رواية اختفاء - هشام مطر

 

تدور رواية اختفاء لهشام مطر حول اختفاء الأب...
بطل الرواية نوري يعيش في المنفى مع والده، الذي يختفي ذات يوم في ظروف غامضة ...
كان المخطط أن يلتقوا لكن الأب لا يعود ويظهر خبر في الصحف عن اختطافه من قبل النظام السياسي في بلاده ليبيا ...
الرواية أعادتني لما حدث لوالدي مع نظام سياسي ديكتاتوري يختطف الناس ويغتالهم دون حسيب ولا رقيب ...
 
السرد في الرواية على لسان الأبن الذي لا يستوعب حقيقة وابعاد ما حدث ...
الجميل في الرواية أنها تأخذ القارئ في رحلة مؤثرة في عالم غامض، مملوء بالألم، والخوف، وتطرح أسئلة عميقة عن معنى الوطن والانتماء والهوية ...
تتطرق لأثر الغياب المفاجئ للأب على حياة الأبن ...
 
لا وجود لتحليل سياسي لأن الراوي هو الأبن الذي لم يفهم سبب موت الأم ...
ولم يستوعب سبب اختفاء الأب بتلك الطريقة ...
حصلت الرواية على جائزة دبلن الأدبية ، فهي رواية تثير التفكير وتترك أثرا عميقا في النفس...
 
الرواية كما صرح مؤلفها ليست سيرة ذاتية بل عمل أدبي خالص يقدم رؤية فنية عميقة...
بكل تأكيد هشام مطر استمد الكثير من تجربته الشخصية لأنه لاجئ ليبي عاش في المنفى بعد تغير النظام في بلاده...
وكان والده معروف بانتقاداته للنظام الليبي ...
وقام النظام الليبي باختطاف والده ولم يعد ...
فالرواية إذا عمل أدبي ولم يعتمد الكاتب فيها على سرد قصته الشخصية بل يبدو واضحا أنه قدم عمل فني تجاوز فيه تجربته الفردية...
 

 

يوليسيس الجزء الرابع - جيمس جويس

 

انتهيت من قراءة ملحمة القرن العشرين كما جاء في غلافها الخلفي ...
جاء أيضا أن هذه الرواية امتحانا لقدرات القارئ على الصبر والجلد، فهل هذا صحيح !!!
في هذا الجزء الرابع والأخير حسب هذه الطباعة هناك الحلقات الثلاث أو الفصول الثلاثة...
الحلقة السادسة عشرة بلا عنوان.. حدث من قبل في الجزء الثاني أن غير المترجم عنوان الحلقة هنا لم اتأكد ...
الكاتب تقريبا يختار لكل فصل أسلوب سرد مختلف...هنا يستخدم أسلوب السرد القديم .
تدور الأحداث الساعة الواحدة صباحا، حول بلوم وستيفن الذي يلتقيان ويصطحب بلوم ستيفن لبيته...
وكالعادة سندخل ذهن بلوم ونعيش مع أفكاره ونعرف حتى عناوين الجرائد لذلك اليوم...وكذلك أفكار ستيفن فهو تارة يفكر بالكاتب المسرحي النرويجي إبسن وتارة يتذكر أبيات من أغنية لمسرحية تاجر البندقية واختيارات من الكتاب المقدس وأسماء عازفين وقادة موسيقيين...ومخترعين وعلماء فيزياء...
ونتعرف على أماكن بإيرلندا ...إشارات لعادات الكاثوليك بتحريم اكل اللحوم في أيام محددة .
تخليد للطب الشعبي ..تساؤلات ..إشارات لأغاني وقصائد وروايات أساطير وحكايات شعبية ...ومقاطع يشير المترجم لكتابتها بلغات أخرى: الروسية ...الإيطالية...الفرنسية، الإسبانية ...اللاتينية ...الألمانية
الإشارة لشركات تجارية ومعالم للمدينة ...ومطاعم وحانات، وحكايات عن الجوع الكبير بإيرلندا.
بعض الجمل تحوير لجمل في مسرحيات أو أغنيات شهيرة أو مقاطع من الكتاب المقدس.
هنا يفهم القارئ معنى أن يقرأ بهدوء وصبر ...لأن كل سطر يحيله لشيء آخر ...معلومات تاريخية أو أدبية.
 
اقتباسات:
"حيثما تكن الحياة الطيبة يكن وطني"
"كل إنسان يحصل على نصيبه من الحظ، كذا يقولون"
"الناس لا يعرفون حدودهم أبدا "
"لو أن كل بلد ، كما يقولون، وبلدنا التعيس من بينها، لديه الحكومة التي يستحقها"
"إذا نظرنا إلى الخلف الآن بطريقة تراجعية تدريجية فكل شيء يبدو حلما من نوع ما، والعودة بعد ذلك هي أسوأ شيء قمت به إطلاقا ومن نافلة القول إن السبب أنك ستشعر بأن وضعك غير صحيح لأننا نتغير مع تغير الزمن"
 
الحلقة السابعة عشرة تحمل عنوان إيثاكة والزمن الساعة الثانية صباحا.
يستخدم الكاتب أسلوب غريب ...أسلوب السؤال والجواب.
نعم ، فهذه الرواية عجائبها لا تنتهي ...
يشعر القارئ كأنه في المدرسة ومعلم لخص له الموضوع على هيئة أو بأسلوب سؤال وتأتي بعده الإجابة...
 
على سبيل المثال:
"مالذي يفكر به الرجلان؟
موسيقى، أدب، إيرلندا، دبلن، باريس، صداقة، امرأة، دعارة، تأثير الضوء، الغازي أو ضوء قوس المصابيح، في نمو النباتات المراقبة للشمس المتجاورة، صناديق الطوارئ المكشوفة لجمع النفايات، الكنيسة الكاثوليكية، التعزب الكهني، الشعب الإيرلندي، التعليم اليسوعي، الوظائف، دراسة الطب، اليوم الفائت، التأثير الآثم ليوم ما قبل العبادة ، انهيار ستيفن الصحي"
فصل من رواية بأسلوب السؤال والجواب!!
ويعرض جدول أو صف الميزانية ليوم 16يونيو 1904، فيتعرف القارئ ماذا أنفق بلوم في هذا اليوم بجدول المصروف والوارد...
وهذا يعزز من قناعتي بأن الرواية نوع من التوثيق لحياة شخص يعيش في مدينة دبلن في ذلك اليوم بكل تفصيلات اليوم ... وتوثيق لتاريخ المدينة وأهم مبدعيها وثقافة أهل البلد...في هذا الفصل الأسئلة تدور حول الحياة في المدينة والأسعار والصناعة ومشاريع المياه وغيرها من التفصيلات...التي تصل لمدينة القدس المباركة ومسجد عمر وبوابة دمشق ..."والمزمور: على أنهار بابل هناك جلسنا. بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون" والذي دفعني للبحث عن أغنية فرقة بوني إم التي غنت هذه الكلمات...
 
الحلقة السابعة عشرة التي تحمل عنوان بنلوب، هي مسك الختام.
هنا يشير الكاتب للوقت بلا ...فلا وقت هنا.
زوجة بلوم هي الراوي هنا، والسرد يأخذ شكل المناجاة...مناجاة أنثى كما أطلق عليها الكاتب... ثمان جمل ممتدة بلا تناسق ولا وجود للفواصل أو النقاط.
خلال 17 فصل كان الراوي رجل ، هنا أفسح المجال لصوت المرأة ، سنسمع رأي مختلف وربما مناقض للصورة التي تكونت لبلوم ...
هل خانت موللي زوجها فعلا ؟
شخصية موللي تبدو معقدة وأظن أن جويس ترك للقارئ حرية تفسير ذكريات موللي وأحاسيسها ...فالاتهامات تطال الزوج حسب رأيها ...وهي تعبر عن رغبات وأحاسيس وشعور بالغضب من تصرفات الزوج...
"كلهم يكتبون عن إحدى النساء في شعرهم"
الأسلوب هنا سلس ومختلف عن الفصول السابقة ...
 
في هذا الفصل يشير المترجم في الهامش بعد أن وضع كلمة ديوث التي يرى أنها وصف مناسب لزوج موللي...
لكنه في الهامش يوضح:
"ذكرت موللي خطأ الكلمة الإسبانية Coronado وهي تعني Cornudo"
توقفت عند تعبير المترجم أنها ذكرت خطأ، كيف ذكرت خطأ والكاتب جيمس جويس من النوع الذي يدقق كثيرا قبل اختيار أي كلمة...
المترجم هنا أدخل تعديل في صلب الجملة لأنه يظن أن موللي ترى زوجها ديوث لا يغار ...لكن الكلمة التي استخدمها الكاتب مما تعنيه: متوج ، مكلل أو شخص يتمتع بمرتبة عالية أو رجل دين تم ترسيمه... معنى مختلف تماما.
 
في الأخير: الرواية مختلفة، كل فصل له أسلوب سرد مختلف، يرصد الكاتب حركة بطل الرواية خلال يوم واحد حتى الثانية صباحا..
يجد القارئ نفسه غارقا في تفصيلات تربكه...
 
لكن لماذا بطل الرواية يهودي؟ هل هذا اختيار دون دلالة لكاتب يهتم بالمفردة ودلالاتها؟
هل يمثل بلوم رمز للهوية المعقدة ، والشعور بالغربة، فهو يهودي في إيرلندا الكاثوليكية... فجسد بلوم الصراع الداخلي الذي يريد الكاتب أن يعبر عنه!!!
هل أراد الكاتب أن يضيف بعد فلسفي حول الهوية والانتماء؟
 
الترجمة تساهم في صعوبة فهم النص ، أتفهم المجهود الذي بذله المترجم لكنه ساهم في تشتيت القارئ عندما يشير لأي أسم يمر فيقطع على القارئ محاولة الانسجام، ليجد المترجم يخبره أن هذه شخصية غير حقيقية فلا هويتها ولا أهميتها معروفة!!
 

 

يوليسيس الجزء الثاني

 

الجزء الثاني من يوليسيس يحتوي على ست فصول أو حلقات:
في وسط العاصمة الإيرلندية
الليستريغون
سيلا وخاربيدس
صخور التيه
عرائس البحر
السيكلوب
 
استغربت لماذا أول حلقة في هذا الجزء تحمل عنوان لا علاقة له بالأوديسة...
لكن اتضح أن هذا من عمل المترجم ، في النص الأصلي الحلقة تحمل عنوان إيلوس...
أحداث هذا الجزء تدور من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتى الخامسة عصرا...
الحوارات بين أشخاص الرواية تبدو طبيعية لأن الناس عادة في النقاشات يتحدثون هكذا ببساطة وينتقلون من موضوع لآخر ويستخدمون الايحاءات اللغوية والأمثال التي تكون مفهومة ومعروفة في مجتمعهم...
وجويس رسم الحوارات بطريقة جميلة وساخرة تفيض منها الشخصية الإيرلندية..
هناك نقد لمسرحيات شكسبير...
 
وعلى القارئ أن يفهم مشكلة ايرلندا ومطالب الحكم الذاتي والنفور من كل ما هو انجليزي ...فإيرلندا محتلة وإنجلترا دولة الاحتلال والغزاة...
لكن الكاتب يحير القارئ عندما يكون السرد بأسلوب المتحدث الأول ، من هو المتحدث؟
الرواية مزدحمة بأعمال كتاب وفلاسفة وعناوين كتب وروايات وقصائد وأشعار مشهورة ...
فهناك: غوته وشكسبير وأفلاطون وارسطو والمسيح...وأسماء آلهة من الأساطير الرومانية ...
الحديث عن الحرب ومصير الفقراء والجنود والبحارة ضحايا الحروب
إشارات إلى مقاطع في الإنجيل، ومسرحية ماكبث، ومسرحية الملك لير، دون كيخوته لسرفانتس...
واشارات للبروتستانتي المؤيد لإنجلترا عكس الكاثوليكي المؤيد لاستقلال ايرلندا...
أساطير اغربقية ونقاشات سقراط للوصول للحقيقة والروايات الشعبية الرخيصة وأفكار الفلاسفة الثيوصوفية...
وهناك أسماء الصحف المحلية ...
 
أما فصل : عرائس البحر فيغرق القارئ في الموسيقى عبر إشارات لمجموعة متنوعة من المقطوعات الموسيقية مثل الأغاني والأوبراء والأوبريت وأغاني الأطفال والمقطوعات الدينية والموسيقى السيمفونية...
إضافة إلى الاستخدام المتكرر للمصطلحات الموسيقية ...
وترتبط المنولوجات والمعزوفات بالمونولوجات الداخلية لأحد أبطال الرواية: بلوم ...
هذا الفصل يشبه مشهدا سينمائيا يظهر الشخصيات في حانة حيث يرتفع صوت الموسيقى وتختلط مع أفكار وتداعي ذاكرة الشخصيات... وهذيان وأحاديث غير مترابطة لسكارى.
الحلقة الأخيرة في هذا الجزء مزدحمة بتاريخ ايرلندا ومشاعر كراهية الإنجليز....
كل فصل أو حلقة تبدو قائمة بذاتها...بأسلوب مختلف ومواضيع مختلفة ...
 
هل تمرد جيمس جويس هنا على عناصر الرواية التقليدية؟
حتى يسهل على القارئ فهم الرواية يحتاج أن يكون صاحب ثقافة موسوعية ...
أو على الأقل يقرأ قبلها شيء من الأساطير الإغريقية والرومانية مثل الإلياذة والأوديسة والإنيادة ومسرحية هاملت والملك لير ...
ربما ينطبق عليها وصف: رواية نخبوية....
 

 

قراءة لرواية حب

 رواية حب للنرويجية هانة أورستافيك صنفت ضمن أهم الأعمال الأدبية النرويجية في أواخر القرن العشرين.

فصول الرواية لاتحمل عناوين ولا أرقام ...

تدور أحداث الرواية عبر 155 صفحة فقط ...حول الأن فيبيكة وابنها يون...خلال ليلة واحدة طويلة وبارده من ليالي الترويج الشتوية...

"كان يريد سؤالها عن عيد ميلاده، غدا سوف يبلغ التاسعة من عمره"

يون ينتظر يوم الغد ...ويفكر في كعكة عيد ميلاده التي ستعدها أمه...والهدية التي سيتلقاها ..

لكن لماذا لم يسألها؟ 

لماذا لانناقش ما يدور ببالنا مع من نحب؟

هل هناك حواجز ومخاوف تمنعنا !!!

"يتطلع إلى الثلج الموجود أمام النافذة ويفكر كيف تستطيع رقاقات صغيرة أن تصنع هذا الكم من الثلج"

وصف الثلج والبرد في الرواية أشعرني بالبرد...

"الحياة قصيرة جدا كي لا تبدو جميلة، فلنتحمل البرد، هكذا تفكر"


تشعر فيونيكة بالوحدة، تحتاج للحب والرعاية...

ويعيش يون منغمسا  بأحداث يصنعها خياله عن شخصيات فضائية وحروب ومواجهات مع تلك الشخصيات وعوالمها...

السرد في الرواية ينتقل بالتناوب بين أفكار الأم وأفكار ابنها دون فواصل ...فتارة نكون مع أفكار الأم وتارة مع الأبن ...

ورغم بعد المسافة بين أماكن تواجدهما لكن الراوي يشعرنا أنهما أقرب لبعضهما رغم ما يحدث...

كبر المسافة بينهما  وبرودة الجو تتضح من برودة علاقتهما ببعضهما...

ذلك الطقس البارد انعكس على علاقتهما...

الحب هو من يدفئ العلاقات ويربط الجسور بين القلوب ويدفع الحزن والشعور بالوحدة والمخاوف بعيدا ...

دون تعبير عن الحب تبرد العلاقات وتتجمد العواطف وتصبح الحياة لا تطاق...

الحب هو من يزين حياتنا ويملؤها بهجة . .

كم هو محزن أن يعيش الناس في غربة عن احبائهم...

يعيشون الوحدة والخوف والإهمال وخيبة الأمل رغم وجودهم مع من يحبون...

البحث عن الحب والاهتمام في الخارج  يمكن أن يجعل الإنسان عرضة لمخاطر لا حصر لها ...لكن الرواية تدور في مجتمع آمن لايشكل الغرباء فيه أي مصدر للقلق. .. 

ولأن الرواية مكتوبة بصيغة الفعل المضارع فذلك يعطي للقارئ الايحاء بأن الأحداث تجري الآن في هذه اللحظة فينغمس فيها ...

ينغمس الابن في أحلام اليقظة المألوفه في تلك السن، لكن يبدو أن الأم لم تصل لمرحلة النضج للعيش في الواقع ، فهي أيضا لاتزال تحلق في عالم الخيال بعيدا عن الواقع ومسؤولياته...

تقرأ ثلاثة كتب أو أربعة أو خمسة في الأسبوع كما قالت...فأين ابنها في دائرة اهتماماتها!!!

الرواية تبعث على الأسى،...

وتدعو القارئ للتوقف والتفكير ....



السرداب 37 - ذويزن الشرجبي:



الكتاب يقع في 527 صفحة تقريبا، ينجح الكاتب بشد انتباه القارئ من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة ...
مع إثارة عدد من الأسئلة حول أحداث المغامرة التي يعيشها بطل الرواية معاذ...
العمل يمكن أن يوصف بالكتابة الكابوسية وكأن البطل تعرض لكابوس غريب ...أحداث غامضة متلاحقة لا تسمح بالتقاط الأنفاس ...
هل حدثت تلك الأحداث فعلا أم كل ذلك خيال؟
يبدأ الفصل الأول ومعاذ يحاول فهم أين هو...كيف وصل لهذا المكان !!!
لتعود الأحداث في الصفحات التالية لليوم السابق لنجد معاذ يودع صديقه في الدراسة بأحد شوارع مدينة عدن على أن يلتقيا في اليوم التالي ...
في طريقه إلى البيت يحدث تبادل أطلاق للنار بأحد الشوارع ...
وفي محاولته للهروب يجد نفسه في جزء غريب من المدينة ...لتتسارع الأحداث ويفهم القارئ كيف تورط معاذ الذي يجد نفسه في مكان ما تحت مدينة عدن ...
يبرع الكاتب بلغة جميلة وقدرة عالية على الوصف بشد القارئ لمتابعة فصول الكتاب وتتبع ما يحدث لمعاذ الذي ما أن ينجو من ورطة حتى يقع بأخرى أكثر صعوبة ...
وهكذا تنتقل فصول الكتاب من حدث غامض لحدث أكثر غموضا...
يتوقف كل فصل عند نقطة مهمة فيتورط القارئ لمعرفة ما سيحدث...


الحبكة وطريقة سرد الأحداث تجعل من السهل رسم صورة للمكان والأحداث وكأن القارئ يشاهد أحداث أحد أفلام الخيال التي تحبس الأنفاس ...
أسلوب سرد الكاتب وقدرته على الوصف شدتني ووجدت نفسي أتابع بطل العمل الذي وجد نفسه بين مخلوقات غريبة في أنفاق وسراديب تحت مدينة عدن يحاول البحث عن مخرج والافلات من تلك المخلوقات المرعبة التي يكتشف أنهم ضحايا تجارب لطبيب مجنون ...
يعيش القارئ لحظات من الرعب والتوقع ويتمنى لمعاذ أن ينجو رغم كل تلك الصعوبات التي لا تنتهي ...


هل فعلا هناك سراديب تحت مدينة عدن أم أن كل تلك الأحداث من بنات أفكار كاتب يملك خيال واسع ؟ سؤال يقفز لذهن القارئ ...

 


 

طلاب الجامعات الأمريكية وحصار غزة

 الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية أعاد إلى ذهني حراك طلاب جامعة صنعاء في العام 2011، عام الربيع العربي.
هل هناك تشابه؟
عدد من الطلاب يتبنون قضية عادلة ويحملون شعارات وينادون بعبارات توضح موقفهم.
حراك سلمي، لا يتبنى وسائل العنف.
لكن هذا الحراك لايروق للسلطات بالجامعة، فيتم استدعاء قوات الشرطة التي تتعامل مع الطلاب بوحشية...
تلك الوحشية تفشل في إيقاف الحراك الطلابي لأن التعاطف معهم يمتد لجامعات أخرى، وعدد من أعضاء هيئة التدريس ينضمون لدعم الطلاب وحمايتهم.
من المدهش متابعة القضايا التي تثار والشعارات التي ينادون بها.
الحرية لغزة بعد مرور كل ذلك الزمن من يوم 7 أكتوبر، يعني أن الطلاب خرجوا بعد التفكير المتأني وفهم أن هناك ظلم حقيقي يقع يتابعونه بالصوت والصورة، بعد تجاوز كل مغالطات الإعلام الرسمي والخاص الذي يذيع ما يناسب مصالح القوى المسيطرة...
فهي إذا ليست حركة عاطفية متسرعة أو حركة تجد دعم من قوى سياسية مناهضة للحزب الحاكم...

 
ما يحدث هو إعادة نظر في كل سياسات أمريكا الدولة العظمى الراعية للديمقراطية في العالم من مبنى جامعة تتبنى نقاش شتى القضايا بحرية وتعود الطلاب على ذلك الجو من الحوار الحر في قاعاتها...
يكتشف الطلاب حجم الخداع، وهم طلاب جامعات مرموقة يعتمدون على المصادر الصحيحة والموثوقة للخبر...
يبدأ النبش في حقائق التاريخ، وحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي وحجم الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني...
تتشعب المواضيع للكشف عن تغلغل الصهيونية في المؤسسات الأمريكية في بلد يؤمن أفراده بأن بلدهم ديمقراطي وحر ليكتشفوا الفاجعة...
تبدأ حقائق الدور الإستعماري الأمريكي في العالم وحجم التدخل الأمريكي في قمع الحريات ودعم الديكتاتوريات وحجم الخداع الإعلامي الأمريكي للشعب الأمريكي ...
تتساقط أكذوبة العداء للسامية عندما ينضم اليهود ويؤكدون أنهم ضد الظلم ولا يسعدهم أن تتكرر مذابح ومجازر كالتي حدثت سابقا على أيدي النازية ...
المواطن الأمريكي الذي يظن أن بلده هي الأفضل لأنها بلد الحريات والديمقراطية والتعايش مع الجميع يكتشف أن كل ذلك خداع فالطالب الأمريكي الذي يرفع صوته ضد الظلم ستأتي القوات الخاصة لتكبيله والتعامل معه بقسوة وعنف ويكتشف أن الفرق بين بلده وأي بلد ديكتاتوري من دول العالم الثالث يضيع ويتلاشى...
من متابعة ما يحدث وينشر نجد الفرق بين حراك في عالم يؤمن بالعلم والفكر والبحث العلمي ..حيث التفكير العقلاني الذي يستند لحقائق وقيم وليس مندفعا متسرعا عاطفيا يمكن تحويل مساره بخطاب عاطفي خاصة الخطاب الديني الذي يلغي أي تفكير حر ويتم السيطرة على أفكار من خرجوا بتغيير أهدافهم دون أن يدركوا ذلك ويتم توجيه كل مشاعر الغضب والإحباط تجاه شخصيات معينة، شخصنة الوضع فيصبح عفاش مثلا ومن قبل الإمام الكهنوتي، هو الهدف، فتلصق به كل العيوب ويصبح الهدف الأسمى هو الخلاص منه فحسب...
يضيع الهدف الذي يسعى لوقف الظلم والطغيان وإحلال العدل ويصبح الهدف التخلص من ذلك البعبع الطاغية المتخلف...
وتبدأ تنسج الأحلام بالعالم المثالي الذي سيتحقق بعد الإطاحة بالطاغية ويأتي النظام البديل العادل ...
أصوات سقوط النظام تحصر النظام بالحاكم وأعوانه فهم النظام وهم الظلم والتخلف، ويكتشف الناس بعد سنوات أن ما خرجوا لأجله لم يحدث لكن لا يسمح لهم بالتعبير عن ذلك لأن من يتجرأ على نقد أوضاع الظلم والتخلف الجديدة سيتهم بالخيانة والعمالة وقد يختفي من الحياة ببساطة.
لكن ما يحدث هناك في أمريكا مختلف.
مختلف بحجم الدور الذي تقوم به الجامعات ويقوم به التعليم في الأساس...
وهو الدور المفقود عندنا..

 
ما يحدث اليوم في أمريكا هو خطوة أولى لتغيير كبير قادم، تغيير سيتم على أيدي من يعلمون أن التغيير لايتم بين ليلة وضحاها، تغيير يبدأ على ايدي جيل وينتقل لجيل آخر يملك الصبر والشجاعة على قيادة التغيير الذي سيحرر النظام من كل قيود الأسر لأي جهات تملك مصالح في بلد يرفض غالبيته أن يجد المواطن نفسه ممنوع من التعبير عن رأيه ...
يرى قيم الديمقراطية تنتهكك...يعيش قيم المواطنة واقعا لا بخياله ويرفض بقوة أن يحرم منها مهما كانت الأسباب ...
فالوقوف مع غزة المحاصرة هو وقوف مع قيم الحرية والحق بالحياة العادلة... أي هي قيم لا تقبل النقاش ولا المغالطة والتمييع ولا ذلك النوع من الترهيب عبر مصلحة عليا للوطن وغيرها من الخزعبلات ...
مواطن يجد من حقه أن يسأل الحكومة أين تذهب أموال الضرائب التي يدفعها ويقال له أنها تذهب لدعم قيم الحرية والديمقراطية في العالم ...
الشعب المتعلم تعليم حقيقي يصعب مغالطته بعد أن يكتشف الزيف والخداع ولا يخضع للقوة القاهرة للحكومة التي يؤمن أن دورها حمايته وتحقيق أهدافه وليس أهداف ومصلحة طبقة الحكم ورفاقها..
الأمر ليس سهلا ..
فالحياة صراع دائم ...


 

كتاب: عودة الوعي لتوفيق الحكيم

 

كتاب رائع لأنه يحمل فكرة مهمة ...
فكرة إعادة النظر فيما حدث...التفكير العقلاني بعيد عن العواطف والتقديس أو التدنيس للشخصيات...
بل تفكير يبحث عن الحقيقة ...
نعلم أن أغلب الحقائق مغيبة ...وكما قال توفيق الحكيم:
" إن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر هي الكشف عن وجه الحقيقة"
في ظل حكم ديكتاتوري يستحيل قول الحقيقة ...لكن هذا لايمنع من البحث عن الحقيقة عندما تتاح الفرصة ...
وهذا ما يوضحه الكاتب: " إني لا أكتب لحساب الماضي. وإنما أنقد لحساب المستقبل"
"لابد من فتح كل ملف ثورة 1952"
 
عنوان الكتاب رائع لأن الوعي غائب حتى اليوم...وهو بحاجة للعودة ...
"ولكن هناك خسارة لا شك فيها ولا يعدلها عندى مكسب، ذلك هو ضياع وعى مصر ..... هذه الحالة العجيبة التي أصابتنا يجب أن تكون يوما محل دراسة وتحقيق"
ولن يعود الوعي إلا بمعرفة الحقيقة حتى لا تتكرر الأخطاء ..
 
الكاتب أثار عدد من الأسئلة المهمة منها على سبيل المثال:
"وفي الجملة هل ثورة 1952كانت ذات فائدة حقيقية لمصر والبلاد العربية أو أنها فترة معترضة لسيرها معرقلة لنهضتها؟
وهل كانت نظاما طبيعيا أو نظاما مصنوعا نتج عن حركة آزرتها وخططت لها أمريكا لتزرع في المنطقة أنظمة عسكرية على غرار ما فعلته في أمريكا الجنوبية اللاتينية لتوقعها أن مصر وقتذاك كانت مهيأة فعلا ومقبلة على نهضة ذاتية تنبت فيها الاشتراكية نبتا طبيعيا شعبيا ويقوم التصنيع والإصلاح والوحدة العربية على أسس صحيحة ثابته وناضجة؟
أو أن بلادنا ما كانت تبلغ من ذلك شيئا إلا بعد جهد وزمن وأنه لا مكاسب يمكن أن تنالها بسرعة إلا عن طريق القرارات العسكرية؟
كل هذه الموضوعات والتساؤلات يجب أن تكون موضوع دراسة بفكر طليق وعقل موضوعي....
وكل البنود المعتاد ذكرها وترديدها من بنود مكاسب الثورة في حاجة إلى غربلة دقيقة بعيدة عن الطبل والقمر والأناشيد والأغاني والشعارات اللفظية وتضخيم كلمة الناصرية كأنها نظرية."
 
حتى المصطلحات والمسميات يرى الكاتب أنها بحاجة لمراجعة:
"وأصبحت الحركة ثورة.. ولكن بعض فقهاء القانون الدستورى قاموا من جهة أخرى ينفون عن الحركة وصف الثورة ويدللون على أن الوصف المنطبق على هذه الحركة هو (الانقلاب العسكري) ذلك أن الثورة يقوم بها الشعب ويقودها مدنيون كما حدث في الثورة الروسية التي قام بها الشعب بقيادة لينين وكما حدث في الثورة المصرية سنة 1919 التي قام بها الشعب بقيادة مدنيين. أما الحركة التي تقوم بها جماعة مسلحة من رجال الجيش فهى «انقلاب لنظام الحكم»
 

 
 
 

عن كتاب: الحياة التي عشت الجزء الأول لمحمد عبد الله الفسيل

 

بدأ الكاتب سيرته الذاتية بمدخل متميز، اختار فقرة من رواية 1984 لجورج أوريل...
هي المرة الأولى التي أجد كتاب لسيرة ذاتية بمدخل رائع كهذا..
المدخل فيه إشارة لمن لا يكتفي بتغيير الحاضر وتشويه المستقبل لكنه يغير الماضي ويضع له اسماء جديدة ويحذف منه اسماء قديمة...هذه العبارات جاءت معبرة فعلا عما يحدث في الكتابات الرسمية برعاية الدولة في اليمن وما يحدث فيها من تشويهات للماضي ورموزه...
في هذا الكتاب وجدت الكاتب أكثر انفتاحا من آخرين تحفظوا كثيرا عن ذكر كثير من الحقائق فجاءت كتاباتهم لا تحوي شيء مهم ...
يسهب في ذكر الخلافات بين مكونات الأحرار وخاصة الزبيري والنعمان ويذكر جزء من أسبابها ....
 
يكتب تعليقات وتوضيحات لما جاء في كتابات كتاب آخرين عن وقائع يرى أنهم كتبوها بطريقة غير صحيحة من وجهة نظره ...
لأول مرة أجد كاتب يستطيع بحرية التعبير عن مسائل يخفيها غيره مثل مواضيع العنصرية الخاصة بالشوافع والزيود والقحطانيين والهاشميين رغم أهمية الكتابة عن كل المواضيع دون تحسس لأنها جزء من الواقع الذي يحتاج لصراحة وصدق حتى تدور حوله النقاشات بهدف الإصلاح والتغيير الحقيقي ...
 
دخل السجن لأنه كتب كتاب جمع فيه آراء متنوعة حول الإمام أحمد ونشر الكتاب الذي حمل عنوان: الرجل الشاذ ...
لم يعدم لكنه بقي في السجن لفترة طويلة ...
يذكر كيف ارسل الأحرار رسائل استعطاف واعتذار للإمام فخرج بعضهم لكن رسائل وأشعار الاستعطاف التي أرسلها لم تغفر له بسبب ما جاء في كتابه ...
 
يذكر بوضوح دور المخابرات المصرية وعبد الناصر في التخطيط للثورة لقلب نظام الحكم بعد الخلاف بين عبد الناصر والإمام أحمد ودور البيضاني المدمر في بداية الثورة ...
الجزء الأول من مذكرات الكاتب مكون من 17 فصلا ...ينتهي هذا الجزء بخطاب الإمام البدر وتفجير الثورة ...
 

 

قراءة لرواية صراع حول نافذة السماء - الرحلة الأولى، لعبد الوهاب بغدادي:

 

الرواية تأخذ القارئ في رحلة عبر الزمن، فيسافر مع شخصياتها إلى أعماق التاريخ، إلى فترة بناء الهرم الأكبر حيث يمتزج الخيال بالتاريخ بالأساطير...

هي رواية خيال علمي، النوع الأدبي الذي لا يلق اهتمام كبير في الأوساط الثقافية العربية، رغم أن له الكثير من العشاق والمتابعين.

في البداية يوصي المؤلف القارئ بقراءة النبذة العلمية والتاريخية عن الحضارة المفقودة وهرم خوفو الأكبر في نهاية الرواية، لكن تلك المعلومات يستطيع القارئ استيعابها من خلال الرواية بطريقة ذكية عبر حوارات الشخصيات.
استطاع المؤلف ببراعة أن يرسم ملامح تلك الشخصيات مما يسهل تخيلها ومتابعة أحداث الرواية كشريط فيلم سينمائي.

تبدأ الرواية بالفصل الذي أطلق عليه الفصل ما قبل الأول عام 2110م بمدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة، بحادث انفجار غريب وظهور كرة عملاقة معلقة في الفضاء. لتنتقل الأحداث في الصفحات التالية إلى العام 2135م بمنتجع الكرة المعلقة السياحي. ويبدأ الفصل الأول ليعيد القارئ إلى العام 2064 بنفس المكان حيث تبدأ فصول الحكاية.
الخيال والانتقال بين الأزمنة من المستقبل للحاضر إلى الماضي رائع ويشد القارئ ليتابع الأحداث المرسومة بدقة وببراعة...

377 صفحة هي أحداث مغامرة يخوضها أبطال الرواية بعد عودتهم للماضي الموغل في القدم، حيث يعيش القارئ معهم أحداث مثيرة وصاخبة تتخللها المؤامرات في القصر الملكي وفشل المؤامرة وهروب من خطط للمؤامرة إلى اليمن:
" كان الجميع يعرفون هذا المكان الذي لا يستطيع خوفو مطاردتهم فيه، فقد سبق أن هرب إليه الكثير من أمراء مصر العليا بعد التوحيد الأول لمصر، ثم هرب إليه الكثير من أمراء الدلتا خوفا من بطش الملك مينا إبان التوحيد الثاني والأخير في مصر. لم يكن هذا المكان سوى جبال اليمن الصعبة التضاريس، والتي عرفها المصريون القدماء جيدا أثناء رحلاتهم التجارية والعلمية إلى بلاد بونت"

عبر صفحات المغامرة يعيش القارئ مع المغامرين ويشعر بمعاناتهم وخوفهم وقلقهم وهم يحاولون العودة للزمن الذي سافروا منه بعد انتهاء مهمتهم: " فوق رمال الصحراء، سبق الحماس والشوق للعودة إلى المركبة خطوات الرواد، وسيطر على مشاعرهم حنين جارف لسرعة العودة إلى أرض الوطن رغم كونهم فوق الأرض نفسها مع اختلاف الزمن. فإذا كان حب الوطن هو أنقى حب في الوجود، فيبدو أن هذا الحب ليس وليد المكان فقط، بل وليد المكان والزمان معا، فالزمان والمكان مجتمعان هما من شهداء الولادة والطفولة والشباب وصنعا الذكريات، إنهما متفاعلان في كل شيء حتى في العلاقة بالأوطان، وما الإنسان إلا ابن زمانه ومكانه" ...

أتفق مع الكاتب فالإنسان ابن زمانه ومكانه، ولن يسعد لو تحقق حلمه وعاد به الزمن للعيش في ماض انتهى، فسيشعر بالغربة والوحشة لأنه ابن زمنه حتى على المكان ذاته.
تنتهي صفحات الرواية قبل أن ينجح أبطال المغامرة بالعودة إلى زمن المستقبل الذي يفصلهم عنه سبعة آلاف سنة، مع عبارة إلى اللقاء التي تشير للرحلة التالية للرواية.

من يحب قراءة كتب المغامرات والخيال العلمي والسفر عبر الزمن سيستمتع بالرواية، فهي لا تقل روعة وجمالا عن هاري بوتر وسيد الخواتم. الفرق أنها مغامرة في تاريخ العرب وثقافة لا تجد الاهتمام الذي تستحقه.

تخيل أن تجد نفسك في مصر في زمن بناء هرم خوفو أو نافذة السماء.

حاول الكاتب أن يصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة عن التاريخ والواقع اليوم ...

في بداية الرواية ظهرت آراء الكاتب بوضوح وكان الأفضل أن تأتي تلك الأفكار على لسان الشخصيات أثناء الحوارات...
ففي الفصل تحت عنوان "مأساة الفتاتين" تكررت عبارة: “فلم تجد بدا من العودة إلى أحضان مصر الدافئة، حيث قلب العالم النابض بالحب ...”، في البداية ومرة أخرى في نهاية الفصل:" ولكنني أعتقد أن حياتنا الدافئة في مصر ستساعدنا على التخلص من بقايا آلام وجروح الماضي..."والفصل تقريبا يدور حول أسباب سقوط الحضارة الغربية ومشكلاتها ومعاناة الفرد فيها، ظهور تلك الأفكار في حوار الشخصيات يكون مقبول أو يظهر على شكل أحداث درامية توضح فكرة الكاتب يكون مقبول ...لكن أن يأتي على لسان السارد فهو إلى حد ما غير مناسب وخاصة عندما يتكرر ويدور حول الفكرة ذاتها فالقارئ سيعد ذلك أحد آراء الكاتب التي يفرضها ويمليها على القارئ..

الرواية مليئة بالاحداث المشوقة وجديرة بالقراءة يختلط فيها الخيال بالأسطورة بالتاريخ المصري القديم ...
كما أن بها حوارات مثيرة للاهتمام، من نوع:
" سأل عمر سؤالا هاما:
- هل يمكن للإنسان أن يقابل نفسه في الماضي؟ بمعنى إذا عدت إلى ماض قريب، خمس سنوات مثلا، فكيف استطيع أن أقابل نفسي؟"

 


 

وداعا جوليا

 

وداعا جوليا فيلم سوداني من إخراج محمد كوردفاني فيلم رائع بامتياز...
لماذا؟
يقدم قصة درامية باحترافية، تنساب أمام المشاهد الأحداث وتشده لمتابعتها ...
لا بطل رئيسي للفيلم ، بل كل الشخصيات تلعب دور البطولة، حكايات كل الأشخاص تسير جنب بعضها، ونفهم دوافع كل شخصية وخلفياتها....هكذا نفهم كيف كل شخصية يمكن أن تكون الجاني والضحية في آن معا..
 
المجتمعات التي تسير باتجاه التفكك نعرف أن ذلك يعود لمجموعة من قناعات غرست عبر أجيال طويلة فجعلت من البعض عدوا للآخر ...
وهكذا يعيش في بلد من يكن الكراهية للآخر لأن تلك القناعات والمواقف توارثها جيل بعد جيل...
الفيلم لايدين جهة ويبرئ أخرى بل يقدم الحقيقة كما هي دون تجميل أو تبرير ...
ربما إيمانا من المخرج كاتب قصة الفيلم أن الحقيقة هي من يعالج ويشفي الجروح لأن تراكم الأكاذيب والتشويهات يزيد من عمق مشاكل المجتمعات ويذهب بها بعيد عن أبواب الحل والخروج من جحيم الواقع الذي تعيشه...نعم لاشيء يعالج مثل الحقيقة ...
أداء الممثلين يبدو تلقائي ومقنع وتم اختيارهم بعناية...
 
أظهر الفيلم العلاقات بين الناس من شمال السودان أو العرب والجنوب أو ما يطلق عليهم العبيد في العاصمة الخرطوم قبل انفصال الجنوب فنفهم تعقيدات الوضع...
الجميل في الفيلم أن السياسي لم يطغ على الشخصي....
بل سلط الضوء على مشاعر أبطال الفيلم ...
 
صور ببراعة المشاعر الانسانية المعقدة في أجواء الكراهية والخوف من الآخر ...وسيطرة الشعور بالذنب ومحاولة التكفير والغفران...
يظهر الفيلم أيضا الوضع الاجتماعي للمرأة بلقطة مبدعة ...عندما يحضر الزوج زوج من الطيور في قفص وعندما تطلق الزوجه تلك الطيور يتهمها زوجها بالغباء لأن الطيور التي تربت في قفص لا تستطيع العيش خارجه...
وضع يشبه حال النساء في المجتمعات ذات النظام الأبوي التي تعيش المرأة فيها كطائر في قفص... 
 
يسلط الضوء على ما تتعرض له المرأة في وسائل المواصلات أو في التعامل مع البعض من تحرش جنسي يتنافى مع قيم المجتمع ...
قصة معقدة من العلاقات تعطي المشاهد نظرة ثاقبة للانقسامات بين شعب شمال وجنوب السودان التي أدت إلى تقسيم البلاد في عام 2011...فيفهم لماذا سار البلد نحو الانقسام... 
دون انحياز من كاتب القصة لأي طرف ...