فيلم سينمائي يستحق المشاهدة

 بعض الأفلام تثير قضايا مهمة في حياتنا، تنبه لوجود خطأ ما يحتاج أن ننتبه له. تعلمنا دروس مهمة وتفتح أعيننا على أمور منسية....

فيلم الأب من بطولة أنتوني هوبكنز يحكي قصة رجل مسن من ويلز يعاني من فقدان الذاكرة المتطور أو الخرف. مدة الفيلم 97 دقيقة، يعيشها المشاهد وهو يتابع أحداث الفيلم التي تشده حتى النهاية. ما الذي يحدث بالضبط؟ يعيش المشاهد مشاعر الحيرة التي يعيشها بطل الفيلم الذي تختلط عليه الأمور من اللحظة الأولى. من هم الذين يريدون دفعه للخروج من شقته، فهو يعلن بحزم أنه لن يغادر شقته. لنراه في مشاهد أخرى في شقة مختلفة عن السابقة. يعاني من الارتباك وهو لا يتعرف على الأشخاص، من هذا الجالس على المقعد في شقته.

يشعر بالغضب عندما يلاحظ قطع أثاث لا يتعرف عليها ويستغرب كيف تغير ابنته أثاث الشقة دون أن تخبره. الفيلم ببساطة يضع المشاهد في ذهن الشخص الذي يفقد ذاكرته تدريجيًّا، يجد المشاهد نفسه يشعر بالحيرة والارتباك أيضًا كما يحدث لبطل الفيلم.

فيلم الأب The Father

يقدم الفيلم صورة تعاطفيه للمصاب بالخرف. كيف تكون الحياة بعيون وذهن ذلك المصاب الذي لا يفهم ما يدور من حوله. تقديم نظرة دقيقة ترسم زحف أعراض الخرف والأضرار التي تلحق بمن هم على مقربة من المصاب. فالمشاهد يرى ملامح الحزن الشديد والحيرة على وجه ابنته وهي لا تفهم ما يحدث لوالدها، ولا تدري كيف تتعامل مع تلك التغيرات التي تصيبه، وذلك العناد.

لا يحاول الفيلم أن يصف لنا ما يشعره المريض، بل يقوم بأكثر من ذلك، فيجعلنا نعيش داخل ذهن المصاب، فنصاب بحيرته، ونشعر بغضبه لعدم فهمه لما يحدث. فهو ينسى الوجوه، فيسأل ابنته بحيرة عمن تكون؟

يعيش المشاهد الأحداث كما يراها المريض. كيف يظن أنه مرّ بموقف معين، ثم يكتشف المشاهد عدم حدوث ذلك الموقف. ربما كانت ذكرى من الماضي. وهكذا يعيش المشاهد شعور مشابه لشعور الشخصية التي تكتشف بعد كل موقف أنها تفقد الذاكرة. فيحصل بطل الفيلم على تعاطف المشاهد عبر لقطات متتالية تتميز بأداء ممتاز بشكل مذهل ومفجع.

نرى التخبط الذي يقع به بطل الفيلم وهو يسأل عن ابنته الأخرى التي يشتاق لها ويستغرب لم لا تزوره، ونفهم من إجابات ابنته والحزن الذي يرتسم على ملامحها أن أختها أصيبت بحادث، لكنه لا يتذكر ذلك. ينسى دومًا أين وضع ساعة يده، فيبحث عنها ويشعر أن هناك من سرقها، لكن ابنته تكتشف أنه وضعها في ذات المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه. ابنته لا تفهم تصرفات والدها الغريبة. تظل تلك الساعة التي نراه يبحث عنها وكأنها رمز للزمن الذي يضيع من يديه ومحاولته البائسة للإمساك به.

إنها فوضى وانهيار الذاكرة. والشعور بالعجز عن التفريق بين الماضي والحاضر. ويشارك المشاهد بطل الفيلم مشاعر الحيرة والارتباك حتى تلك اللحظة التي يصل فيها الممثل إلى مرحلة من الأداء المذهل والمؤلم وهو ينهار باكيًا كطفل فقد أمه وهو لا يعرف أين هو.

برع الممثل برسم الصورة الداخلية للشخصية وما تعانيه مع حضور مستمر لساعة اليد التي يحرص على لبسها لكنها تضيع ولا يدري أين هي كالزمن الذي يتبدد في ذهنه. لن تشعر بالملل وأنت تشاهد الفيلم رغم محدودية المكان فأنت في حالة ارتباك وذهول وتعاطف كبير. الممرضة تحتضن العجوز أنتوني في نهاية الفيلم وتقول له إن كل شيء سيكون على ما يرام، فيهدأ كطفل تحتضنه أمه فيشعر بالهدوء.

تدور أحداث الفيلم عن الأب أنتوني المسن والذي يرفض الاعتراف بتقدمه بالعمر وحاجته لممرضه تعتني به في حالة غياب ابنته. وصعوبة أن يعيش بشقته الفاخرة وحيدًا. هو يرفض المساعدات والاقتراحات التي تقدمها له ابنته.

ابنته تعيش مشاعر الحيرة بين مسؤوليتها تجاه أب يحتاج للعناية ويتوقع أن تستمر بتقديم العناية له، واستكمال حياتها خاصة وهي ستغادر البلاد لتعيش في فرنسا وشعورها القوي بالشفقة تجاه والدها.

الفيلم ليس قصة عادية عن مسن مصاب بالخرف، بل تجربة تدعو المشاهد ليعيش للحظات داخل ذهن رجل يعاني ولا يفهم ما يدور من حوله ويعجز عن تفسير التناقضات التي يراها، وهو لا يميز المكان ولا الوجوه، وينسى أحداث حدثت من لحظات، وكيف يمكن لرفض المساعدة أن يتسبب بتمزق عاطفي لمن هم أقرب الناس إليه. استطاع الفيلم بنجاح اختراق عواطف المشاهد وجعله يعيش تجربة المصاب بالخرف. لأنه يجد نفسه داخل رأس الشخصية. يرى كل شيء بعين الشخصية وتفسيراتها ويتبنى مواقفها.

مع من ستتعاطف؟ مع المصاب بالخرف الذي يريد العيش في شقته ويرفض أن تأتي من تساعده وتهتم به، ويرفض الانتقال لبيت ابنته وبعده الانتقال لدار للمسنين، أم تتعاطف مع ابنته التي مزقتها الحيرة.

الفوز بالجائزة

الممثل أنتوني هوبكنز فاز بجائزة أوسكار أفضل ممثل في حفل توزيع جوائز الأوسكار رقم 93 في لوس انجلوس. عمره 83 عام. الفيلم من إخراج الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي فلوريان زيلر. الفيلم المأخوذ عن مسرحية الأب التي صدرت عام 2012، أيضا حاز على أوسكار أفضل سيناريو مأخوذ عن عمل أدبي. الفيلم إنتاج فرنسي بريطاني مشترك، وهو من بطولة: أنتوني هوبكنز، وأوليفيا كولمان، ومارك جاتيس.

أسئلة يثيرها الفيلم

عندما انتهى الفيلم وأُضيئت الأنوار في صالة السينما لاحظت أن من حضروا الفيلم في حالة ذهول. لم يقف أحد منهم للخروج كما يحدث عادة عندما يقف البعض للخروج بمجرد فهمهم أن الفيلم وصل لنهايته. اتفهم المشاعر التي اجتاحتهم جميعًا. الفيلم صرخة غير عادية للجميع، لأولئك الذين يسكن معهم في البيت شخص مسن. فقد يكون الفيلم نبههم لفهم ما يحدث. وربما هو تنبيه لما سيحدث.

سألت نفسي: ماذا عن دور المسنين في بلادنا؟ الثقافة عندنا تعيب من يضع المسن هناك، وتصور الحياة هناك جحيمًا وتعرض المسن للإهمال والقسوة. فهل المسن بين أهله يحظى بما يحتاج من تفهم واهتمام، خاصة مع بدء انقراض العائلة الكبيرة التي يعيش فيها أجيال مختلفة. مع الإيقاع السريع للحياة التي نعيشها هل سيحظى كل مسن بمن سيتفرغ للعناية به من الأهل ولا نحتاج للاهتمام بتلك الدور التي يتلقى فيها المسنون الرعاية والاهتمام؟ وهل من يقدم الرعاية للمسنّ يشبه الممرضة الرائعة بتعاطفها وتفهمهما في الفيلم والتي يظن بطل الفيلم في بعض المشاهد أنها ابنته الثانية؟

وبالعودة لأحداث الفيلم، من القسوة إرغام المسن على ترك شقته التي اعتاد عليها، لكن رفضه لتلقي المساعدة يجعل الأمور صعبة. هل تستحق ابنته أن نلومها لأنها اختارت أن تضع والدها في دار للمسنين بدلًا من ضياع فرصتها في العيش مع من تحب في فرنسا؟

ما أصعب الإجابة!

نشر المقال على منصة زد:

https://ziid.net/art-intertainment/cinematic-movie-worth-watching/ 

 




 

 

التصنيف العرقي والمناطقي والانقسام الاجتماعي

 

نظرة سريعة على بعض التعليقات على صفحات الفيسبوك تصيب المرء بالذهول لحجم الكراهية التي تفوح من التعليقات التي تقطر حقدا وكراهية، الأدهى أن هناك أوراقا بحثية عن الوضع في اليمن لمختصين تصيب القارئ بكثير من الدهشة والذهول لكم المغالطات فيها، دراسات أبسط ما نقول عنها إنها تفيض بغضا وتحريضا، أبحاث علمية لا علاقة لها بالرصانة العلمية والموضوعية وتحري الدقة والموضوعية.
فيقفز التساؤل: 
ما الذي يحدث؟
هل نحن مجتمع مريض بالتعصب؟
 
لقد عشنا سنوات في مجتمع متسامح، لم نسمع عن التعصب والاختلاف المذهبي بهذه الحدة والقوة إلا في السنوات الأخيرة.
هل تظهر الأمراض الاجتماعية بشكل مفاجئ؟
هل تنفجر براكين الحقد والغضب والثارات بين أبناء مجتمع واحد هكذا بين يوم وليلة؟
ولكن في المقابل هل هناك بلد في العالم يعيش فيه مواطنون لا اختلافات ولا خلافات بينهم؟
 
هل هناك مجتمع نقي بمعنى أن جميع أفراده هم من نفس البلد منذ الآف السنين؟
هذا البلد غير موجود على أرض الواقع، لأن طبيعة حياة البشر التنقل وعدم الاستقرار منذ بدء التاريخ، البعض يتنقل بحثا عن الرزق في أماكن وبلدان أخرى والاستقرار فيها، والبعض يهرب طلبا للنجاة بحياتهم بسبب فظائع الحروب والاضطهاد، ولا ننسى أثر العوامل الطبيعية كالزلازل والبراكين والجفاف وغيرها.
عبر التاريخ اعتاد الناس التنقل من بلد لآخر، في هجرات جماعية أو فردية.
وبلد مثل اليمن بموقعه الجغرافي المتميز وطبيعته المتنوعه كان محطة لبعض القوافل عبر الزمن، فكما هاجر اليمنيون خارج اليمن، جاء واستقر في اليمن أناس من أماكن مختلفة، والتركيبة السكانية في اليمن متنوعة. اليمن كان ذات يوم جزءا من الإمبراطورية العثمانية وكل إمجبراطورية تجلب رجالها ومواطنيها وتوطنهم في الأراضي التي تحكمها، عدن والحديدة والمخا مدن ساحلية شهدت عبر التاريخ نشاط تجاري دفع بكثير من الجنسيات المتنوعة للاستيطان في البلاد فذابوا بمرور الزمن في المجتمع اليمني وخاصة في المدن الرئيسية.
كما أن الإمبراطورية البريطانية التي احتلت جنوب اليمن والمعروفة بولعها الشديد بتغيير التركيبة السكانية لكل بلد تحتله، جلبت معها الهنود وغيرهم ووطنتهم في اليمن، وكلما عدنا إلى مسافات أبعد في التاريخ سنرى جموع البشر التي تستوطن، ونرى تلك التي تغادر. وسنرى اليمني يخرج مقاتلا في الجيوش في شمال أفريقيا وحتى الأندلس حيث يستقر هناك بعيد عن موطنه الأصلي ويتحول لمواطن في بلد آخر.
هناك ما يقارب 5 مليون اندونيسي من أصول يمنية، وأعداد ليست قليلة في ماليزيا وسنغافورة وجنوب الفلبين رحلوا من اليمن عبر عصور مختلفة لمزاولة التجارة واستقروا هناك، هم مواطنون لتلك الدول رغم أسمائهم العربية الواضحة لكنهم مواطنون لتلك البلدان بحكم العيش هناك لفترات طويلة لا أحد ينادي بطردهم وإعادتهم لليمن بلدهم الأصلي الذي أتوا منه. بل نرى من يحملون أسماء يمنية يتبوأون مناصب قيادية في تلك المجتمعات. وعلى سبيل المثال، حليمة يعقوب التي فازت بالانتخابات الرئاسية في سنغافورة رغم أنها من أصول هندية ومتزوجة بماليزي من أصل يمني، وهذا ما يسمى بالمواطنة في المجتمع المعاصر.
 
وجود الاختلافات والتنوع داخل كل مجتمع هو أحد سنن الكون، لكن الشيء المهم هنا، كيف يتم التعامل مع هذا التنوع والاختلاف والخلاف؟ وهذا ما يميز البلدان المتحضرة المستقرة عن غيرها من البلدان التي يكثر فيها الصراعات والقلاقل. رغم وجود نوع من العنصرية في الدول المتحضرة لكن يتم تطويقه وحصره في أضيق نطاق.
المجتمعات المتحضرة لها دساتير تصون حقوق جميع المواطنين مهما كانت أصولهم وخلفياتهم العرقية والدينية، الكل سواء أمام القانون، الكل لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، لا أحد فوق القانون.
 
عندما نلقي نظرة على دولة متحضرة نلاحظ الانسجام الاجتماعي، والاهتمام بالجميع وتوطين المهاجرين، والاعتراف بتنوع المواطنين الثقافي والعرقي وحتى الديني، والمسارعة في إيجاد حلول لدعم الشباب واستيعابهم ودمجهم في التخطيط لمستقبل البلاد ليشعروا بالثقة بالمستقبل ومستقبلهم في بلادهم، فالفقر والبطالة وانعدام العدالة كلها تؤدي، بكل تأكيد، للتشرذم والحقد المجتمعي.
 
ما يعيب مجتمعاتنا العربية هو المبالغة في تقدير الانتماء الاجتماعي الذي يرثه المرء. والمؤسف في الأمر أن المثقف اليمني لا يستطيع التحرر من هذه الثقافة المنغلقة، فينطلق من عقد ورثها ورضعها في طفولته، عقد انتقلت عبر الحكايات من الماضي المليء بالصراعات.. هذا المثقف لم ينجح تعليمه وثقافته في إكسابه عقلية علمية تتساءل وتحلل وتنقد مشاكل المجتمع اليمني نقدا بنّاءً ليساهم في البحث عن حلول لها.
المثقف اليمني يساهم في استمرار ثقافة الماضي بكل ما فيها من عيوب وأخطاء، فهو يعيش الحاضر بجسده، لكن عقله وفكره أسيران هناك في دهاليز الماضي، يجتر حكايات التاريخ المؤلمة وصراعات الماضي البغيضة وتسيطر عليه أفكار الثأر والانتقام.. في مجتمعنا وهو مجتمع تقليدي تجاوزه الزمن، يوجد صراع بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، عكس المجتمعات الحديثة التي يطور فيها الإنسان المعاصر مسارات للجمع بين المصلحتين، فالكل يفوز.
 
في تلك المجتمعات يخدم الناس مصالحهم الشخصية وهم في الوقت نفسه يساهمون في تطوير مجتمعاتهم وتقديم الخدمات للآخرين بغض النظر هل ينتمون لنفس العرق أم ينتمون لعرق آخر، وهم بذلك يساهمون في تطوير اقتصاد بلدهم وتقوية النسيج الاجتماعي فيه، ويعلمون أنهم يقدمون خدمة للبلد الذي سيتربى على ترابه أبناؤهم وأحفادهم بأمان.
مجتمعنا يقوم على التعصب للقبيلة، وللنسب والعرق، والدين، حتى بين المتعلمين ونخب المجتمع، في المجتمعات الحديثة يميل الناس للتآلف مع الآخرين، يعيشون ضمن نظام مرن قابل للتعديل والتطوير، نظام تعلم من دروس التاريخ وتخلى عن الكثير من العصبيات التي لا تتناسب مع إيقاع الحياة المعاصرة، لكننا نعيش في نظام جامد ومنغلق، ولا يعترف بتغير الزمان.
وبالعودة للتساؤلات في بداية المقال عن حقيقة التعصب في مجتمعنا.. سنبدأ من مفهوم التصنيف، التصنيف هو عملية تمييز الأشياء إلى مجموعات بحيث كل مجموعة يكون بينها وحدات مشتركة من الصفات أو الخواص.
والتصنيف العرقي هو نظام يستخدم لتصنيف البشر إلى جماعات مختلفة حسب الخصائص الظاهرية، والأصول الجغرافية. الغريب أن التصنيف العرقي يقودنا للعنصرية ال Racism، حيث يكون هناك جماعة تظن أنها أفضل من غيرها وتبيح لنفسها ما تحرمه على الآخرين.
 
والسؤال هو: لماذا تنشأ الصراعات العرقية في أي مجتمع؟
جاء في كتاب لإيان لوو الذي يحمل عنوان “العنصرية والتعصب العرقي من التمييز إلى الإبادة الجماعية” أن “العامل السياسي هو السبب الأول، فالنظام السياسي الذي لا يتصف بالعدل يكون سبب لتفجر موجات الكراهية والعنصرية والتنازع للسيطرة على الموارد الاقتصادية، وكذلك التنازع حول فرص التعليم والتوظيف الحكومي، وقد ينشأ الصراع بحثا عن العدالة في تحديد الموارد ، وينتج عن عدم العدالة إحياء لتلك المزاعم القديمة وخلق مزاعم جديدة”.
 
وفي العادة “تتعايش مجموعات عديدة مختلفة ثقافيا وإثنيا بشكل سلمي بينها، ولكن عند نقطة بعينها يتفجر الصراع، إما بسبب الإهانة أو بسبب التهديدات التي تمس المصالح الحيوية للجماعة”.
باختصار، نجد أن هناك محاولات مستميتة للعب على وتر العداء الطائفي ونبش التعصب العرقي والمناطقي في اليمن في الوقت الحالي، رغم أنه لاخلاف سني شيعي حقيقي في بلادنا، نستطيع إدراك ذلك بسهولة من تواجد الناس وتعايشهم في مدينة مثل صنعاء جنبا إلى جنب. وبالتالي لا صراع طائفي في اليمن، ولا عرقي ولكن ما يحدث هو صراع سياسي. أطراف هذا الصراع يلجأون لاستخدام أوراق الاختلاف المذهبي والعرقي، رغم أن هذا يؤدي لتمزق النسيج الاجتماعي، لكن أطراف الصراع وفي سبيل تحقيق أهدافهم لا يبالون بتفتيت البلد وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
 
يصبح الخطر أكبر عندما ينقسم الناس فيؤيد البعض طرفا ويؤيد البعض الآخر الطرف الآخر، هنا يكون الخطر الحقيقي الذي يمزق اللحمة داخل البلد الواحد، ويحدث تهتك كبير بالنسيج الاجتماعي.
 
ما يحدث هو فعلا لعب بالنار، قوى سياسية تستخدم الورقة المذهبية والمناطقية لحشد الناس وضمان تأييدهم، وهي طرق تستدعي كل الخلافات التاريخية التي عفى عليها الزمن. خلافات مرت بها كثير من الشعوب وتجاوزتها، لكن لدينا من يصر على إثارة النعرات والبحث عن مبرر ديني لحربه ضد الطرف الآخر، حتى وصل الأمر لبعث السلالية والمناطقية والتي كادت تختفي بمرور الوقت وانتشار مساحة التعليم والوعي بين الناس، وبدلا من أن تصبح جزءا من تاريخ مضى ها هي تجد أياد عابثة تنفخ فيها الحياة مما يعزز من انتشار الكراهية باستدعاء كل الحزازات والأحقاد القديمة، والمخيف أن الأثر سيبقى لسنوات طويلة في النفوس لو استمر هذا الحشد البغيض.
 
هناك من يتعامل باستخفاف ساذج بالعقول، وينشر بين الناس محدودي الاطلاع أكاذيب كأنها حقائق، وينسى أن معالجة أخطاء التاريخ والماضي لا تتم بتدمير الحاضر ونسف المستقبل، فهذا انتقام من الجميع، كيف يتم الانتقام من شخوص الماضي في الحاضر. الانتقام الصحيح من كل مخلفات الماضي تتم بنشر العلم وقيم التسامح حتى لايبقى مجتمعنا أسير لذات الممارسات، ولنفس الطغاة الذين لا يقيمون وزنا لتطلعات المواطن اليمني للعيش بكرامة وأمن على أرضه.
 
الصراع والاختلاف طبيعي لأن الله خلق الناس باختلافاتهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين).
وهذه طبيعة الحياة، لكن كيف سنواجه هذا الاختلاف، وهذا الصراع؟
مستقبل البلاد يتوقف على هذا، كيف سنتعامل مع كل هذه الصراعات. هل سنعي أنه صراع سياسي يحاول جر الجميع للهاوية، فهل سنهوي باختيارنا؟ أم نستطيع أن نتخذ الخطوات التي تمنع المزيد من التدهور؟
كيف سنخفف من آثار هذا الصراع؟ هل نملك الشجاعة والقدرة على التعايش مع بعضنا رغم اختلافنا، واختلافاتنا؟
 
هل نستطيع أن نعتبر هذه الاختلافات تنوعا إيجابيا يثري حياتنا ونقبل ببعضنا ونتفق على قوانين وقواعد تنظم حياتنا وتضمن الحيلولة دون المزيد من الانحدار؟
نعم نحن بحاجة لأن نتغير، لأن نخرج من دوامة الماضي، لنقتنع أن الماضي حدث، ونحن نعترف به بكل ما فيه، لكن ما فيه بكل أحداثه هو قصص للعبرة ولتعلم الدروس وليس لشحن العواطف والإصرار على العيش في الماضي. فالهدف من دراسة التاريخ ينبغي أن يكون منع حدوث نفس أخطاء الماضي من جديد، ومنع وقوع الظلم على أي مكون من مكونات الجتمع اليمني تحت أي مبرر، فلا نصلح الأخطاء بالوقوع في أخطاء أكبر.
فهل نملك الخيار، خيار أن ننزلق للصراع الطائفي لتحقيق أطماع أهل السياسة، أو ترميم ما يمكن ترميمه لنعيش حياة كريمة؟
(مقال نشر على صفحات نسيج)
 

قراءة لرواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق

 


الرواية تدور أحداثها عام 2023 وبالتالي هي خيالية ...لكن ذلك النوع من الخيال المفزع...
مصر انقسمت إلى طبقتين ...
طبقة للأغنياء الذين يملكون كل شيء...
وكل الخدمات متوفره في مدينتهم يوتوبيا التي تقع في الساحل الشمالي للبلاد...
الطبقة الثانية وهم غالبية الشعب المصري يقع خارج أسوار هذه المدينة ...حيث الفقر والجوع ولا وجود لأي نوع من أنواع الخدمات الحكومية ...
كل الخدمات توقفت عن ذلك الجزء من البلاد ...حيث الأمراض والعفن وكل ما هو سلبي...
 
الرواية تدور حول شاب يوتوبي يشعر بالملل ويفكر في الخروج من يوتوبيا لاختطاف أحد الأغيار وهو اسم البشر خارج أسوار يوتوبيا ليتسلى بتعذيبه مع اصدقائه ثم يقتله ويحتفظ بقطعة من جسده كتذكار يفتخر به أمام الآخرين...
يعلق مع صديقته التي تسللت معه إلى خارج مدينتهم المرفهه فيخوضا مغامرة مرعبة ...
هناك نوع من الشبه...ليس كبير...بين الرواية ورواية لعبة الجوع او مباريات الجوع التي تحولت لفيلم سينمائي...
 
هذا النوع من روايات الديستوبيا...أو روايات المدينة الفاسدة المرعبة ...عالم الواقع المرير المرعب...
في رواية يوتوبيا وكذلك مباريات الجوع الفكرة نفسها ... الأغنياء يقتلون الملل بقتل الفقراء المطحونين بعد الاستمتاع بتعذيبهم...
الفكرة سادية ومخيفة...
وفي ملامح المدينة التعيسة التي يعيش فيها الأغيار هناك شبه بكثير من الشوارع التي تعيش الاهمال في الواقع ...فقر ومخدرات ومجاري تلوث الشارع ...
 
احزنني مصير المثقف الفقير العاشق للكتب والذي رغم كل ظروفه التعيسة التي يعيشها لكنه يكره الدماء ويكره الانتقام ويقدم المساعدة لليوتوبي وصديقته وينقذهم من الموت ...
لم يقتلهم...كان صادق معهم لكنهم بمنتهى الغدر واللؤم قتلوه...بعد أن أوصلهم لبر الأمان...
تصوير مدهش للمشاعر والعواطف ...تصوير صادم ...
خاصة ونحن نرى العالم يخطو فعلا إلى عزل الأغنياء عن الفقراء بأسوار يستحيل تسلقها ...



قراءة لرواية المنبوذون ل رياض معطاس

 


هناك من الروايات من تحفر في الأعماق...تحتل أماكن يصعب ازاحتها منها ...
اتذكر قبل مدة قرأت رواية بعنوان: "لا تخبري ماما"، شعرت بالفزع... بالصدمة من قسوة ما اقرأ ...وبقت تلك الرواية لفترة من الزمن تؤرقني...احتجت بعض الوقت لأتخلص من تأثيرها ...
 
الواقع البشع المرعب يصعب تصوره ...
ورواية المنبوذون من هذا النوع ...واقع قاس...شديد القسوة والصعوبة ...
الرواية تقع في 175 صفحة يمكن قراءتها دون انقطاع ...هكذا حدث معي لم اتركها حتى انتهيت من آخر صفحة...وأنا أتجرع المرارة مع كل صفحة من صفحاتها...
سواء كانت الاحداث والشخصيات حقيقية أو تخيلية فهي تحكي عن واقع يصعب تصوره ...
نتحاشى التفكير به ..ونرفض تصديق وجوده بهذه التفاصيل ...
شدتني أحداث الرواية وشخصياتها ... التي رأيتها أمامي تمتلئ حياة ...لكنها حياة لا تشبه حياتنا ...
 
بطلة الرواية زهرة وزوجها سالم من فئة الأخدام...الفئة التي تعيش على حافة المجتمع بلا حقوق ...
ولأن عبارة الأخدام لا تليق قيل لنسميهم فئة المهمشين...التسمية الجديدة لم تغير شيء في واقعهم البائس وأصبح لهم اسم جديد ...أحفاد بلال لكن فكرة المساواة في المجتمع المسلم يبدو لا تزال مجرد فكرة كما يبدو لنا بوضوح ...
الكاتب برع في رسم الشخصيات وتحريك الأحداث ووصف الأماكن ووجدتني هناك اتابع بدهشة...
 
لربما تساءلت هل يعقل هذا؟
ألا يبالغ الكاتب ؟
واذهب بخيالي حتى أجد ما ينفي حدث ما ...لكنني أعود بلا خفين بالمره...
احيي الكاتب على شجاعته ...أن تكون شخصيات الرواية من الأخدام هي شجاعة كبيرة في رأيي ...
 
الرواية مفزعة ...
 تفضح الكثير من ادعاءاتنا...
اتمنى أن تجد الرواية طريقها للنشر والتوزيع خارج اليمن فهي تستحق ذلك.

قراءة لرواية الطاعون لالبير كامو

 


الرواية عن مرض الطاعون الذي أصاب مدينة وهران في اربعينيات القرن الماضي..
تبدأ الرواية بملاحظة موت الفئران وهي العلامة الأولى لانتشار المرض...
في البداية لا أحد يهتم بذلك رغم تزايد عدد الفئران المصابة...
يصف الكاتب ماتعانيه الفئران من اختناقات ومعاناة قبل أن تموت...
يعرف الأطباء انه الطاعون لكن السلطات تتردد في الاعلان عن ذلك ...
عندما تزداد الاصابات بين الناس تتخذ خطوات الحجر الصحي أخيرا بعزل المدينة ومنع الدخول إليها أو الخروج منها ...
 
يصف الكاتب الاصابات عبر الطبيب ريو الذي يتابع الحالات ...
يصف اعراض المرض وهي الاعراض نفسها التي أصابت الفئران..
 
في الرواية كل الشخصيات أوروبية لا وجود للعنصر العربي هي مدينة يسكنها الاوربيون ...يصفها بالقبح والبشاعة والقذارة...
هناك نقاش فلسفي وديني حول الله والمرض والموت ...
ودور الدين في تقبل الكارثة ...
العجيب أن تنتشر بين الناس كما يذكر المؤلف حكايات عن تنبؤات بالمرض من كتب قديمة تنبأت بالكارثة وتنتشر هذه الكتب ويعاد طباعتها جميعها تتحدث عن نبؤات قائمة على حسابات رقمية عجيبة ...
تشبه إلى حد كبير الكتب والافلام التي ظهرت في أيامنا هذه تتحدث عن فيروس كورونا...
تنتهي الرواية بانتهاء المرض وأثر المرض على حياة الناس ...
 

 

قرآءة لرواية: مسرى الغرانيق في مدن العقيق لأميمة الخميس

 

عنوان الرواية غريب ...نعم
هو لا يشبه عناوين الروايات ففيه سجع ومفردات غريبة ...
لكن عندما تشرع بقراءة الرواية ستعرف السبب.. 
 
الرواية تحكي رحلة لمزيد الحنفي تاجر الكتب من بلدة عين التمر إلى بغداد ومنها إلى القدس ليغادرها إلى القاهرة ومنها إلى قرطبة ...
تلك الرحلة في القرن الرابع الهجري ...في ذلك الزمن كانت عناوين الكتب تكتب بهذه الطريقة ...
 
فالرواية تدعو القارئ لدخول ذلك الزمن ابتداء من غلاف الرواية...
في تلك المرحلة الزمنية من التاريخ نضج المشروع الفلسفي لدار الحكمة في بغداد...
كما بدأت فيه محاولات الفقهاء لهدم ذلك المشروع...
بطل الرواية "مزيد الحنفي" يترك دياره في الصحراء قاصدًا بغداد باحثا عن أجوبة لأسئلته الوجودية. 
 
 
وفي بغداد يصبح عضوا في جماعة سرية تسمى الغرانيق...
كل فرد فيها هو من السراة...
الرواية تأخذنا لنعرف أهم ملامح تلك الفترة الزمنية ...فترة الاضطرابات والفتن ...
قتال وشجار يومي في بغداد بين الحنابلة والمعتزلة...الخليفة العباسي ضعيف لا حول له ولا قوة ...
فينجو بطل الرواية بحياته ويذهب إلى القدس ليجد الفتنة هناك ...كنيسة القيامة امر الخليفة الفاطمي أن يصبح سماها أرضها وطولها عرضها فدمرت وأحرقت...والفتنة تطل على أبواب المدينة ...
 
القاهرة في زمن الخليفة الذي يمنع الملوخية ومن تخرج من النساء للشارع تتعرض للعقاب والكثير من الأمور المخالفة للعقل ...
 
قرطبة مدينة ودعت العقل والعلم في زمن خليفة يلاحق أهل الكتب والعلم ...
لغة الرواية جميلة دون تكلف ...لغة استمتعت بها وبروعة تعبيراتها ...
عدد صفحات الرواية 559 لكنني فوجئت بنهايتها...
 


 

قراءة لرواية : الديوان الاسبرطي للكاتب الجزائري: عبد الوهاب عيساوي

 


رواية تاريخية جميلة ...جمالها وسحرها يكمن في الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث...تثير تساؤل حول الفرق بين الاحتلال باسم الحماية والدين او باسم الحرية والتنوير ؟
حمل كل من العثمانيين والفرنسيين شعارات زائفة وكاذبة ...كل منهما اذاق الناس الذل والعبودية والاضطهاد وتسخير كل ما في البلد لمصلحة المحتل...
 
" ميالون إلى الاسترخاء، لا يعملون إلا والسوط فوق ظهورهم، اعتقدت دائما ان الشعوب الإفريقية والعربية لا يمكنها تحقيق مصالحها الا بالفرد الأوروبي، لا يستطيعون تنظيم حياتهم ، يجب دائما أن يكون هناك سيد ينوب عنهم ، يسير لهم حياتهم ، وهم ليس عليهم فعل شيء سوى الجد في العمل، ولكنهم بالرغم من كل هذا يجدهم أميل إلى الكسل، قانعين بحياة لا تختلف كثيرا عن حياة حيواناتهم"
 
لغة الكاتب تشد القارئ من الصفحة الأولى للرواية...الفترة الزمنية التي اختارها لاحداث الرواية ..رأيت نفسي هناك ..نجح الكاتب أن يضعني هناك ...
شعرت بالقهر والمرارة والحزن على ابن ميار ودوجة ...فهمت دوافع الموقف الصادم للغازي كافيار المتعصب..
 
تظل الرواية التاريخية هي الأروع...فهي تنقل لنا الألم المخزن عبر السنين...تنفض الغبار وتفتح أبواب الزمن المغلقة لتصفعنا الآهات والغصات لشخصيات طواها الزمن وواراها الثرى... شخصيات عاشت القهر والحرمان...فنحس بطعم الألم المعتق... نعقد المقارنة بين وضع الإنسان في تلك البلاد التي حكمها الوالي العثماني المسلم والذي احتقر صاحب الأرض وتعالى عليه...وزاده الصبر طغيانا واستبدادا ، وبين المحتل الفرنسي الذي قال أنه يحمل مشاعل الحرية والتنوير لكنه جاء مغرورا متعاليا ينهب الأرض ويقتل الإنسان ويسرق حتى عظام الموتى...
 
برع الكاتب كثيرا في نقل كل هذا ...
وددت لو ان صفحات الرواية لا تنتهي...اردت ان اعرف ماذا بعد!!
 
ارتبطت عاطفيا بشخصيات الرواية...دوجة المنتهكة كأنها تمثل البلد المغتصب الذي لا حقوق لأهله...
 
يصدمنا وقوف الناس ضد مصالحهم...
ضد من يدافع عن حقوقهم...
ونتعجب من ثقة العربي بعدالة الهيئات والحكومات الأوروبية التي تكمن مصلحتها في اذلاله واستغلاله...
يواجهنا الإيمان بالقدر والاستسلام دون عمل شيء لتغيير الواقع وتطوير الحياة وعدم الاعتراف بتغيرات الزمن والحياة...
نتوقف عند فكرة استخدام الغازي الأوروبي للعلم للتعرف على البلد وعادات اهله قبل غزوه لها ...
 
المدهش ان كثير من أحوال العرب لا تزال كما كانت لم تتغير ...فالفجوة الكبيرة بين العرب والغرب في العلم والمعرفة وأساليب التفكير لاتزال حتى يومنا ...
وصلت الرواية القائمة القصيرة لجائزة البوكر وهي تستحق ذلك ...
 
بعد قراءة روايات القائمة القصيرة جميعها شعرت بأن رواية " الديوان الاسبرطي"هي التي ستفوز بالبوكر وصدق توقعي...
 

 

قراءة لرواية: موت صغير لمحمد حسن علوان

 


العنوان بدا لي للوهلة الأولى عن موت شخص يدعى صغير ...لكن داخل الرواية وجدت عبارة مشهورة لأبن عربي: الحب موت صغير ..
فالعنوان إذا مستوحى من هذه العبارة ...
 
الرواية طويلة لكن الكاتب نجح إلى حد كبير بجذب اهتمامي حتى آخر صفحة ...
الرواية تسرد قصة حياة محي الدين ابن عربي ، فازت الرواية بجائزة البوكر لأفضل رواية عربية للعام 2017.
السرد جميل، ولغة الرواية سهلة، لغة تراثية ممتعة تناسب الفترة التاريخية التي عاش بها ابن عربي 1164 حتى 1240.
 
الكاتب لم يرهق القارئ بالمصطلحات والمفاهيم الصوفية، واختار أن تكون الرواية عن ابن عربي الإنسان...تفاصيل طفولته، علاقاته الأسرية، صداقاته، وحياته العاطفية...
افراحه، احزانه، آماله...ابن عربي الإنسان الذي يخاف ويحلم ويتألم ويخطئ، بعيدا عن التقديس أو التبخيس ...
 
فالرواية لاتسرد الكثير عن التصوف والسيرة الروحية لابن عربي...
نجد الصراعات في ذلك التاريخ بين الموحدين والمرابطين..صراع الأيوبيين والعباسيين، والسلاجقة، كثيرة هي الحروب والفتن والصراعات التي يعيش القارئ آثارها على حياة الناس ...
فاطمة التي ربته طلبت منه أن يطهر قلبه...فنعيش تلك المراحل المتعددة لتطهير القلب ...
يتنقل كثيرا بين البلاد وهو يبحث عن الأوتاد...والوتد هو أحد مراتب الصوفية للدلالة على رتبة في الارتقاء الروحي الايماني، لا يشرح المؤلف ما دور الوتد في حياة الصوفي...هل هو وتد يثبت به الله قلب من يطهر قلبه ويبدأ برحلة البحث عن الله ويترك ذلك للقارئ ليفهم ما يشاء...
ونفهم أن هناك أربعة من الاوتاد وعلى ابن عربي أن يقابلهم في أماكن مختلفة...وعندما يراهم سيعرفهم، قلبه سيدله عليهم...
ربما من يعرف عن التصوف تكون هذه الاشارات مفهومة له، لكنني لا أعرف الكثير عن التصوف ...
 
الكتاب يعطينا الفرصة للتعرف على كتب ابن عربي :
كتاب الفتح المكي ، وديوان ترجمان الأشواق، وكتاب ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، وكتاب روح القدس في محاسبة النفس ، وكتاب باب في معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم.
تبدأ الرواية بطفولة ابن عربي وشوقه للسفر ونتعرف على تفاصيل حياته اليوميه وهذا دليل على سعة خيال الكاتب...
ونعرف شيوخه، وطبيعة البلاد والسياسة وانعكاسها على حياة الناس...
نسير معه في رحلاته وتنقلاته من مرسيه التي عاش فيها أيام الحصار والخوف ، وانتقاله إلى اشبيلية، والرحيل هربا إلى قرطبة، ومنها إلى بلاد المغرب ومصر ومكة وبغداد وحلب وملطية ودمشق ...مع تفاصيل ما حدث له في كل مدينة من مجالسة للعلماء والشيوخ وأهل الحكم والبحث عن الاوتاد...
زواجه وموت ابنته زينب الذي سبب له صدمة قوية ...
 
من الأشياء الجميلة أن الرواية بها خطين زمنيين:
الخط الأول الذي يسرد تفاصيل حياة ابن عربي في مراحل حياته المختلفة بالتسلسل الزمني ..
والخط الثاني يحكي تاريخ انتقال مخطوطة تقص سيرة ابن عربي من أذربيجان عام 1212 وتنتهي في بيروت عام 2012 ...
نجح الكاتب ببراعة بنقل القارئ لذلك الزمن بثقافته ولغته واحداثه وهمومه، ونجح إلى حد كبير في رأيي برسم العلامات الثقافية والمعرفية والتاريخية لعصر ابن عربي ..بتعدد المدن واختلافات السياسة مما يدفع القارئ للمقارنة بين تلك الأحداث وربطها بما يحدث اليوم من خلافات سياسية واحداث كبيرة تمر بها المنطقة.
 
رغم عدد صفحات الرواية الكبير إلا انني لم اشعر بالملل، بل تابعت القراءة بشغف حتى الصفحة الاخيرة يدفعني الفضول لمعرفة ماسيحدث، الرواية بها أقوال كثيرة لابن عربي اظن ان الكاتب أجاد اختيارها ببراعة شديدة، فجاءت في أماكنها الصحيحة...شعرت ان الكاتب نجح في إخراج ابن عربي من صفحات التراث إلى الواقع الإنساني...أي خيال يملكه الكاتب ليكتب عن ابن عربي بهذه البراعة!!
 
شد انتباهي صوت السارد...الراوي الذي يتحدث عن موته أو بعد موته ، فهل هذا لجعل الرواية أكثر واقعية لتناسب لغتها شخصية ابن عربي؟
أم اراد الكاتب أن يجعل القارئ يشعر أن سرد حياة الشيخ ابن عربي يختلف عن غيره من الناس!
 
" منذ أن اوجدني الله في مرسية حتى توفاني في دمشق وأنا في سفر لا ينقطع..." 
 
وما يلفت الانتباة أيضا حضور المرأة في الرواية ، وفي حياة ابن عربي ...
الرواية تستحق القراءة...
وفي بعض الصفحات كنت اجد اراء غريبة على لسان ابن عربي، لكن لا ننسى أنه جاء في عصر مختلف ...ونحن في عصر يقبل ويتفهم الاراء المخالفة...
(نشرت بمجلة مدارات الحروف - العدد الثاني)
 


 

الرواية التاريخية والطريق إلى التصالح مع الذات

 


الرواية التي تستند لأحداث تاريخية قد تدفعنا لإعادة التفكير في تاريخنا وربما تكون سببًا لحدوث نوع من التصالح مع تاريخنا وشخوصه.

نلتقي عادة مرة في الشهر لمناقشة إحدى الروايات مع مجموعة للقراءة. من الروايات التي نهتم بمناقشتها على سبيل المثال تلك التي تصل لقوائم الجوائز العربية. ومن تلك المرات كان نقاش رواية “آخر أيام الباشا”، الرواية التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للعام 2020 للمؤلفة رشا عدلي.

الرواية تتحدث عن شخصية الباشا محمد علي بشكل إيجابي. تقول المؤلفة التي التقينا بها عبر منصة زوم الإلكترونية: “كتب التاريخ في المدرسة تذكر الباشا بشكل سلبي وتكيل له مجموعة من التهم، فتنتج جيلًا يشعر بالنفور من هذه الشخصية التاريخية فتصوره بأنه غير عربي يكره الناس ويحتقرهم وأنه تعامل مع الناس بقسوة وفرض قوانين قاسية وتتناسى كل إيجابياته ومحاولته للنهوض بالبلاد”. تلك وجهة نظر المؤلفة قد تكون محقة وقد تكون مخطئة، ولكنها وجهة نظر تستحق الوقوف عندها…

التصالح مع التاريخ

كلام الروائية رشا عدلي عن روايتها التي تتحدث عن شخصية تاريخية مثل الباشا دفعتني للتفكير في علاقتنا بالشخصيات التاريخية وخاصة ذلك الجزء من التاريخ الذي نتعلمه في حصة التاريخ في المدرسة، وخطر على بالي ما حدث من فترة عندما دخلت في أحد الأيام مطعمًا في القاهرة لا أتذكر اسمه، لفت انتباهي ديكوراته واللوحات الفنية المعلقة على الجدران، والتي تمثل فترة زمنية من تاريخ مصر، وتحديدًا فترة حكم الملك فاروق، قبل قيام ثورة 1952م.

ظللت أتأمل تلك الصور للملك مع زوجته في مناسبات مختلفة وصور أخرى للفنانين في تلك الفترة وشخصيات مشهورة أخرى في ذلك الزمان. ديكور المطعم كان ينتمي لتلك الفترة بكل ما فيه من تفصيلات جميلة، حتى الموسيقى والأغاني الخفيفة التي تناهت إلى أسماعنا أخذتنا لذلك الزمن.

سرحت بذهني قليلا وتخيلت لو أن شخصًا ما فكر في فتح مطعم يحمل هذه الفكرة في صنعاء لفترة ما قبل الستينات، قبل ثورة 1962، ووضع صور لليمن تعبر عن شخصيات وأحداث تنتمي لتلك الفترة، وتخيلت رد فعل من سيدخل المطعم، وهالني ما جال بخاطري، خاصة عندما أتذكر عملية طمس التاريخ التي تمت والتي لا تزال تتم، هدمًا للآثار وطمسًا للمعالم. بشكل يثير سؤالًا: ما هي مشكلتنا مع التاريخ؟

نحن نعاني من مشكلة مع تاريخنا، هناك شخصيات تاريخية نكن لها مشاعر الحب لدرجة التقديس، ولا نقبل أن يقترب منها أحد بأي نقد أو محاولة لرؤية الشخصية من أي زاوية أخرى، وهناك شخصيات وضعت في المنطقة السلبية ونكيل لها كل التهم ونرفض أي قراءة تصور أو أن ننسب أي شيء إيجابي لها مهما كانت الأدلة قوية على صحتها.

نعم لدينا مشكلة مع تاريخنا

عندما نقرأ التاريخ نقفز لمحاربة شخوصه ونريد بكل قوة محاربة تلك الشخصيات ومحوها، ننسى حقيقة أننا عندما نقرأ التاريخ نحن لا نحاكم شخصياته، هذا لا يحق لنا، وليس بمقدورنا، نحن نقرأ ما حدث ونتفاعل معه عن طريق معرفة لماذا حدث؟

نعم، محاولة لفهم ما حدث، هذه المحاولات للمعرفة تشبه إلى حد ما ماجاء في  القرآن الذي أشار للتاريخ وما حدث في الأزمان الماضية، للعبرة ولزيادة المعرفة بأحوال البشر والتعلم من تلك الأحداث. وقراءة التاريخ تهدف لمعرفة ما حدث وكيف حدث، محاولة للتفكير بطريقة تلك الشخصيات بثقافة عصرها، ومعطياتها التاريخية، وخلفياتها العلمية، وهذا حق للأجيال الحاضرة والقادمة. الحق في معرفة التاريخ بكل ما فيه سلبًا أو إيجابًا.

الرواية والتاريخ

ولكن هل هناك فرق بين كتاب تاريخي ورواية تاريخية؟

جرى الاتفاق على أنّ الرواية التاريخيّة عمل فنيّ يتّخذ من التاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفيّ له؛ حيث تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن المرحلة التاريخيّة وتوظيفه لهذا التصوّر في التعبير عن المجتمع أو الإنسان في ذلك العصر، أو التعبير عن المجتمع في العصر الذي يعيشه الروائي، ولكنه يتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلًا مغايرًا للحكي. فنحن عندما نقرأ رواية تتحدث عن زمن ما ترسم لنا الأحداث وحوار الشخصيات جزء من طبيعة ذلك الزمن وثقافته وملامحه.

في الرواية التاريخية يمتزج التاريخ بشيء من الخيال، فأحداث الرواية تتم في عصر محدد، ولكن يتم سرد تلك الأحداث بأسلوب روائي مشوق، يشد القارئ. فهي سرد قصصي يدور حول أحداث تاريخية حدثت بالفعل كما تذكرها المصادر التاريخية، يعيد الكاتب إحياء تلك الأحداث لهدف معين.

المؤلف يمتلك الحرية في اختراع شخصيات تعيش في ذلك العصر لكن الروائي يتقيد في سرده بنقل الأحداث كما هي، هو يهتم كثيرًا بنقل البعد الإنساني للشخصيات سواء الحقيقية أو تلك الخيالية التي وضعها المؤلف ليرينا كيف أثرت تلك الأحداث على حياة الناس ومشاعرهم.

المؤرخ يتقيد بنقل الأحداث التاريخية التي حدثت بالفعل كما تقول المصادر المروية أو المكتوبة، والوثائق، والحفريات، وغيرها، لكن الروائي يعيد إحياء تلك الأحداث. وتختلف وجهات النظر حول التاريخ فهناك من يعتقد أن التاريخ ينقل وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر المنتصر، فماذا عن وجهة نظر الطرف الآخر، والذي يجد الروائي هنا مساحة كبيرة لينقل لنا ذلك.

ولأن الإنسان يحب الحكي وسرد القصص، فكتب التاريخ تعيد بناء الماضي بالبحث والتوثيق وذكر المصادر. والروائي يهتم ببناء العالم الإنساني، عالم العلاقات والمشاعر والحياة اليومية للناس باستلهام الوقائع التاريخية وكيف أثر كل حدث على حياة الناس سلبًا أو إيجابًا.

يخلع الروائي شيئًا من ذاته وخبرته وخياله فيحرك الشخصيات ويصف عذاباتها وأفراحها، تلك الحكايات لا نجدها في كتب التاريخ التي تهتم بالأحداث وشخصيات القادة والملوك والحكام، وتهمل عامة الناس وتتحدث عنهم لِمامًا. لكن مهما بلغت درجة الخيال عند الروائي فهذا لا يعطيه الحق أن يزيف وقائع تاريخية إلا إذا أقنع القارئ مثلًا بذلك ليسبح معه القارئ ويستمتع بخيال ممتع وهو شيء يختلف كلية عن تزييف التاريخ.

وهناك من لا يعجبه تصنيف الرواية التاريخية لأن كل رواية تحمل جزءًا من التاريخ في بنائها كما يقول الكاتب المصري ناصر عراق. وهناك من يهرب من رقابة السلطات فينتقدها عبر فضح ممارسات مشابهه حدثت في الماضي. الروائي يقرأ كثيرًا عن الفترة التاريخية التي ستدور أحداث روايته فيها، فيعرف الكثير من مفردات ومصطلحات الحياة اليومية ونوع الملابس السائدة والثقافة والعملة النقدية والعادات الاجتماعية والأمثال الشعبية السائدة إن أمكن، وكلما عرف أكثر كانت روايته أكثر اقناعًا وجذبًا للقارئ.

فهل نستطيع القول إن الرواية التي تستند لأحداث تاريخية قد تدفعنا لإعادة التفكير في تاريخنا وربما تكون سببًا لحدوث نوع من التصالح مع تاريخنا وشخوصه.

 

https://ziid.net/art-intertainment/the-historical-novel-and-the-path-to-self-reconciliation/ 

قراءة لكتاب:اليمن السعيد وصراعات الدين والقبيلة للدكتور سعود المولى

 


الكاتب يحمل شهادة دكتوراة في الحضارة الإسلامية والدراسات الإسلامية من جامعة السوربون فرنسا.
باحث وسياسي لبناني ...
تميز الكتاب بالدقة والأمانة العلمية ...
وهذا ما تفتقده كثير من الكتب التي جمعتها لفهم تاريخ اليمن...
 
الكتاب يعرض تاريخ اليمن قبل الإسلام، ودخول الديانات اليهودية والمسيحية لليمن ...
يعرض الصراعات الدائمة والمستمرة في اليمن ...
ويعرض تاريخ اليمن بعد الإسلام، خاصة تحت الحكم العباسي الذي تحولت فيه اليمن لبؤرة صراعات وتكون دويلات مستقلة عن دولة الخلافة ...دويلات متصارعة...
ثم فترة الايوبيين والمماليك والزمن العثماني وحكم الزيدية ...
 
يركز الكتاب اكثر على تتبع المذهب الزيدي في اليمن ...
فيستعرض الفرق الزيدية والأسس العقائدية والفقهية للزيدية اليوم...
كما يستعرض المجتمع القبلي في اليمن والتقسيمات القبلية والتعدد المناطقي والفئوي للقبيلة ودورها السياسي تاريخيا...
ويعرض مراحل الظاهرة الحوثية والتكوين العلمي والفكري والايديولوجي للحركة ...
الكتاب غني بالمعلومات عن اليمن ...
 
ما يميزه أن الكاتب يحترم عقل القارئ ولا يمارس دور الوصاية ومحاولة توجيه القارئ والتأثير عليه عاطفيا ...
 
يختلف الكتاب كليا عن كتب قرأتها تناقش الموضوع لكتاب مختنقين بالمذهبية والعنصرية ومعادين للاختلاف والمغايرة...يحاولون إخفاء شغفهم بالاستحواذ على عقول الناس وتوجيهها حسب قناعاتهم هم ...
 
فهذا كتاب لباحث تدرب على التحرر من التعصب والانحياز ويفهم معنى الدقة والأمانة العلمية واحترام الحقيقة...
هو كتاب انصح به لمن يحب الحقيقة ...