة التي كانت البلاد تدار بها لم تتغير كثيرا رغم تغير النظام من ملكي إلى جمهوري ...
كثير من ملامح النظام وثقافته وأساليب الإدارة لاتزال متبعة حتى اليوم ...هذه الملاحظة الأولى...
 
الملاحظة الثانية اعتماده على مصادر تنظر للمذهب الزيدي بشكل عدائي، رغم أنه يقول أن الإمام أحمد كان يصلي في مساجد تعز بحسب مذهب الشافعي. فكان على الباحث أن يكون أقل حدة في اشارته للمذهب الزيدي، لأن التاريخ يثبت أنه لم تكن هناك حرب مذهبية في اليمن في تلك الفترة. والعداء لحكم الإمام لا ينبغي أن ينسحب على المذهب. الحاكم المستبد مشكلته الاستبداد وطريقة الحكم وإدارة البلد وليس نوع المذهب الذي يؤمن به.
 
والملاحظة الثالثة مدى دقة المعلومات في الكتاب ...
تحتاج هذه النقطة لقراءة مستفيضه في تاريخ اليمن ...
لاحظت ان الكاتب جانبه الصواب في معلومات أعرفها تمام المعرفة...
في الفصل الاخير عن قيام النظام الجمهوري وتحديدا تحت عنوان تنظيم الضباط الاحرار جاء مايلي في صفحة 538:
"كان من بين أبرز المؤسسين لمنظمة الضباط الأحرار علي عبد المغني، وعبد اللطيف ضيف الله، وحسين السكري، وعلي قاسم المؤيد، ومحمد مطهر زيد، وصالح الاشول، وأحمد الرحومي، بالإضافة إلى عبد الوهاب جحاف ، الذي عقدت الاجتماعات التمهيدية في بيته. وجميع هؤلاء كانوا برتبة ملازم ، ماعدا عبد اللطيف ضيف الله ، وحسين السكري ، الذين كانا يحملان رتبة رئيس في الجيش بحسب الألقاب اليمنية حينها".
وهنا يبدو واضحا الخلط الذي وقع فيه المؤلف ...فهو يقصد يحيى ناصر جحاف وليس عبد الوهاب ناصر جحاف ...
لأن والدي رحمه الله يحيى ناصر جحاف هو من المؤسسين لتنظيم الضباط الاحرار حيث كانت الاجتماعات تتم فعلا في منزل والدي ...ووالدي ضابط لكن عمي السفير عبد الوهاب جحاف هو مدني وليس عسكري ...كان وقتها مذيع في إذاعة صنعاء ...
ويؤكد هذا الخلط الذي وقع فيه المؤلف ما ادرجه بعد اربع صفحات، عندما عندما تحدث عن الاخرين الذين شاركوا الضباط الاحرار من المدنيين وذكر منهم : عبد الوهاب جحاف .
لا ادري سبب الخلط هذا لكن في صفحة 539 يعود لذكر اسماء الضباط المؤسسين للتنظيم فيذكر يحيى جحاف ...
قد يكون الخلط بسبب المراجع التي رجع لها الباحث ...رغم ان تناقض المعلومة لم تلفت انتباهه...
كما لا حظت أن الكاتب اكتفى بسرد وتنظيم الأحداث التي استخرجها من عدد كبير من المراجع، اكتفى بالعرض دون تحليل ومقارنة لتلك الأحداث والأخبار...وكأنه ترك ذلك للقارئ.
 
على كل حال الكتاب جدير بالقراءة ويثير شهية القارئ لقراءة المذكرات والسير الذاتية التي كتبت عن تلك الفترة لتصحيح أي معلومات متداخلة ومتناقضة، لأن في كتابة التاريخ تحدث أخطاء وتجاوزات...
 




 

تردي الاوضاع الاقتصادية وغياب مشروع الدولة

أتذكر أنني شعرت  بالاستياء الشديد من كلام المفكر محمد حسنين هيكل عندما قال في تعليقه على أحداث ثورة الربيع العربي في اليمن إن ما يحدث في اليمن ليس ثورة! بل قبيلة تحاول أن تتحول إلى دولة.
إذا لا وجود لدولة في اليمن، ولكن قبيلة تحاول أن تصبح دولة.
نعم، شعرت بالإهانة واستغربت كيف يصدر مثل هذا الكلام من مفكر بحجم هيكل.
ويبدو أننا نستغرب عندما يتم مواجهتنا بما لا نعترف به. نرفض تماما القبول والتصديق بسبب هول الصدمة التي تصيبنا.
ولكن لو حاولنا أن نتأمل لماذا قال هيكل ذلك؟ هل كان كلامه اعتباطا؟ هل كان في ما قاله نوع من الافتراء على حقيقة الوضع في اليمن؟ هل فعلا تحكمنا القبيلة منذ قيام ثورة 26 من سبتمبر؟ هل فشلت القوى السياسية في وضع أسس دولة حقيقية في اليمن؟
كثيرا ما سمعنا أن ثورة 26 سبتمبر، تخلصت من أشخاص النظام الملكي لكنها لم تتخلص من عقليته في إدارة البلاد.
فلا مؤسسات ولا قوانين حقيقية تم تأسيسها في البلاد، لقد ظل الحكم يعتمد على الشخص المسؤول. فلو غاب الوزير أو المدير لتعطلت كل الأمور. الوزير الجديد يستطيع بسهولة نسف كل جهود الوزير السابق والبدء من الصفر.
بالطبع لا ننسى أنه لنتحكم في المستقبل لابد من مراقبة وفهم الماضي القريب. على سبيل المثال فهم سبب استخفاف الحكومات المتعاقبة بالمواطن واحتياجاته.
المواطن وضع كل آماله في الدولة – والتي يبدو أنها لم تكن موجودة أو لم تكن على مستوى طموح المواطن – لكن آماله خابت فلا تنمية تحققت ولا شهد المجتمع تحديثا حقيقيا. بل إن كل مشاكل المجتمع تضخمت وأصبحت مستعصية وفشلت الدولة في حلها، وظلت مشاكلنا تتفاقم… الأمية، البطالة، الفقر.
لو أمعنا النظر في الوضع الاقتصادي لوجدنا أن وسائل الإنتاج المتخلفة هي السائدة، ففي القطاع الزراعي على سبيل المثال، لم يتم ميكنة العمل الزراعي رغم خصوبة الأرض واتساع رقعة الأراضي المنتجة للمحاصيل الزراعية، بل إن زراعة القات تسطو على أغلب الرقعة الزراعية دون وجود قوانين تحد من ذلك رغم وجود دراسات تظهر حجم الكارثة، وأثر زراعة القات الكارثي على منسوب المياة القليلة، لكن الدولة لم يكن لها دور إيجابي للحد من ذلك. تخلف الإنتاج الزراعي يؤثر بشكل سلبي على مستوى معيشة المزارعين في الريف والذي يشكل 70% من سكان البلد. الدولة تترك المزارع وحيدا يواجه ظروفه دون عون حقيقي، بل إن انتشار المبيدات التي تدخل بطرق غير مشروعة والاستخدام المفرط لتلك المبيدات من قبل المزارعين ودون رقابة أدى إلى إنهاك التربة، وساهم ذلك في انتشار مرض السرطان خصوصا لدى متعاطي القات كما أثر على جودة معظم المنتجات الخضرية. واللوم لا يقع على المزارع الذي لا يعرف خطورة مايقوم به فهو يحتاج للتوعية والإرشاد من الجهات المختصة.
ولأن المزارع في الريف لا يجد العون والدعم اللازم فهو يلجا للهجرة الداخلية، من الريف للمدينة، مما يتسبب في زيادة نسبة الأيدي العاطلة عن العمل، واتساع نسبة الفقر بمرور الوقت.
أما لو انتقلنا للقطاع الصناعي فليس هناك وجود لصناعة حقيقية تستطيع تشكيل طبقة ملحوظة من السكان يعملون في القطاع الصناعي، ونتذكر مصنع الغزل والنسيج في العاصمة صنعاء، الذي أغلق أبوابه رغم أنه كان مصدر رزق لعدد كبير من العائلات. وبدل من أن تزداد أعداد المصانع في البلد تم إغلاق ما كان موجودا.
هذا يعني بوضوح أن البلد لم يشهد نموا اقتصاديا يعمل على توفير فرص عمل للأيدي العاملة التي يزيد عددها عاما وراء عام. بمعنى أكثر دقة الدولة لم تلعب دورا حقيقيا في تنمية الاقتصاد.
الطبقة الوسطى المتعلمة في البلد تضاءلت بسبب سياسات الحكومة التي عملت على تحسين ظروف ملاك رؤوس الأموال المواليين للحكومة، فلعبت السياسة دورا حاسما في مجال الاقتصاد فاستفاد عدد قليل من الأشخاص على حساب مجموع المواطنين التي تلاشت آمالهم في حياة كريمة.
قام الاقتصاد الريعي في اليمن على موارد نفطية قليلة، ومساعدات خارجية لكن الفساد المتفشي كان يشتت كل شيء.
وهذا يجعلنا نذهب لمسألة تكوين الدولة في اليمن، فالتاريخ السياسي الذي أتت منه الدولة اليمنية الموحدة هو تاريخ مليء بالصراع على السلطة والثروة، مع غياب مشروع واضح للدولة الحديثة. مشروع لدولة يمنية تضمن العدل والمساوة والحياة الكريمة لكل مواطن يعيش على ترابها. وعند ظهور هذا المشروع من نخب لا تلهث وراء السلطة سيتغير الواقع اليمني، وستظهر الدولة التي ستبني الاقتصاد الذي يضمن الحياة الكريمة للجميع.
اليمن بلد لا يعاني من قلة موارد وثروات، على عكس دول صناعية ناجحة في الإنتاج رغم فقرها في الموارد الطبيعية مثل اليابان.
في دراسة لرسالة الدكتوراه للباحث الشوكاني تتحدث عن التحديات التي تواجه مشروع الدولة اليمنية الحديثة والتي أهمها التدخلات والمصالح الخارجية. قال في دراسته إن مخرجات الحوار الوطني مثلت برنامجا تحديثيا لبناء الدولة اليمنية بطموح يفوق القدرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة وهو ما يمثل تحديا كبيرا لليمن على المنظور البعيد. والدولة التي تعجز عن تحقيق الأمن والمحافظة على الاستقرار السياسي هي دولة فاشلة وعاجزة، ومن الصعب الحديث حينها عن وجود اقتصاد.
هل سينشأ تعاون بين الحكومة رغم كل الصعوبات الحالية وبين القطاع الخاص لوضع حد أعلى للأسعار ومنع المضاربة والتربح من معاناة الناس. في الوقت الحالي الملف الإنساني هو أهم ملف على الحكومة الاعتناء به، بالمساعدة مع الجهات الدولية المانحة حتى لا تزداد الأوضاع المعيشية للناس سوءا.
ففي ظل الاهتمام الدولي بالوضع الإنساني فهناك فرصة للحصول على دعم مباشر للاقتصاد، لو تم توجيه الدعم بشكل صحيح بعيدا عن دهاليز الفساد المعتادة والاستغلال البشع لمآسي الناس.
الوضع الاقتصادي الحالي متدهور بسبب توسع رقعة الفقر، وتدهور سعر العملة، انقطاع المرتبات، غلاء الأسعار، الحصار. وهناك حاجة لبرامج فاعلة للتعافي الاقتصادي، وتحسين الإدارة الحكومية المتعلقة بتوفير الاحتياجات الأساسية للناس مثل المشتقات النفطية وغيرها وضبط عملية الاستيراد والتوزيع بعيدا عن تجار الحروب. هناك حاجة للتركيز على البرامج التي تساعد السكان على تجاوز حالة الاحتياج وتأهيلهم للاعتماد على أنفسهم بدل من البقاء في دائرة تلقي المساعدات الغذائية فقط..
فكل خطوة تتم في اتجاه ترميم الاقتصاد ومنع المزيد من الانحدار ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح لوضع حجر الأساس لاقتصاد حقيقي في دولة يتبلور مشروعها الحقيقي من معاناة وحاجة الناس لدولة حقيقية.
في وسط كل هذا الركام واللون القاتم الذي يلون المشهد الحالي، هناك ملامح لضوء مهما كانت درجة خفوته يستحق الملاحظة. أنه رأس المال الخاص، المشاريع الخاصة والمشاريع العائلية التي بدأت تطفو على السطح. مهما كان حجم هذه المشاريع فهي تستحق المباركة والدعم والتشجيع، ولنتذكر أن 60% من الشركات الأوروبية هي شركات عائلية، وهي تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدانها وتوفر فرص للعمل.
في إيطاليا هناك 200 ألف شركة عائلية صغيرة، وهناك 4,5 مليون مشروع صغير تمثل 95% من الأعمال التجارية في المملكة المتحدة.
الشركات الصغيرة، والمتوسطة تحتاج لدعم الدولة وتحديدا الدعم القائم على محاولة توفير البنية التحتية والخدمات العامة التي تسهل عمل هذه الشركات، وكذلك نقطة هامة جدا وهي مسألة القانون الضريبي في البلاد، هذه القوانين بحاجة لإعادة النظر فيها لأنها تثقل كاهل المستثمر وتتعامل معه بروح الجباية، فتتعدد مصادر وجهات من يطالبون بالضريبة على تنوع مسمياتها إضافة إلى الزكاة. هذا الأمر في الظروف العادية ينفر المستثمر وتدفعه للبحث عن بلد آخر يقدم تسهيلات للمستثمرين. فهل ستثبت الجهات الرسمية أنها تقدر حساسية الوضع الراهن، وصعوبة ما يواجهه المواطن من ويلات الحرب والحصار والأوضاع غير المستقرة، فتعمل على تحسين أوضاع الناس عبر الاهتمام بالوضع الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي للأسر التي تبحث عن استقرار وأمن والاتجاه لرفع الوعي بين الناس لتبني المشاريع الصغيرة في كل المجالات.
الدولة إلى جانب المنظمات الداعمة التي تساهم بتقديم القروض والدعم والتدريب، ونشر قصص ناجحة عن المشاريع العائلية التي تسهم في دعم الاقتصاد وتقديم فرص عمل لعدد من العاطلين، وتحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع وشركات ناشئة.
العمل الخاص يصقل مواهب ومعارف الإنسان، ويتيح للمرأة بشكل خاص إبراز دورها في المجتمع.
كما تعمل هذه المشاريع على دعم المنتجات المحلية، والتوسع للبحث عن أسواق خارجية مستقبلا، هذه الأعمال تعتمد على قروض صغيرة لتبدأ، وتساعد الناس على الحصول على فرص عمل، وتعزز حصولهم على دخل وبذلك تدعم القوة الشرائية لعدد من الناس.
أصحاب المشاريع يستحقون الدعم لما يقدمونه من خدمة لأنفسهم ولغيرهم وللمجتمع، وعلى الدولة توفير بيئة مناسبة لنمو تلك المشاريع، وسن القوانين المشجعة والداعمة، وتسهيل الإجراءات الإدارية لتشجيع هذه المشروعات وضمان استمراريتها ونموها بعيدا عن التعقيدات الإدارية وثقافة الفيد.
كما تستطيع الدولة أن تخطو خطوة بتشجيع أصحاب الأموال للمساهمة في الاستثمار في مشاريع الدولة لتحسين الخدمات وتقديمها بمعايير أفضل.
المشاريع الصغيرة هي أحد  الحلول العبقرية لنمو اقتصادي تحتاجه البلد في هذه الظروف، فالبطالة ستزيد من حدة الفوضى والأوضاع السيئة، فالشاب التائه دون أمل سيكون هدفا ممتازا للانخراط في مشاريع الحروب المشتعلة، فليكن الحل أن يجد الفرصة للانخراط في عمل يصقل خبرته وينمي قدراته ويدعم ثقته بنفسه وبمستقبل بلده.

https://nasejyemen.com/2019/07/29/%D8%A3%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D8%AD%D8%A7%D9%81-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/?fbclid=IwAR2Rl1Kne5GI6WdExaFoudFEd1-rpOoJZ8shBX-e0GFhrvBTbpOcQKnQJAU

هل لدينا مجتمع مدني حقيقي؟

نسمع عن المجتمع المدني، ومنظمات المجتمع المدني، ونسمع من ينتقد منظمات المجتمع المدني ويلصق بها العيوب والسلبيات. نسمع عن مشاريع للمنظمات لكن المواطن لا يشعر بفائدة تلك المشاريع التي تنتقي من تقدم لهم مساعدات هزيلة. نسمع أرقاماً فلكية للمبالغ التي تقدم لهذه المنظمات لكنها تتبخر في الهواء.
ولكن في البداية نحتاج أن نعرف بالضبط ما معنى مجتمع مدني وما هي منظمات المجتمع المدني، وهل يوجد في بلدنا مجتمع مدني، ومنظمات مجتمع حقيقية؟
مصطلح مجتمع مدني ظهر لأول مرة في الغرب مرتبطاً بنظرية العقد الاجتماعي التي تتحدث عن عقد بين الحاكم والمحكومين، فلم يعد هناك حق إلهي للملوك بالحكم كما يشاؤون، وظهر مفهوم التعددية السياسية بديلاً للحكم الفردي المطلق، وإقرار الحقوق والحريات والمواطنة والتي كانت من قبل مقصورة على طبقة النبلاء والأثرياء، وجاء مبدأ سيادة الأمة المشتق من حق المواطنة وهو إعلان لتجاوز الانتماء التقليدي في صيغته الدينية والمذهبية باتجاه علاقات اجتماعية طوعية وتعاقدية ينتظم فيها الأفراد لتحقيق غايات ومصالح مشتركة.
ومن التعريفات المبسطة للمجتمع المدني ما قاله محمد عابد الجابري بأن المجتمع المدني هو “مجتمع المدن”، ومؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. أي أنها مؤسسات أو منظمات إرادية ينخرط فيها الناس بمحض إرادتهم، وهي تختلف عن مؤسسات المجتمع البدوي والقبلي التي هي مؤسسات طبيعية يولد الفرد منتميا إليها ولا يستطيع الانسحاب منها.
وبالتالي فالمجتمع المدني هو مجموع التنظيمات التطوعية الحرة التي تنشأ لتحقيق مصالح أفراد المجتمع أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة وتلتزم في عملها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف. وهذه المنظمات لا يقتصر عملها فقط على الجانب الخيري والإنساني بتقديم مساعدات للمحتاجين، بل إنها تضم مؤسسات تستطيع أن تلعب دورا إيجابيا وفاعلا في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي داخل المجتمع، وهي تشمل الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات، أي كل ما هو غير حكومي وكل ماهو غير وراثي أو عائلي.
المجتمع المدني يكون مستقلا عن الدولة وسلطتها حتى يحقق الطموحات والاحتياجات الحقيقية لافراد المجتمع. فالمجتمع المدني هو الوسيط بين المواطن والحكومة، بين الحاكم والمحكوم، والذي يضغط على الحكومة لصالح المواطن.
وهذا المجتمع المدني يستند على ثلاثة أركان:
أولها الإرادة الحرة، بمعنى أن الفرد هنا ينضم بمحض إرادته بهدف تحقيق مصلحة ما للمجتمع، أو الدفاع عن مصلحة أفراد المجتمع.
الركن الثاني وجود شروط وقواعد للعمل على الجميع الالتزام بها بعيداً عن العشوائية والمزاجية والفوضى، فالعمل هنا عمل مؤسسي منظم.
أما الركن الثالث، فهو الركن الأخلاقي والسلوكي، فالعمل يعتمد على قيم واضحة يلتزم بها الجميع: احترام العمل الجماعي، وقبول الاختلاف والتنوع، والالتزام عند إدارة الخلاف بقيم التسامح والتعاون والتنافس السلمي سواء كان الخلاف داخليا بين أعضاء المجتمع المدني أو خارجيا مع الدولة.
ومن حقنا أن نتساءل: هل المجتمع المدني له أهمية؟ أو بمعنى آخر ما هي فوائده للمجتمع؟
المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة وظيفته الأساسية أن يدافع عن حقوق الشعب واحتياجاته في مجال الصحة والتعليم والاقتصاد والسياسة، ويقوم بموازنة الديموقراطيات بين مختلف الأطياف الشعبية والحزبية، لأنه قادر على التأثير على القرارات الحكومية ومحاسبتها، فهو يملك سلطة شعبية من أفراد المجتمع، لهذا فهو يملك زمام السلطة والتأثير والمحاسبات القانونية للدولة.
كما أن المجتمع المدني يقدم الدعم المالي للمشاريع التنموية الفكرية للأفراد، ويتبنى هذه المشاريع في بناء العمل بشكل كامل من حيث الترويج له عالميا ومحليا.
فهل في بلادنا مانستطيع تسميته مجتمعا مدنيا؟
نستطيع القول بكل وضوح إن صورة ما يسمى بالمجتمع المدني في بلدنا، هي صورة هزيلة وسلبية في نظر الكثيرين، بسبب توجهات تلك المنظمات السياسية أو فساد القائمين عليها، ويبدو ذلك من هزالة البرامج والخدمات الحقيقية التي تقدمها للمجتمع. ولأن الدولة تمد سيطرتها تماما على كل شيء، فالكل يعمل لصالح الدولة، ينفذ ما تريد الدولة، لما يصب في مصلحة الدولة وليس العكس. فلا وجود لمن يحاسب أداء الدولة أو الاهتمام بالمصالح الحقيقية لأفراد المجتمع.
في الدول الحديثة المجتمع المدني يضغط على الدولة لتحقيق مصالح المواطن. في بلدنا نسمع الشعارات فقط والتي تظل شعارات. لهذا نجد المواطن لا يثق بكل تلك المكونات. وغالبا من يعمل في تلك المنظمات يلهث وراء مصلحته ومصلحة الحزب الذي ينتمي إليه.
وبالرغم من هذا هناك فسحة من الأمل أمام المواطن العادي، لمحاولة تحسين حياته رغم كل الصعوبات، والواقع السيء.
فبذور المجتمع المدني قد تبدأ بالظهور بسبب الحاجة إليه، وهذا ما يشعر به المواطن الذي يملك القدر الكافي من الوعي، ويعلم أنه لن يحصل على شيء وهو ينتظر الحكومة، وبدلا من لعن الظلام فعليه أن يبادر ويضيء لنفسه الدرب.
يستطيع المواطن أن يساهم في بناء مجتمع مدني مستقل لا ينتمي لأية تنظيمات سياسية ولا توجهات دينية ضيقة، ليعمل من أجل إيجاد منظمات مدنية يسعى أفرادها لتقديم الخدمات للمجتمع، دون التفكير في الربح المادي، أو إرضاء أية جهة.
أتحدث هنا عن بذور مجتمع مدني يتشكل على أرض الواقع، رجالا ونساء، شبابا من الجنسين يحملون قلوبا تمتلئ بحب الخير والإنسانية للجميع، دافعهم الأول هو تقديم شيء حقيقي للناس في هذه الظروف القاهرة والتي يعاني الكل من تبعاتها، قرروا ترك وضع المشاهد والمراقب، وضع الناقد الساخط والبدء بالتحرك العملي للمساهمة في تغيير هذا الواقع أو التخفيف منه على الأقل.
نسمع عن ذلك الذي يبحث عن مساعدات من المقتدرين ليوصلها للمحتاجين بنفسه، ونسمع عن تلك التي تدرب وتعلم فتيات مهنة أو حرفة ليكسبن لقمة العيش حتى يخرجن من دائرة الفقر والحاجة. وهناك من ينسق لتوفير المياة النظيفة في الحارات لمن لا يتحمل نفقات شراء المياة النظيفة. وهناك من يحاول جمع التبرعات لمريض عجزت أسرته عن تحمل نفقات العلاج في ظل الحصار وانقطاع المرتبات. وهناك من يفكر في توعية الناس والخروج في حملات نظافة للأحياء والحارات. نعم، هناك من يفكر بشكل إيجابي في ظل هذا الواقع المخيف.
تكاتف مثل هذه الجهود هي القاعدة الحقيقية لتكون مجتمعا مدنيا حقيقيا في اليمن. مجتمعا مدنيا يتكون من أفراد يتحملون المسؤولية تجاه الآخرين بكل حب ورضا. هذه البذرة ستخلق المجتمع المدني الذي سيغير مجتمعنا اليمني، فيتحول المواطن من حالة السلبية إلى الحالة الإيجابية، حيث يعلم ما معنى أنه مواطن له حقوق وعليه واجبات. مواطن لا ينتظر ما تقدمه له الدولة من خدمات لا ترقى لما يحلم به، بل يستطيع أن يفرض على الدولة تحسين خدماتها لترقى لمستواه الذي ارتقى إليه.
ذلك المواطن الذي قال يوما: “شبر مع الدولة ولا ذراع مع القبيلي”، عليه أن يتغير الآن، لأن الظروف تغيرت والزمان أيضا تغير. مواطن يعلم أنه جزء من المجتمع ولا يستطيع أن يعيش في عزلة بعيدا عن مشاكل ومآسي الآخرين. ويستطيع الآن أن يطبق ما يؤمن به على أرض الواقع، كل تلك القيم التي تحولت يوما لمجرد شعارات تردد دون أن يكون لها صدى في الواقع مثل: “ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط”. و”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى”.
نعم.. الإنسان هو الثروة الحقيقية في المجتمع، الإنسان الواعي المبادر الذي يمد يد المساعدة لمن يحتاجها، الذي يتطوع بجهده وفكره لتغيير حياته وحياة غيره للأفضل. وحتى لا تضيع الجهود دون أثر حقيقي سنرى منظمات للمجتمع المدني الحقيقي تتكون بعيدا عن سيطرة أصحاب المصالح. منظمات غير ربحية وغير حكومية، هدفها الأول تقديم الخدمات لمن يستحقها ولكن بشكل منظم، فتمتلك سجلات بأسماء المحتاجين في كل حارة، وتتنوع خدماتها لأن الاكتفاء بتقديم المعونات الغذائية ستنتج أفرادا اتكاليين لا يبالون من أين يأكلون، ولا يفكرون في الكسب والعمل. هذه المنظمات تدرب وتعلم وتكسب المحتاج القدرة والكيفية لإدارة عمل مناسب يدر دخلا ويساهم في خدمة أفراد آخرين.
مجتمع مدني أفراده يتجاوزون مرحلة الصدمة ليفرغوا طاقاتهم في بناء مجتمعاتهم بعيدا عن مشاعر الكراهية والحقد وكل العفن الذي ينتج بالضرورة زمن الحروب والصراعات وتأثيرها على نفوس الناس.
هذا المجتمع المدني سيتحول يوما لقوة على أرض الواقع تجعل فرصة المواطن اليمني أكبر في أن ينعم مستقبلا بدولة حقيقية، دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون الذي سيحميه ويفرضه الناس بوعيهم وتخلصهم من سيطرة من يعيشون على أكتافهم. من يقفون دوما ضد تكوين مجتمع مدني حقيقي في اليمن. أولئك الذين يتبجحون بالحديث عن مصالح المواطن وهم يعملون ضد مصلحته ولا يرى منهم سوى الغش والاحتيال.
مجتمع ينفض أفراده عنهم غبار الاتكالية ومشاعر الإحباط، ويشمروا سواعد الأمل والثقة بالله وبغد أفضل يتشاركون هم في تحديد ورسم ملامحه. لن يكونوا ضحايا طوال الوقت. بل هم الآن يشكلون إطارا شعبيا مدنيا يملك أفكارا وطموحات ومشاريع ويسعون لتحقيقها على أرض الواقع.
في تاريخ كل المجتمعات هناك نقطة بداية مضيئة تشع رغم كل الظلام المحيط، نقطة تبدد ظلام الواقع الذي ألقى بظلاله طويلا، وتبشر بمستقبل مختلف. والدولة الحديثة الديمقراطية التي نشهدها في الغرب وفي العالم المتحضر قامت على أكتاف المواطن والنخب الواعية التي تملك أفكارا وقيما حقيقية لتخليص المواطن من سيطرة وجشع الدولة بمؤسساتها المختلفة. فهل ستكون فظائع هذه الحرب هي البداية لتغيير حقيقي يمس أفكار الناس وثقافتهم، فتتغير الحياة للأفضل خاصة والأحداث المؤلمة كشفت الأقنعة عن حقيقة من يتكلمون باسم المواطن؟
فنحن بلد لا يموت، نحن بلد ذلك الطائر الذي يمتاز بالقوة والجمال، طائر “العنقاء” الذي تذكر الأسطورة أنه عندما يحتاج للتغيير يحترق وبعد أن يصبح رمادا يخرج من بين الرماد طائر “عنقاء” جديد أكثر جمالا وبهاء، ويعيد دورة الحياة.