جمعت المؤلفة في الكتاب ما قيل عن ملكة سبأ في الديانات السماوية والأسطورة وكتب التاريخ.
يقول جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب مقدمة الكتاب:
" امتزاج الحقيقة بالخيال بشأن الشخصيات الماضية إنما هو نتيجة انبثاق الأسطورة الخارقة من واقع مدهش ، لم يكن للإنسان أن يصوره إلا على هذا الغرار الذي يرى فيه تزاوج الإنسي بالجني، أو تزاوج البشري بالإلهي لعله يمسك بملامح يمكن للعقل إدركها".
فبلقيس هي امرأة خرافية الجمال والسطوة والمال، كما تذكرها الكتب والاسطورة.
فقد أجمع المؤرخون اليمنيون القدامى والمحدثون والمفسرون، إضافة إلى الحكايات الشعبية التي نسجها الخيال الشعبي أجمعوا على أن ميلادها كان من أب أنسي وأم من الجان، بل هي بنت ملك الجان. أي من الطبقة الارستقراطية.
أم بلقيس من الجن وهي رواحة بنت سكن في كتاب التيجان وهي الحوراء ابنة اليلب بن صعب العرمي ، ملك الجن، في كتاب ملوك حمير وأقيال اليمن.
والدها عندما أدركته المنية ، جمع وجوه حمير وأهل المشورة من بني قحطان وخاطبهم:
يابني قحطان أما أنكم تعلمون فضل رأي بلقيس علي فإنها لا تخطئ ما تشير به عليكم ، كيف تجدون بركة رايها؟وقال: فإني استخلفها عليكم.
فقال رجل منهم: أيها الملك ، تدع أفاضل قومك وأهل ملتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان التي هي منك ومنا؟
تفسر الكاتبة رفض القوم واستنكارهم أن تولى عليهم، لتأثير ثقافة من نقل الحكاية من العرب الذي صبغوا الحكاية بثقافتهم التي ترى المرأة في مستوى أدنى من الرجل ولا تزال.
تسهب الكاتبة في ذكر الرواية من مصادر مختلفة، والتي تجمع كلها على قصة الملكة بلقيس أو ملكة سبأ مع النبي الملك سليمان، تختلف الحكايات في بعض التفاصيل.
ولكن هناك ملكة سبأ في الحبشة، وبالعودة لما جاءت به كتب التاريخ ، فالاحباش جزء من السبئيين الذين عرفوا بهجراتهم المتكررة التي عبرت البحر الأحمر إلى السواحل الشرقية لأفريقيا. وهم ينتسبون لقبيلة حبشت التي ظهرت في النقوش اليمنية ، كما أشار إليها المؤرخ والمستشرق السر بدج في مؤلفه الشهير "تاريخ أثيوبيا"، إذ يقول إن حبشت هو الاسم الذي أطلق على قبيلة عربية غزت البلاد قرونا عديدة قبل المسيحية، وقد أطلق المستشرقون على سكان هذه البلاد اسم الغزاة القدماء، أي الحبشة.
يحتوي الكتاب على معلومات كثيرة عن ملكة سبأ ومملكة سبأ ، وماجاء عنها في الأدب اليمني، وخاصة الشعر.
وتختتم الكاتبة البحث بقصائد لعدد من الشعراء اليمنيين التي ربطت بين بلقيس الملكة التي اصبحت في الخيال اليمني هي الرمز للوطن والثورة والحلم.
من الفقرات الجميلة في الكتاب عن التاريخ:
"المفهوم الحديث للتاريخ كما يراه المهتمون اليوم، لم يعد عملية تسجيل للوقائع والأحداث والسير، لحفظها والتذكير بها، بل اصبح مرتبطا بعملية التطور الحضاري بشكل عام في جميع المجالات.
فكما يعالج عالم النفس الكوامن الغامضة والعميقة من ذاكرة الفرد في شعوره ولا شعوره، كذلك يفعل المؤرخون، على أن يكون لديهم الخيال الخصب ليعينهم على تقمص الماضي واستحضاره، إضافة إلى امتلاكهم الاستعداد الذهني القادر على اكتشاف العلل والأسباب من خلال النتائج والظواهر".
كتاب: الملكة بلقيس التاريخ والاسطورة والرمز لبلقيس إبراهيم الحضراني
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
الكرد في اليمن، دراسة في تاريخهم السياسي والحضاري 1173 - 1454م لدلير فرحان إسمايل
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
قراءة في كتاب : شاهد على اليمن، أشياء من الذاكرة لأحمد جابر عفيف
الكتاب هو شهادة على عصر الكاتب، يتذكر فيه الكاتب جزء من طفولته وشبابه وانتقاله إلى العاصمة صنعاء بحسب طلب من وزير المعارف سيف الإسلام عبد الله بن الإمام يحيى...الذي طلب من إدارة معارف الحديدة اختيار مجموعة من طلاب تهامة ليصعدوا إلى صنعاء بغرض الزيارة ...
تلك الزيارة تترك أثر كبير في نفس الكاتب ويحن للعيش في صنعاء بعد عودته لبيت الفقية ...
من اللفتات الجميلة في كتب المذكرات أن يأخذنا الكاتب في رحلة عبر الزمن إلى الماضي الذي لا نعرفه فنحاول رسم ملامح واضحة لأهل ذلك الزمن، ونتلمس معاناتهم، ونشعر كأننا هناك معهم ...
قليلة هي الاخبار عن طفولة الكاتب وحياته قبل أن يستقر في صنعاء ...
ربما بسبب طبيعة كتابة الكتاب...فالاستاذ أحمد جابر عفيف رحمه الله تم اقناعه بأن يسجل ذكرياته على اشرطة كاسيت فهز يسرد ما يتذكره وبعدها تمت عملية نقل ذلك إلى الكتاب ...
الرجل شخصية ليست عادية...رجل اهتم بعملية التحديث في اليمن، تولى منصب وزير للتربية، ناضل لبناء جامعة صنعاء، كون النادي الأهلي، له مؤسسة ثقافية رائدة مؤسسة العفيف الثقافية، وكم من الشخصيات اليمنية التي لها اسهامات ثقافية كهذه ؟
فكر في تأسيس دار مأرب للطباعة والنشر لتنافس دور النشر العربية الشهيرة...ولكن يشرح العقبات التي حالت دون ذلك...
بنى مدينة حدة السكنية ليساهم في حل مشكلة الموظفين ...
هذا جزء من انجازات الرجل رحمه الله...
حارب القات ومؤسسة يمن بلا قات من أفكاره العملية ...
ينتقد بشدة من يحاولون تجميد الحياة في اليمن ويقفون سد منيع في وجه التغيير والتحديث ...
يرصد الكثير من الملاحظات غير الصحية في التصرفات والأوضاع...فعلى سبيل المثال يستغرب كيف يتصرف اليمني بطريقة طبيعية ويمارس كافة الاعمال خارج اليمن ، لكنه يستنكف عن ممارسة أي عمل في بلده ويتصرف باستهتار ويغسر ذلك بأن حكام اليمن سحقوا الإنسان وسدوا أمامه المنافذ...وأظنه يقصد الحكم في الماضي وبعد الثورة...
رأيه في الانتفاضات والثورة يستحق الوقوف عنده طويلا ...فهو يرى:
" أنه لم يكن هناك ثمة تخطيط دقيق ومنظم وإنما كان الحماس والتبرع اللذان يدفعان إلى مبادرات فيها البطولة وفيها قدر من الارتجال".
رأيه أيضا في الرئيس إبراهيم الحمدي يستحق الوقوف عنده كثيرا ...ويشير إلى استقالة الأستاذ أحمد دهمش دون أن يذكر تفاصيلها ...
يرصد مظاهر الفساد لكن للأسف لا يذكر أسماء ...يضع تلميحات فقط ...
كثير من القصص التي يستشهد بها لا يذكر تفاصيلها بل يكتفي بالقول وهي قصة معروفة للجميع ، رغم ان القصة المعروفة للجميع في فترة لا يعرفها من يقرأ الكتاب ...
في صفحة 38 وهو يذكر كيف تم استقبالهم في الأربعينات وهو في المرحلة الابتدائية ...استقبلوهم في الحديدة قبل سفرهم لصنعاء يذكر كيف فصلوا لهم ملابس جديدة موحدة، وعلموهم..." طريقة اللباس وطرق الأكل وخاصة كيف نمسك بالملعقة والشوكة والسكين.."
الكتاب لا يعطي معلومات كافية عن الأستاذ أحمد جابر العفيف رحمه الله ، وتمنيت لو أن من اشرفوا على الكتاب يومها استوضحوا معلومات أكثر من الرجل ...
الكتاب برأيي يحتاج إعادة كتابة وترتيب للأحداث...أو وضع تواريخ لكثير من الأحداث ...
الكتاب يجعل القارئ يشعر فعلا انه يستمع لشخص يروي من ذاكرته لمحات من حياته ...من هنا ومن هناك ...
فيذكر مثلا انه كان يرى اشخاص بلباس غريب يجوبون الشوارع في طفولته وعرف فيما بعد انهم من أفراد الجيش السعودي الذين دخلوا بيت الفقية عام 1934...
وقد يعود للحادثة نفسها مرات، وتغيب كثير من التفاصيل ...
أفرد الكتاب الفصل السادس عشر لوثيقة العهد والاتفاق بين أطراف القوى السياسية وهي النسخة الاصلية كما جاء في الكتاب مع توقيعات للجان الحوار ...
وهناك عدد من الصور للكاتب من سنوات مختلفة وينتهي الكتاب بوصية الأستاذ العفيف رحمه الله ....
في كثير من الصفحات يركز وبشدة على قضية تقدم اليمن...وضرورة احداث نقلة جذرية للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في اليمن...
رحمه الله، ونحلم أن تتحقق
أحلامه يوما فهو غرس بذرة صالحة وجيدة ...
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
قرآءة لرواية: مسرى الغرانيق في مدن العقيق لأميمة الخميس
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
كتاب: القصص القرآني- قراءة معاصرة.
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
قراءة لكتاب: اليمن تحت حكم الإمام أحمد 1948 - 1962م للدكتور: أحمد عبيد بن دغر
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
تردي الاوضاع الاقتصادية وغياب مشروع الدولة
إذا لا وجود لدولة في اليمن، ولكن قبيلة تحاول أن تصبح دولة.
نعم، شعرت بالإهانة واستغربت كيف يصدر مثل هذا الكلام من مفكر بحجم هيكل.
ويبدو أننا نستغرب عندما يتم مواجهتنا بما لا نعترف به. نرفض تماما القبول والتصديق بسبب هول الصدمة التي تصيبنا.
ولكن لو حاولنا أن نتأمل لماذا قال هيكل ذلك؟ هل كان كلامه اعتباطا؟ هل كان في ما قاله نوع من الافتراء على حقيقة الوضع في اليمن؟ هل فعلا تحكمنا القبيلة منذ قيام ثورة 26 من سبتمبر؟ هل فشلت القوى السياسية في وضع أسس دولة حقيقية في اليمن؟
كثيرا ما سمعنا أن ثورة 26 سبتمبر، تخلصت من أشخاص النظام الملكي لكنها لم تتخلص من عقليته في إدارة البلاد.
فلا مؤسسات ولا قوانين حقيقية تم تأسيسها في البلاد، لقد ظل الحكم يعتمد على الشخص المسؤول. فلو غاب الوزير أو المدير لتعطلت كل الأمور. الوزير الجديد يستطيع بسهولة نسف كل جهود الوزير السابق والبدء من الصفر.
بالطبع لا ننسى أنه لنتحكم في المستقبل لابد من مراقبة وفهم الماضي القريب. على سبيل المثال فهم سبب استخفاف الحكومات المتعاقبة بالمواطن واحتياجاته.
المواطن وضع كل آماله في الدولة – والتي يبدو أنها لم تكن موجودة أو لم تكن على مستوى طموح المواطن – لكن آماله خابت فلا تنمية تحققت ولا شهد المجتمع تحديثا حقيقيا. بل إن كل مشاكل المجتمع تضخمت وأصبحت مستعصية وفشلت الدولة في حلها، وظلت مشاكلنا تتفاقم… الأمية، البطالة، الفقر.
لو أمعنا النظر في الوضع الاقتصادي لوجدنا أن وسائل الإنتاج المتخلفة هي السائدة، ففي القطاع الزراعي على سبيل المثال، لم يتم ميكنة العمل الزراعي رغم خصوبة الأرض واتساع رقعة الأراضي المنتجة للمحاصيل الزراعية، بل إن زراعة القات تسطو على أغلب الرقعة الزراعية دون وجود قوانين تحد من ذلك رغم وجود دراسات تظهر حجم الكارثة، وأثر زراعة القات الكارثي على منسوب المياة القليلة، لكن الدولة لم يكن لها دور إيجابي للحد من ذلك. تخلف الإنتاج الزراعي يؤثر بشكل سلبي على مستوى معيشة المزارعين في الريف والذي يشكل 70% من سكان البلد. الدولة تترك المزارع وحيدا يواجه ظروفه دون عون حقيقي، بل إن انتشار المبيدات التي تدخل بطرق غير مشروعة والاستخدام المفرط لتلك المبيدات من قبل المزارعين ودون رقابة أدى إلى إنهاك التربة، وساهم ذلك في انتشار مرض السرطان خصوصا لدى متعاطي القات كما أثر على جودة معظم المنتجات الخضرية. واللوم لا يقع على المزارع الذي لا يعرف خطورة مايقوم به فهو يحتاج للتوعية والإرشاد من الجهات المختصة.
ولأن المزارع في الريف لا يجد العون والدعم اللازم فهو يلجا للهجرة الداخلية، من الريف للمدينة، مما يتسبب في زيادة نسبة الأيدي العاطلة عن العمل، واتساع نسبة الفقر بمرور الوقت.
أما لو انتقلنا للقطاع الصناعي فليس هناك وجود لصناعة حقيقية تستطيع تشكيل طبقة ملحوظة من السكان يعملون في القطاع الصناعي، ونتذكر مصنع الغزل والنسيج في العاصمة صنعاء، الذي أغلق أبوابه رغم أنه كان مصدر رزق لعدد كبير من العائلات. وبدل من أن تزداد أعداد المصانع في البلد تم إغلاق ما كان موجودا.
هذا يعني بوضوح أن البلد لم يشهد نموا اقتصاديا يعمل على توفير فرص عمل للأيدي العاملة التي يزيد عددها عاما وراء عام. بمعنى أكثر دقة الدولة لم تلعب دورا حقيقيا في تنمية الاقتصاد.
الطبقة الوسطى المتعلمة في البلد تضاءلت بسبب سياسات الحكومة التي عملت على تحسين ظروف ملاك رؤوس الأموال المواليين للحكومة، فلعبت السياسة دورا حاسما في مجال الاقتصاد فاستفاد عدد قليل من الأشخاص على حساب مجموع المواطنين التي تلاشت آمالهم في حياة كريمة.
قام الاقتصاد الريعي في اليمن على موارد نفطية قليلة، ومساعدات خارجية لكن الفساد المتفشي كان يشتت كل شيء.
وهذا يجعلنا نذهب لمسألة تكوين الدولة في اليمن، فالتاريخ السياسي الذي أتت منه الدولة اليمنية الموحدة هو تاريخ مليء بالصراع على السلطة والثروة، مع غياب مشروع واضح للدولة الحديثة. مشروع لدولة يمنية تضمن العدل والمساوة والحياة الكريمة لكل مواطن يعيش على ترابها. وعند ظهور هذا المشروع من نخب لا تلهث وراء السلطة سيتغير الواقع اليمني، وستظهر الدولة التي ستبني الاقتصاد الذي يضمن الحياة الكريمة للجميع.
اليمن بلد لا يعاني من قلة موارد وثروات، على عكس دول صناعية ناجحة في الإنتاج رغم فقرها في الموارد الطبيعية مثل اليابان.
في دراسة لرسالة الدكتوراه للباحث الشوكاني تتحدث عن التحديات التي تواجه مشروع الدولة اليمنية الحديثة والتي أهمها التدخلات والمصالح الخارجية. قال في دراسته إن مخرجات الحوار الوطني مثلت برنامجا تحديثيا لبناء الدولة اليمنية بطموح يفوق القدرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراهنة وهو ما يمثل تحديا كبيرا لليمن على المنظور البعيد. والدولة التي تعجز عن تحقيق الأمن والمحافظة على الاستقرار السياسي هي دولة فاشلة وعاجزة، ومن الصعب الحديث حينها عن وجود اقتصاد.
هل سينشأ تعاون بين الحكومة رغم كل الصعوبات الحالية وبين القطاع الخاص لوضع حد أعلى للأسعار ومنع المضاربة والتربح من معاناة الناس. في الوقت الحالي الملف الإنساني هو أهم ملف على الحكومة الاعتناء به، بالمساعدة مع الجهات الدولية المانحة حتى لا تزداد الأوضاع المعيشية للناس سوءا.
ففي ظل الاهتمام الدولي بالوضع الإنساني فهناك فرصة للحصول على دعم مباشر للاقتصاد، لو تم توجيه الدعم بشكل صحيح بعيدا عن دهاليز الفساد المعتادة والاستغلال البشع لمآسي الناس.
الوضع الاقتصادي الحالي متدهور بسبب توسع رقعة الفقر، وتدهور سعر العملة، انقطاع المرتبات، غلاء الأسعار، الحصار. وهناك حاجة لبرامج فاعلة للتعافي الاقتصادي، وتحسين الإدارة الحكومية المتعلقة بتوفير الاحتياجات الأساسية للناس مثل المشتقات النفطية وغيرها وضبط عملية الاستيراد والتوزيع بعيدا عن تجار الحروب. هناك حاجة للتركيز على البرامج التي تساعد السكان على تجاوز حالة الاحتياج وتأهيلهم للاعتماد على أنفسهم بدل من البقاء في دائرة تلقي المساعدات الغذائية فقط..
فكل خطوة تتم في اتجاه ترميم الاقتصاد ومنع المزيد من الانحدار ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح لوضع حجر الأساس لاقتصاد حقيقي في دولة يتبلور مشروعها الحقيقي من معاناة وحاجة الناس لدولة حقيقية.
في وسط كل هذا الركام واللون القاتم الذي يلون المشهد الحالي، هناك ملامح لضوء مهما كانت درجة خفوته يستحق الملاحظة. أنه رأس المال الخاص، المشاريع الخاصة والمشاريع العائلية التي بدأت تطفو على السطح. مهما كان حجم هذه المشاريع فهي تستحق المباركة والدعم والتشجيع، ولنتذكر أن 60% من الشركات الأوروبية هي شركات عائلية، وهي تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدانها وتوفر فرص للعمل.
في إيطاليا هناك 200 ألف شركة عائلية صغيرة، وهناك 4,5 مليون مشروع صغير تمثل 95% من الأعمال التجارية في المملكة المتحدة.
الشركات الصغيرة، والمتوسطة تحتاج لدعم الدولة وتحديدا الدعم القائم على محاولة توفير البنية التحتية والخدمات العامة التي تسهل عمل هذه الشركات، وكذلك نقطة هامة جدا وهي مسألة القانون الضريبي في البلاد، هذه القوانين بحاجة لإعادة النظر فيها لأنها تثقل كاهل المستثمر وتتعامل معه بروح الجباية، فتتعدد مصادر وجهات من يطالبون بالضريبة على تنوع مسمياتها إضافة إلى الزكاة. هذا الأمر في الظروف العادية ينفر المستثمر وتدفعه للبحث عن بلد آخر يقدم تسهيلات للمستثمرين. فهل ستثبت الجهات الرسمية أنها تقدر حساسية الوضع الراهن، وصعوبة ما يواجهه المواطن من ويلات الحرب والحصار والأوضاع غير المستقرة، فتعمل على تحسين أوضاع الناس عبر الاهتمام بالوضع الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي للأسر التي تبحث عن استقرار وأمن والاتجاه لرفع الوعي بين الناس لتبني المشاريع الصغيرة في كل المجالات.
الدولة إلى جانب المنظمات الداعمة التي تساهم بتقديم القروض والدعم والتدريب، ونشر قصص ناجحة عن المشاريع العائلية التي تسهم في دعم الاقتصاد وتقديم فرص عمل لعدد من العاطلين، وتحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع وشركات ناشئة.
العمل الخاص يصقل مواهب ومعارف الإنسان، ويتيح للمرأة بشكل خاص إبراز دورها في المجتمع.
كما تعمل هذه المشاريع على دعم المنتجات المحلية، والتوسع للبحث عن أسواق خارجية مستقبلا، هذه الأعمال تعتمد على قروض صغيرة لتبدأ، وتساعد الناس على الحصول على فرص عمل، وتعزز حصولهم على دخل وبذلك تدعم القوة الشرائية لعدد من الناس.
أصحاب المشاريع يستحقون الدعم لما يقدمونه من خدمة لأنفسهم ولغيرهم وللمجتمع، وعلى الدولة توفير بيئة مناسبة لنمو تلك المشاريع، وسن القوانين المشجعة والداعمة، وتسهيل الإجراءات الإدارية لتشجيع هذه المشروعات وضمان استمراريتها ونموها بعيدا عن التعقيدات الإدارية وثقافة الفيد.
كما تستطيع الدولة أن تخطو خطوة بتشجيع أصحاب الأموال للمساهمة في الاستثمار في مشاريع الدولة لتحسين الخدمات وتقديمها بمعايير أفضل.
المشاريع الصغيرة هي أحد الحلول العبقرية لنمو اقتصادي تحتاجه البلد في هذه الظروف، فالبطالة ستزيد من حدة الفوضى والأوضاع السيئة، فالشاب التائه دون أمل سيكون هدفا ممتازا للانخراط في مشاريع الحروب المشتعلة، فليكن الحل أن يجد الفرصة للانخراط في عمل يصقل خبرته وينمي قدراته ويدعم ثقته بنفسه وبمستقبل بلده.
https://nasejyemen.com/2019/07/29/%D8%A3%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D8%AD%D8%A7%D9%81-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/?fbclid=IwAR2Rl1Kne5GI6WdExaFoudFEd1-rpOoJZ8shBX-e0GFhrvBTbpOcQKnQJAU
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
هل لدينا مجتمع مدني حقيقي؟
ولكن في البداية نحتاج أن نعرف بالضبط ما معنى مجتمع مدني وما هي منظمات المجتمع المدني، وهل يوجد في بلدنا مجتمع مدني، ومنظمات مجتمع حقيقية؟
مصطلح مجتمع مدني ظهر لأول مرة في الغرب مرتبطاً بنظرية العقد الاجتماعي التي تتحدث عن عقد بين الحاكم والمحكومين، فلم يعد هناك حق إلهي للملوك بالحكم كما يشاؤون، وظهر مفهوم التعددية السياسية بديلاً للحكم الفردي المطلق، وإقرار الحقوق والحريات والمواطنة والتي كانت من قبل مقصورة على طبقة النبلاء والأثرياء، وجاء مبدأ سيادة الأمة المشتق من حق المواطنة وهو إعلان لتجاوز الانتماء التقليدي في صيغته الدينية والمذهبية باتجاه علاقات اجتماعية طوعية وتعاقدية ينتظم فيها الأفراد لتحقيق غايات ومصالح مشتركة.
ومن التعريفات المبسطة للمجتمع المدني ما قاله محمد عابد الجابري بأن المجتمع المدني هو “مجتمع المدن”، ومؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. أي أنها مؤسسات أو منظمات إرادية ينخرط فيها الناس بمحض إرادتهم، وهي تختلف عن مؤسسات المجتمع البدوي والقبلي التي هي مؤسسات طبيعية يولد الفرد منتميا إليها ولا يستطيع الانسحاب منها.
وبالتالي فالمجتمع المدني هو مجموع التنظيمات التطوعية الحرة التي تنشأ لتحقيق مصالح أفراد المجتمع أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة وتلتزم في عملها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف. وهذه المنظمات لا يقتصر عملها فقط على الجانب الخيري والإنساني بتقديم مساعدات للمحتاجين، بل إنها تضم مؤسسات تستطيع أن تلعب دورا إيجابيا وفاعلا في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي داخل المجتمع، وهي تشمل الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات، أي كل ما هو غير حكومي وكل ماهو غير وراثي أو عائلي.
المجتمع المدني يكون مستقلا عن الدولة وسلطتها حتى يحقق الطموحات والاحتياجات الحقيقية لافراد المجتمع. فالمجتمع المدني هو الوسيط بين المواطن والحكومة، بين الحاكم والمحكوم، والذي يضغط على الحكومة لصالح المواطن.
وهذا المجتمع المدني يستند على ثلاثة أركان:
أولها الإرادة الحرة، بمعنى أن الفرد هنا ينضم بمحض إرادته بهدف تحقيق مصلحة ما للمجتمع، أو الدفاع عن مصلحة أفراد المجتمع.
الركن الثاني وجود شروط وقواعد للعمل على الجميع الالتزام بها بعيداً عن العشوائية والمزاجية والفوضى، فالعمل هنا عمل مؤسسي منظم.
أما الركن الثالث، فهو الركن الأخلاقي والسلوكي، فالعمل يعتمد على قيم واضحة يلتزم بها الجميع: احترام العمل الجماعي، وقبول الاختلاف والتنوع، والالتزام عند إدارة الخلاف بقيم التسامح والتعاون والتنافس السلمي سواء كان الخلاف داخليا بين أعضاء المجتمع المدني أو خارجيا مع الدولة.
ومن حقنا أن نتساءل: هل المجتمع المدني له أهمية؟ أو بمعنى آخر ما هي فوائده للمجتمع؟
المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة وظيفته الأساسية أن يدافع عن حقوق الشعب واحتياجاته في مجال الصحة والتعليم والاقتصاد والسياسة، ويقوم بموازنة الديموقراطيات بين مختلف الأطياف الشعبية والحزبية، لأنه قادر على التأثير على القرارات الحكومية ومحاسبتها، فهو يملك سلطة شعبية من أفراد المجتمع، لهذا فهو يملك زمام السلطة والتأثير والمحاسبات القانونية للدولة.
كما أن المجتمع المدني يقدم الدعم المالي للمشاريع التنموية الفكرية للأفراد، ويتبنى هذه المشاريع في بناء العمل بشكل كامل من حيث الترويج له عالميا ومحليا.
فهل في بلادنا مانستطيع تسميته مجتمعا مدنيا؟
نستطيع القول بكل وضوح إن صورة ما يسمى بالمجتمع المدني في بلدنا، هي صورة هزيلة وسلبية في نظر الكثيرين، بسبب توجهات تلك المنظمات السياسية أو فساد القائمين عليها، ويبدو ذلك من هزالة البرامج والخدمات الحقيقية التي تقدمها للمجتمع. ولأن الدولة تمد سيطرتها تماما على كل شيء، فالكل يعمل لصالح الدولة، ينفذ ما تريد الدولة، لما يصب في مصلحة الدولة وليس العكس. فلا وجود لمن يحاسب أداء الدولة أو الاهتمام بالمصالح الحقيقية لأفراد المجتمع.
في الدول الحديثة المجتمع المدني يضغط على الدولة لتحقيق مصالح المواطن. في بلدنا نسمع الشعارات فقط والتي تظل شعارات. لهذا نجد المواطن لا يثق بكل تلك المكونات. وغالبا من يعمل في تلك المنظمات يلهث وراء مصلحته ومصلحة الحزب الذي ينتمي إليه.
وبالرغم من هذا هناك فسحة من الأمل أمام المواطن العادي، لمحاولة تحسين حياته رغم كل الصعوبات، والواقع السيء.
فبذور المجتمع المدني قد تبدأ بالظهور بسبب الحاجة إليه، وهذا ما يشعر به المواطن الذي يملك القدر الكافي من الوعي، ويعلم أنه لن يحصل على شيء وهو ينتظر الحكومة، وبدلا من لعن الظلام فعليه أن يبادر ويضيء لنفسه الدرب.
يستطيع المواطن أن يساهم في بناء مجتمع مدني مستقل لا ينتمي لأية تنظيمات سياسية ولا توجهات دينية ضيقة، ليعمل من أجل إيجاد منظمات مدنية يسعى أفرادها لتقديم الخدمات للمجتمع، دون التفكير في الربح المادي، أو إرضاء أية جهة.
أتحدث هنا عن بذور مجتمع مدني يتشكل على أرض الواقع، رجالا ونساء، شبابا من الجنسين يحملون قلوبا تمتلئ بحب الخير والإنسانية للجميع، دافعهم الأول هو تقديم شيء حقيقي للناس في هذه الظروف القاهرة والتي يعاني الكل من تبعاتها، قرروا ترك وضع المشاهد والمراقب، وضع الناقد الساخط والبدء بالتحرك العملي للمساهمة في تغيير هذا الواقع أو التخفيف منه على الأقل.
نسمع عن ذلك الذي يبحث عن مساعدات من المقتدرين ليوصلها للمحتاجين بنفسه، ونسمع عن تلك التي تدرب وتعلم فتيات مهنة أو حرفة ليكسبن لقمة العيش حتى يخرجن من دائرة الفقر والحاجة. وهناك من ينسق لتوفير المياة النظيفة في الحارات لمن لا يتحمل نفقات شراء المياة النظيفة. وهناك من يحاول جمع التبرعات لمريض عجزت أسرته عن تحمل نفقات العلاج في ظل الحصار وانقطاع المرتبات. وهناك من يفكر في توعية الناس والخروج في حملات نظافة للأحياء والحارات. نعم، هناك من يفكر بشكل إيجابي في ظل هذا الواقع المخيف.
تكاتف مثل هذه الجهود هي القاعدة الحقيقية لتكون مجتمعا مدنيا حقيقيا في اليمن. مجتمعا مدنيا يتكون من أفراد يتحملون المسؤولية تجاه الآخرين بكل حب ورضا. هذه البذرة ستخلق المجتمع المدني الذي سيغير مجتمعنا اليمني، فيتحول المواطن من حالة السلبية إلى الحالة الإيجابية، حيث يعلم ما معنى أنه مواطن له حقوق وعليه واجبات. مواطن لا ينتظر ما تقدمه له الدولة من خدمات لا ترقى لما يحلم به، بل يستطيع أن يفرض على الدولة تحسين خدماتها لترقى لمستواه الذي ارتقى إليه.
ذلك المواطن الذي قال يوما: “شبر مع الدولة ولا ذراع مع القبيلي”، عليه أن يتغير الآن، لأن الظروف تغيرت والزمان أيضا تغير. مواطن يعلم أنه جزء من المجتمع ولا يستطيع أن يعيش في عزلة بعيدا عن مشاكل ومآسي الآخرين. ويستطيع الآن أن يطبق ما يؤمن به على أرض الواقع، كل تلك القيم التي تحولت يوما لمجرد شعارات تردد دون أن يكون لها صدى في الواقع مثل: “ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط”. و”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى”.
نعم.. الإنسان هو الثروة الحقيقية في المجتمع، الإنسان الواعي المبادر الذي يمد يد المساعدة لمن يحتاجها، الذي يتطوع بجهده وفكره لتغيير حياته وحياة غيره للأفضل. وحتى لا تضيع الجهود دون أثر حقيقي سنرى منظمات للمجتمع المدني الحقيقي تتكون بعيدا عن سيطرة أصحاب المصالح. منظمات غير ربحية وغير حكومية، هدفها الأول تقديم الخدمات لمن يستحقها ولكن بشكل منظم، فتمتلك سجلات بأسماء المحتاجين في كل حارة، وتتنوع خدماتها لأن الاكتفاء بتقديم المعونات الغذائية ستنتج أفرادا اتكاليين لا يبالون من أين يأكلون، ولا يفكرون في الكسب والعمل. هذه المنظمات تدرب وتعلم وتكسب المحتاج القدرة والكيفية لإدارة عمل مناسب يدر دخلا ويساهم في خدمة أفراد آخرين.
مجتمع مدني أفراده يتجاوزون مرحلة الصدمة ليفرغوا طاقاتهم في بناء مجتمعاتهم بعيدا عن مشاعر الكراهية والحقد وكل العفن الذي ينتج بالضرورة زمن الحروب والصراعات وتأثيرها على نفوس الناس.
هذا المجتمع المدني سيتحول يوما لقوة على أرض الواقع تجعل فرصة المواطن اليمني أكبر في أن ينعم مستقبلا بدولة حقيقية، دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون الذي سيحميه ويفرضه الناس بوعيهم وتخلصهم من سيطرة من يعيشون على أكتافهم. من يقفون دوما ضد تكوين مجتمع مدني حقيقي في اليمن. أولئك الذين يتبجحون بالحديث عن مصالح المواطن وهم يعملون ضد مصلحته ولا يرى منهم سوى الغش والاحتيال.
مجتمع ينفض أفراده عنهم غبار الاتكالية ومشاعر الإحباط، ويشمروا سواعد الأمل والثقة بالله وبغد أفضل يتشاركون هم في تحديد ورسم ملامحه. لن يكونوا ضحايا طوال الوقت. بل هم الآن يشكلون إطارا شعبيا مدنيا يملك أفكارا وطموحات ومشاريع ويسعون لتحقيقها على أرض الواقع.
في تاريخ كل المجتمعات هناك نقطة بداية مضيئة تشع رغم كل الظلام المحيط، نقطة تبدد ظلام الواقع الذي ألقى بظلاله طويلا، وتبشر بمستقبل مختلف. والدولة الحديثة الديمقراطية التي نشهدها في الغرب وفي العالم المتحضر قامت على أكتاف المواطن والنخب الواعية التي تملك أفكارا وقيما حقيقية لتخليص المواطن من سيطرة وجشع الدولة بمؤسساتها المختلفة. فهل ستكون فظائع هذه الحرب هي البداية لتغيير حقيقي يمس أفكار الناس وثقافتهم، فتتغير الحياة للأفضل خاصة والأحداث المؤلمة كشفت الأقنعة عن حقيقة من يتكلمون باسم المواطن؟
فنحن بلد لا يموت، نحن بلد ذلك الطائر الذي يمتاز بالقوة والجمال، طائر “العنقاء” الذي تذكر الأسطورة أنه عندما يحتاج للتغيير يحترق وبعد أن يصبح رمادا يخرج من بين الرماد طائر “عنقاء” جديد أكثر جمالا وبهاء، ويعيد دورة الحياة.
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
هل نتعلم الدرس
نعم إنها تلك الدولة الأفريقية التي انزلقت لحرب أهلية مرعبة قتل فيها ما يقارب مليون شخص بريء خلال 100 يوم. أفراد من قبيلة الهوتو ذبحوا وسحلوا أفرادا من قبيلة التوتسي رجالا ونساء وأطفالا. دُمرت البلد نتيجة لتلك الأحداث الرهيبة. اليوم في عام 2019 تشهد رواندا انتعاشا اقتصاديا يثير إعجاب الجميع. ما الذي حدث؟ لماذا حدثت المجازر؟ وكيف تجاوز الروانديون ماضيهم المخيف؟
ذهبت لزيارة النصب التذكاري للإبادة الجماعية التي حدثت برواندا عام 1994م في العاصمة كيغالي، بحسب اقتراح موظف الفندق، أخبرني أنه من أهم المعالم السياحية في البلاد. حقيقة تعجبت، كيف يكون متحف يحمل ذكريات مذبحة مكانا يتم الترويج له سياحيا؟!
هناك عرفت السبب!
يعرض المتحف الحكاية من البداية، فيعود بنا قليلا إلى الماضي البعيد لنرى تلك الأيادي الخارجية التي تزرع الفتن بين أبناء البلد الواحد المكون من قبيلتين الهوتو والتوتسي، بينهم روابط مشركة فهم يتحدثون لغة واحدة، وينتمون لدين واحد. تعرضت رواندا للاستعمار الألماني ومن بعده الاستعمار البلجيكي، وكلا الاستعمارين لجأ لسلاح التصنيف، فتم تصنيف سكان رواند بحسب القبيلة الهوتو وهم الأكثرية، وقبيلة التوتسي وهي قبيلة الأقلية من السكان. تم تعميق الفجوة بين أبناء القبيلتين بوضع بند القبيلة في بطاقة الهوية في العلم 1931، المستعمر البلجيكي أعطى امتيازات لأبناء قبيلة التوتسي لقمع واضطهاد أبناء قبيلة الهوتو، عندما تذمر أبناء قبيلة الهوتو من سوء أوضاعهم دعمهم البلجيكيون وحرضوهم ضد التوتسي ونشروا بينهم أن التوتسي أغراب ولا ينتمون لرواندا، فقامت في الخمسينات أول ثورة ضد التوتسي وخربت ممتلكاتهم وهجروا من ديارهم، وتصاعدت مشاعر الكراهية والحقد بين أبناء البلد الواحد. حدثت عدة صدامات ومجازر متتالية كان أبشعها ما حدث في عام 1994 من حرب إبادة جماعية لم يسبق لها مثيل باستخدام المناجل قام بها متطرفون من الهوتو ضد أبناء التوتسي ودعمتهم حكومة عنصرية وإعلام رسمي محرض.
عندما وقفت أمام الصور أستمع لأسباب حدوث حرب الإبادة ذهب ذهني إلى هناك، إلى اليمن، قفزت لذهني التحريضات العنصرية وصعود التصنيف الطائفي والعرقي، وتلك اللغة التي تتنفس الكراهية والبغضاء، والأصوات التي تنعق بالخراب والقتل والإبادة ضد طوائف معينة في المجتمع، وأصوات تنادي بطرد فئات أخرى من المجتمع بدعوى أنهم ليسوا من أهل البلاد. تبا، هل هي نفس التربة التي تنبت فتنتج الخراب والدمار والهلاك؟
لنكمل الحكاية من رواندا، ففي يوم السادس من أبريل 1994 سقطت طائرة الرئيس الرواندي وهو من قبيلة الهوتو وبعد ساعة واحدة تبدأ عمليات القتل والذبح للجيران ولكل من يصادفونه من قبيلة التوتسي حدث ذلك والإذاعة الرسمية في البلاد تبث سموم الكراهية وتشجع المتطرفين للقيام بقتل كل من ينتمي لقبيلة التوتسي، والمذيع يصرخ عاليا: اسحقوا الصراصير، أبيدوهم. مائة يوم من الحزن والدموع والرعب والعالم يتناقل الصور على شاشات التلفاز ولا يفعل شيئا.
حرب الإبادة حطمت البنية التحتية للبلد من مستشفيات وكهرباء ومدارس. نجحت قوات الجبهة الوطنية الرواندية في السيطرة على البلاد، وتوقفت عمليات الإبادة، وهرب كثير ممن شارك في الجرائم لخارج البلاد. الرئيس الذي استلم حكم البلاد من 1994 وحتى 2002 حاول تطبيق القانون الجنائي على مرتكبي جرائم الإبادة فدخلت البلاد في فوضى عارمة وامتلأت السجون وفشلت المحاكم في النظر في كل القضايا المعروضة عليها.
وهذا ما يحدث عادة بعد سقوط نظام معين تتم ملاحقة أنصاره ومؤيديه وكل من ارتكب الجرائم في عصره، فتسود الفوضى وتكون الصورة قاتمة.
لكن الرئيس الحالي استلم الحكم وغير سياسة البلاد تماما، قال: “لم نأت من أجل الثار، لدينا وطن نبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى”.
نعم الثأر، والانتقام، والنفي ومصادرة الممتلكات هي سياسات لا تبني بلدا، بل تعيق البناء وتدخل البلد في فوضى الكراهية والانتقام.
لنتذكر ماحدث في بلادنا على سبيل المثال بعد ثورة 1962 من ملاحقات ومصادرات وأحكام إعدام إلى أين أوصلتنا، وهو نفس التصرف في أغلب البلاد العربية بعد الانقلاب أو التخلص من النظام الحاكم السابق، لاتزال البلاد تعاني من الأحقاد المتوارثة، وها نحن نسمع أن هناك من يريد أن يعيد الحياة لحكم قامت عليه ثورة. لماذا؟
لنعد لتجربة رواندا ونرى كيف تعامل الرئيس الرواندي مع تلك المعضلة؟
اعتمدت الحكومة الرواندية سياسة “الوحدة والمصالحة” المستندة إلى نظام تقليدي يعرف باسم “غاكاكا”. فكرة الغاكاكا تقوم على الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه بخدمة المجتمع، بعيدا عن فكرة إنزال العقاب على الجاني، وهذا ما تم تطبيقه على آلاف المتورطين والمتهمين بتنفيذ جرائم الإبادة الجماعية، وهم ممن تأثروا واستجابوا للشحن العرقي، وارتكبوا جرائم قتل ضد جيرانهم وأبناء قراهم، أسس رئس البلاد هيئة “الوحدة والمصالحة” التي حملت على عاتقها حل تلك المشكلة عبر تشكيل 1200 محكمة محلية في القرى والتي عرفت باسم غاكاكا، كل محكمة مكونة من تسعة قضاة يختارهم سكان القرية. وكل متورط يعترف بجريمته ويبدي ندمه ويطلب من أهالي الضحية العفو في وجود أفراد المحكمة وبقية أهالي القرية، عندما يحصل على المسامحة يحكم عليه بالعمل لخدمة الضحية لعدد من السنوات. كان ذلك العمل يهدف لتحقيق التسامح بين الناس حتى يستأنفوا العيش المشترك. لكن الشخصيات السياسية والقادة الذين أعطوا الأوامر بعمليات الإبادة تمت محاسبتهم ومحاكمتهم تحت إشراف الأمم المتحدة.
نعم مشكلتنا أننا لا نناقش مشاكلنا، نحن لا نعترف بوجودها، لهذا لازالت مشكلة الفتنة الكبرى التي حصلت في تاريخ المسلمين تؤثر على حياة الناس جيل بعد جيل، لأننا اتبعنا سياسة لعن الله من أيقظها، فظلت الفتنة نائمة ساكنة في القلوب وفي الوجدان، تطل برأسها كلما سنحت الفرصة.
تجربة رواندا غنية وثرية وبها العديد من الدروس، تحولت من دولة فقيرة مدمرة بعد أسوأ حرب إبادة في القرن العشرين إلى دولة حققت خطوات كبيرة في دفع عجلة النمو الاقتصادي والتنمية. وتحولت خلال 20 سنة إلى واحدة من أهم الاقتصادات الناهضة بالعالم بمعدل نمو 7.5% من عام 2015 إلى 2017.
آمنت رواندا بأن التعليم هو السلاح الذي ستواجه به التطرف والعنصرية فطورت منظومة التعليم. تعليم يغرس حب رواندا فقط دون التفاخر بالقبيلة، وجعلت التلفظ بأي كلمة عنصرية يعاقب عليها القانون.
مما قد نستغرب منه أن نعرف ترتيب رواندا في تقرير جودة التعليم للعالم لسنة 2014 الصادر عن اليونسكو والذي وضع رواندا من أفضل 3 دول في تجربة النهوض بالتعليم.
تخيلوا بلدا خرج من حرب مدمرة وهو الآن من أفضل الدول في التعليم رغم فقره، كيف حدث هذا، خاصة عندما نعرف ان 75% من المعلمين إما قُتلوا أو سُجنوا أو فروا خارج البلاد.
ماذا فعلت الحكومة الرواندية للتغلب على هذه الكارثة؟
أول حكومة رواندية بعد الحرب الأهلية وضعت برنامجاً لإعادة المواطنين الذين فروا من البلاد، وبدأت برنامج لإعادة تأهيلهم للعودة للحياة الطبيعية، والمعلمين كانت لهم الاولوية في التأهيل.
لتتجاوز رواندا ماحدث اهتمت بالتعليم وبالمعلم تحديدا، فأقيمت العديد من ورش العمل والدورات التدريبية التي تًنتج معلمين قادرين على تقديم تعليم، ولكن أي نوع من التعليم؟
تعليم يواكب العصر، تعليم يُلبي احتياجات سوق العمل، تعليم ينهض بالبلاد اقتصاديا.
كان منهج التاريخ سابقا مزيفا وعنصريا ليرسخ الولاء والانتماء للقبيلة ويعزز العداء والحقد، تم التخلص من مادة التاريخ ومنع تدريسها، وهناك من ينتقد الدولة لهذا السبب ويعتبر هذا خطأ، فعلى الدولة إعادة تدريس التاريخ لكن بعد تنقيته من التشويهات.
لم تكتف الدولة بتأهيل المعلمين فقط، بل فعلت أكثر من هذا!
لقد عقدت حكومة رواندا شراكة مع “Microsoft”، لمحو الأمية الرقمية في البلاد، وتبنت الحكومة لنظام “ICT 4E” وهي اختصار لـ”تكنولوجيا المعلومات والاتصال من أجل التعليم”، وهو نظام يستبدل وسائل التعليم والكتب التقليدية بمنصات إلكترونية عبر”اللابتوب” أو “آي باد” أو مشغل “Mp3” يُتابع من خلالها الدارسون دروسهم بكل سهولة ويسر.
قد يبرز سؤال منطقي، بلد فقير كيف سينفق على نفقات تعليم يعتمد على منصات الكترونية؟ والجواب بسيط، الحكومة أعفت الشركات التجارية الخاصة من الضرائب إذا ساهمت في دعم التعليم.
“نتذكر لنتعلم”، شعار مكتوب على ستة نصب تذكارية تذكّر الروانديين بالثمن الذي دفعوه لقاء القبلية والتعصب. أغلب تلك النصب، هي كنائس أو مدارس ولا تزال تحتوي على عظام وجماجم من قتلوا، معروضة للزوار. هكذا تبقى آثار المذابح لتذكرهم بقيمة التعايش المشترك. والثمن المخيف للاستجابة لمشاعر التعصب.
يوم 7 أبريل من كل عام توقد شعلة عند النصب التذكاري الرئيسي للمذبحة في العاصمة كيغالي ولمدة 100 يوم، تكريما للضحايا وجبرا لخواطر الأحياء منهم، وحتى يتذكر كل رواندي ماذا حدث وحجم الكارثة. ربما منعا لأي عملية لتشويه الماضي، أو أي محاولات لإخفاء الحقائق على الأجيال القادمة. في المتحف هناك تسجيلات فيديو لشهادات الناجين توثق ماحدث.
هل ننتظر مذابح إبادة حتى نتعلم الدرس، أم نستطيع تجاوز ذلك، ونعلم أن الوطن ملك الجميع، وأن اختلافنا هو تنوع وإثراء، وأمامنا مهمة شاقة للخروج بالبلد من مستنقع الكراهية ليتحول بأيدي أبنائه لوطن عصري يعيش الكل فيه سواء أمام قانون لا يستثني أحد.
https://nasejyemen.com/2019/03/29/%D8%A3%D8%AD%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AC%D8%AD%D8%A7%D9%81-%D8%AA%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3/
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.
مراجعة كتاب قيمة التاريخ لجوزف هورس
ويذكرالمؤلف:
" أن الشعوب المتوحشة هم اولئك الشعوب الذين يبقون فقراء بالذكريات"...أي لا تاريخ مكتوب لهم.
فكل حضارة تقترن بتاريخ لها.
ويذكر المؤلف كيف تطور علم التاريخ في الغرب، وسيطرة التوراة وقصصها على ذلك التاريخ ،كما يذكر تأثير المسيحية على تاريخ الغرب.
فالتاريخ في البداية كان تخليد للبطولات.
والمؤرخ اليوناني أهمل مجمل التاريخ البشري، واهتم فقط بتاريخ وأساطير الالهة المتنوعة.
لكن الرومان اعتنوا بالتاريخ واسسوا في رومه مخازن للوثائق.
وفي عهد الرومان ايضا، أصبحت كتابة التاريخ وظيفة من وظائف الدولة.
المسيحية أضافت لتاريخ اليونان والرومان قصص وتاريخ وحوادث جديدة.
أما في عصر النهضة فبدأت العقلانية تغزو التاريخ.
وبدأ التاريخ يتحول إلى علم في عصر النهضة .
وبدأت عملية مراجعة ماكتب في التاريخ، كانت الكتابات الأولى للتاريخ تميل لأن تكن اعمال ادبية بعيدة عن الواقع والحقائق.
من القرن الثامن عشر بدأ قياس كل شيء ووضع اسس للتاريخ.
الثورة الفرنسية أوقفت هذا النشاط فانتقل النشاط التاريخي لألمانيا .
وبدأ التاريخ يكتسب الصفة القومية منذ ذلك الوقت.
في عام 1821 تأسس في فرنسا مدرسة النظم التأسيسية التي ترج عدد من الباحثين كل عام، وبدأ رجل التاريخ يعمل موظف في الدولة براتب شهري .
وأصبح التاريخ سياسي.
وينتقل المؤلف لسرد تعاريف متنوعة للتاريخ لينتهي بحقيقة أن المؤرخ عادة يميل لتغليب ذهنيته على مجرى الأشياء .
ويوضح أن هناك تباعد بين التاريخ والعلوم، فالتاريخ لا يمكن أن يكون إلا سردا.
وهو أبعد مايكون عن أن يحل محل الفلسفة .
فلابد للمؤرخ من تنشئة فلسفية قوية لأن الفلسفة هي التي تنسق التاريخ وتبنيه وتعطيه اللحمة التي يحتاجها.
ويقول أحد المفكرين الألمان:
" أن التاريخ هو مجموع الممكنات التي تحققت"
ويختم المؤلف الكتاب بقوله:
" أن الضوء الذي ينير طريق المؤرخ في أقصى ما يتناول من أبعاد الماضي هو ضوء الاهتمام بالمستقبل"
الكتاب مكون من 7 فصول، جاء في 125 صفحة وهو من منشورات عويدات للعام 1974م.
وجاء في غلافه الخارجي أنه مطالعة يوم، وهو فعلا كتاب خفيف يمكن الانتهاء منه في يوم واحد.
المؤسف أن الكتاب فيه الكثير من الأخطاء الإملائية ، وكأن الكتاب لم تتم مراجعته بعد ترجمته.
أحلم بعالم يسوده السلام والحب والقبول بالتنوع الجميل الذي يمثله البشر من كل الجنسيات والأعراق.










