جزء من الصورة

 

سأحاول هنا أن ألخص أفكاري بلغة بسيطة، بعيدة عن التعقيد والتنظير الذي لا يؤدي في الغالب لشيء ملموس. نحن نراقب ما يحدث من نقاشات وحوارات ومحاولات لفهم ما يحدث في اليمن، ولكن يبدو واضحا أن لا أحد عنده الجرأة للكلام عن المشاكل الحقيقية لليمن، عادة يتم التطرق للظواهر والنتائج، ويمكن أن نشير على استحياء للمشكلة، لأننا نخشى لو أشرنا لوجود مشكلات في النظام الجمهوري منذ لحظة تشكله، بأن يفسر ذلك على أننا ضد النظام الجمهوري وبالتالي نؤيد العودة للنظام الملكي. وهذا طبعا نوع من الإرهاب الفكري الذي يرفض إي نقاش حول جذور أي مشكلة ويقفز لإطلاق التهم الجاهزة، ويكمم الأفواه ويعرقل أي حلول أو محاولات جادة لتصحيح الأوضاع في اليمن.

لكن علينا بعد مرور 62 عام من قيام النظام الجمهوري، أن نبحث عن أسباب الاختلالات التي حدثت من أول يوم فعرقلت تحقيق أهداف من قاموا بالثورة! فما نحن فيه اليوم يؤكد بما لا يدع مجالا للشك غياب رؤية واضحة وموحدة للجميع منذ قيام الثورة.

 ما بأيدينا الآن، بالنسبة لي كقارئة عندما اقرأ ما كتب عن الثورة من مذكرات وكتب متنوعة عن الفترة من بعد استقلال اليمن عن النظام العثماني وخروج الأتراك من اليمن وما حدث حتى يومنا هذا، سنلاحظ بوضوح أن أهداف الثورة لم تتحقق حتى اليوم، وأننا لا نزال نعيش في شبه عزلة عن العالم.

وسيبرز سؤال واضح: لماذا؟

      الكتابات التي كتبت عن الثورة لم تكن عميقة، وتبدو كأنها خطاب موحد، تملك لغة لابد أن تسود جميع الكتابات، جميعها تكرر تلك العبارات: الحكم الكهنوتي البائد السلالي الوراثي الرجعي، في غياب كامل لتحليل ورؤية الكاتب ووجهة نظره المستقلة والحرة للأحداث وكيف سيتم إخراج اليمن من الظلام والرجعية والتخلف، وكيف سينطلق اليمن للعصر الحديث بكل ما يتطلبه ذلك، وما هي الوسائل والطرق لتحقيق ذلك. بدلا من استجرار النقد والسخرية وإلصاق كل عيب بالماضي في غياب الحديث الجاد والمسؤول عن واقع اليوم وخطط واضحة لدخول المستقبل. وتقع أغلب الكتابات في فخ تفخيم دور الكاتب وبطولاته، وتركز جميعها على من فعل، على الأشخاص، ليخرج القارئ بانطباع من هو البطل الذي فعل، ومن هو الأكثر بطولة. ويشكو بعض من كتبوا ذكرياتهم من حجم الضغوط التي مورست عليهم حتى لا يذكروا حقائق، بل يرددوا كلام وأحداث محددة سلفا. الأستاذ أحمد المروني مثلا كان بصدد تأليف كتاب يحمل عنوان "في سبيل الدستور"، لكن الكتاب خرج بعنوان" الخروج من النفق المظلم"، بعد ضغوط مورست عليه حتى لا يذكر شيء مما كان يخطط له.

وفي الجزء الأول من مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم، يذكر أن الطبعة الأولى من الكتاب تعرضت لنقد كبير، والنسخة الموجودة بالسوق هي نسخة بعد التعديل، لهذا لا يجد القارئ فيها شيء عدا بعض التلميحات والإشارات التي لا يفهم القارئ منها شيء. أحد ضباط الثورة تعرض لنوبة قلبية بعد حضوره لثلاثة أيام مع لجنة من تنظيم الضباط الأحرار لإعداد وثائق عن الثورة اليمنية في مركز الدراسات والبحوث، وقال إنه لم يستطع تحمل الوضع البعيد عن المصداقية والضغوط التي تمارس على الجميع لقول أشياء محددة سلفا بعيدا عن واقع الأحداث الحقيقية، وأضاف إنهم يزورون تاريخ الثورة وتاريخ اليمن، وقرر الاعتذار عن المشاركة.

من الواضح عند قيام الثورة أن الثوار الأصغر سنا لم يكن لهم رؤية مشتركة مع الثوار الأكبر سنا أو المخضرمين، بدليل أن هناك من كان يشير لدولة يمنية إسلامية، فهو يرفض الإمام لكنه يريدها دولة دينية، نظام إسلامي سني ربما، وهناك من يريدها جمهورية لكن بنظام محافظ للعادات والتقاليد لإرضاء دول الجوار وعدم إثارة حفيظتهم.، وهناك من تأثر بالنظام المصري والقومية العربية أو النظام الاشتراكي.

ويبدو أن ما حدث في الواقع بعد صراعات ظاهرة ومخفية، تلخص في استبدال عائلة حميد الدين بعوائل أخرى تتنافس على الحكم، دون تغيير كبير في الأدوات والثقافة وتم الاكتفاء بالنذر اليسير من التغيير.

لهذا لم ندخل عصر العلم والمعرفة والصناعة بما يتناسب مع طموحات الشعب اليمني للعيش بكرامة في بلد يستوعب ويتعلم لغة العصر ويمتلك أدواته ، عن طريق البدء بالخطوات الصحيحة نحو بناء دولة القانون والمؤسسات، واستمر الاستبداد السياسي بما يتناقض مع أول هدف للثورة الأم:

 " التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتها، وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"

فالحكم الجمهوري العادل هو الذي يضمن مستوى معيشة كريمة للشعب، لكن عندما تصدمنا التقارير والإحصاءات بأن اليمن يعتبر أفقر دولة عربية، ونسبة الفقر في اليمن تتزايد فهذا يدعونا للتساؤل حول حقيقة العدالة والامتيازات لفئات معينة، ( نسبة الفقر في اليمن 82.7% حسب مسح التنمية البشرية في اليمن الذي أجراه البنك الدولي)، ونسبة الأمية لاتزال 70% في إشارة لعدم كفاءة مشاريع التعليم كما جاء في وثيقة استراتيجية اليمن للحد من الفقر عام 2002 والتي نصت على أن: 

" التعليم الأساسي ما زال من المتعذر توفيره لكل الأطفال في سن الالتحاق بالمدرسة"، وتشير الوثيقة إلى المشكلات التعليمية الرئيسية في اليمن التي سببها ضعف النظام التعليمي وعدم كفاية التمويل العام والافتقار إلى القدرات المؤسسية اللازمة لتقديم خدمات التعليم الأساسي بكفاءة ، وبعد المسافة إلى المدرسة في المناطق الريفية والافتقار إلى وسيلة النقل للتلاميذ الصغار ومدارس النوع الواحد في المناطق الريفية، وانخفاض تدريب المدرسين ومؤهلاتهم، هذا جزء من مشاكل التعليم في الوقت الذي أصبح توفير مدرسة وسبورة لا يعد كاف في عصر السبورة الذكية ودخول الإنترنت والحاسوب للمدرسة الحديثة. 

بل أن وسائل القمع أصبحت أكثر قسوة ووحشية بعد دخول نظام التعذيب في السجون والمعتقلات. هذه النقاط، التي تمس حياة وواقع المواطن العادي، التي علينا أن نركز عليها، ونفهم أسبابها، حتى لا نظل دوما عالقين في الديباجات والتنظير لأطراف الصراع السياسي الأمر الذي لا يغير ولا يحسن واقع الناس ومستوى معيشتهم وثقافتهم وفهمهم للعصر الذي يعيشون فيه.

معالجات اليوم ينبغي أن تكون مختلفة عن تلك التي كتبت سابقا تحت سيطرة الرقيب، والتي يبدو على أنها متأثرة بسلطة النظام الحاكم ورؤيته وتفسيراته خاصة الكتابات الصادرة من مركز الدراسات والبحوث التي تمتلك جميعها الديباجة والمفردات والآراء ذاتها، لا نقرأ فيها أي تحليل حقيقي للأوضاع ومعرفة ما هي الأخطاء التي حدثت بعد الثورة وحتى اليوم، ووضع اليد على مكمن الخلل، لأنه من الصعب أن نجد كتاب واحد يتطرق لفساد النظام الحاكم، لكننا نجد الكتابات والإعلام كذلك كلها تدور حول نفسها وتكتفي بتوجيه النقد والسخرية للماضي وكأن الحاضر لا إشكالات فيه، ومحاولة إقناعنا أننا تخلصنا من واقع رهيب رغم أن واقعنا مقارنة بالعالم لا يزال رهيب.  كانت الثورة ضد نظام عزل اليمن عن العالم، ولكن إلى أي درجة نحن الآن جزء من العالم بما فيه من تقدم وعمران؟

 اليوم وفي ظل الفوضى التي نعيشها ينبغي على المفكر الحر أن يفكر بحلول للوضع اليمني وهو يرى الصورة كاملة لكل اليمن بما فيها من تناقضات، وهو مدرك أن ما وصلنا إليه هو نتائج لأخطاء الحكومات السابقة التي كانت تتهرب من مواجهة المشاكل الحقيقية وتغطي على ذلك بالخطب والشعارات حتى تفاقم الوضع وانفجر أخيرا. والحكمة تقتضي ألا نستمر في الهروب وأن الوقت حان لنقف ونتعرف على مشاكلنا الحقيقية دون زيف ولا تزوير. 

علينا أن نتجاوز موضوع زيدي شافعي، سني شيعي، شمالي جنوبي، هاشمي قحطاني، أصحاب مطلع وأصحاب منزل، وانبعاث هذه المفردات اليوم دليل واضح على فشل منظومة التعليم. لأن التعليم لم يساير التطورات السريعة في عالم المناهج المدرسية وطرق التدريس التي ظلت معتمدة على أساليب التلقين التي لا تشجع على التفكير الحر وتنمية الإبداع خاصة بعد إلغاء كل الأنشطة المدرسية والاستخفاف بأهميتها مثل: الموسيقى والمسرح والرسم وحصص المكتبة والرحلات المدرسية وغيرها والتي تلعب دور كبير باكتشاف مواهب الطلاب وتجعل البيئة التعليمية جذابة غير منفرة، كما أهملت المعاهد الفنية وتقلصت أعدادها.

كما أن الوضع الاقتصادي للمواطن يلعب دور كبير في استعداد الناس لتلقف أي اتهامات توجه لذلك الفصيل أو غيره بأنها سبب مشكلات البلاد، عكس ما يحدث في بلد يعيش فيه الناس في وضع يضمن لهم العمل والعيش بكرامة تحت ظل حكومة تشجع الاستثمار وتحمي المستثمر دعما للاقتصاد ومصلحة البلاد.

ونعرف أن كل هذه القضايا التي تنسف الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع اليمني ستزول تدريجيا عندما تسود الدولة الحقيقية، دولة العدالة للجميع بعيد عن تلك الحسابات السياسية التي دمرت ولاتزال تدمر وتمزق النسيج الوطني لصالح جماعات ترى مصلحتها فوق مصلحة المواطن العادي والبسيط. 

الآن، الحلول يجب أن تنطلق من رؤيتنا العصرية لدولة المواطنة التي لا تفرق بين أحد من المواطنين بسبب الجنس أو العرق أو المذهب، دولة المواطنة تضم الجميع ولا علاقة لها بكل ذلك فوظيفة الدولة حماية مصالح وحقوق كل الناس، وتوفر بيئة آمنة للاستثمار ولعيش الجميع، وعلى وسائل الإعلام ألا تتبنى أي صراع مذهبي أو سياسي ولا تتدخل بمعتقدات الناس واختياراتهم. وعلينا تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه الدولة سابقا، عندما سلطت جزء من الخطاب الديني ضد خطاب ديني آخر، وبدلا من ذلك على الدولة أن تعترف بالتنوع المذهبي في البلاد ويجب احترام هذا التنوع، وبالتالي ينعكس هذا التنوع على المناهج الدراسية خاصة منهج التربية الإسلامية.

 يجب أن نكون أكثر وعيا وحكمة من الحكومات السابقة وتعديل ذلك الخلل ولا نسمح لأي مجموعة بإن تعتدي على أي مجموعة أخرى داخل المجتمع، لتفرض رؤيتها على الجميع. نعرف جيدا أن هذه أمور ليست سهلة لكنها تحفر وتعمق الشرخ في كيان المجتمع اليمني، ويسهل على من له مصلحة في دمار البلد أن يدخل من هذه الثقوب لتأجيج جماعة، تظن أن هناك نوع من الظلم يقع عليها، على جماعات أخرى. 

على المفكر الحقيقي أن يضع يده على المكان الصحيح للألم، أن يضع يده على جذور المشكلة وليس على النتائج لأننا نلاحظ أغلب المناقشات والحوارت تناقش النتائج والأعراض وتتجنب الجذور الحقيقية للمشكلة.

لسنا ضد القبيلة، ولكن على القبيلة أن تلتزم بالقانون، وشيخ القبيلة عليه أن يكون هو أول من ينفذ ويلتزم بالقانون، القانون الذي هو في صالح الجميع، ولا يكون أبناء المشايخ فوق القانون، وإلا فإن الثورة لم تفعل سوى استبدال حاكم ظالم بطبقة أخرى تمارس الظلم والفوقية على بقية الناس.

علينا أن نناقش كل الاختلالات مثل أن يتم التعامل مع شخص بحسب لقبه، من يفعل هذا هو المثقف أو المفكر المؤدلج، وهو مثقف أو مفكر غير حقيقي لأن عليه بالأساس أن يتبنى مشاكل وهموم المجتمع كافة ولا يقع فيما يدعي أنه يحاربه من عنصرية وطائفية. والمثقف الحقيقي يعمل لصالح كل مواطن وهو على مسافة واحدة من الجميع، أما اختزال مشاكلنا في التخلص من فئة أو مذهب أو عرق فهذا دليل على أننا لانزال في المربع الأول حيث يتجاوزنا الزمن والعصر ونحن نقبع هناك نحمل أفكار عفي عليها الزمن.

علينا أن نتعلم مما حدث في رواندا ونعرف كيف ساهم الاحتلال البلجيكي والألماني في غرس معلومات مضللة حول العرقيات في البلاد التي تتكون من: الهوتو والتوتسي والتوا، وفرضوا بطاقات هوية يذكر فيها العرق، وبثوا أن التوتسي عرقية دخيلة على البلاد، فرغم التحرر من الاحتلال لكن الحكومات التالية كانت حكومات تتبنى أفكار عنصرية ضد جزء من مكونات المجتمع الرواندي الذي يتكون من غالبية هي الهوتو ضد أقلية هي التوتسي. وظل الإعلام الرسمي يبث تلك الأفكار التي دسها المستعمر بأن البلد لن تستقر إلا بالتخلص من التوتسي. وعام 1994 قامت حرب الإبادة ضد التوتسي والتي استمرت 100 يوم من المجازر البشعة على مرأى ومسمع العالم. وعندما توقفت تلك المجازر وهروب مجرمي المجازر تمت ملاحقتهم، وعادت البلاد كما كانت من العرقيات الثلاث، ولكن بجروح عميقة يصعب أن تندمل، وهناك متحف في العاصمة كيغالي أنصح كل يمني أن يذهب لزيارته ليرى جماجم الضحايا التي تقترب من المليون، مع صور مجرمي الإبادة والضحايا. تعلمت رواندا إلغاء تحديد العرقية من البطاقة، وحرمت أي خطاب رسمي أو حتى بين الناس للإشارة لعرق أي مواطن لأن الجميع الآن سواء تحت مظلة القانون. فهل بيننا من يؤيد أن تذهب البلاد باتجاه حرب إبادة ومجازر تزيد من هوة المسافة بيننا وبين العالم المتحضر؟!

     في بلادنا نعلم أن الاستعمار البريطاني حاول تعميق الخلاف المذهبي - الزيدي الشافعي - من أجل تجسيد مبدأ "فرق تسد" كما جاء في كتاب تاريخ اليمن المعاصر للباحث عبد الوهاب العقاب والذي يذكر فيه كيف ألقت الطائرات البريطانية منشورا يوم 17 مارس من عام 1927، جاء فيه:

 "إلى أهل المذهب الشافعي في اليمن وفي المحميات البريطانية"

 وتحدث المنشور عن الدور الذي يقوم به الإمام الزيدي من انتهاك حرمة المحميات البريطانية، وأشار إلى أن المناطق الشافعية لن تصاب بالقصف الجوي إلا إذا قام الأهالي بدعم ومساندة الزيود إلخ. فركزت بشكل سلبي على التنوع الجميل في المجتمع اليمني، ولم يكن يذكر الإمام إلا بصفة الإمام الزيدي بدل من إمام اليمن أو حاكم اليمن، وهو دور مشابه لما فعلته بريطانيا في الهند والتي تجزأت وانقسمت بعد خروج قوات المحتل البريطاني بعد سنوات من إثارة عوامل التفكك بين أبناء البلد الواحد.

ليس من السهل على أغلب الناس تقبل التغيير، لأن التغيير يحتاج وقت. البعض يتقبل التغيير بسهولة والبعض ينتظر حتى يقتنع الجميع بالتغيير فيتغير ويحس بالأمان، وهؤلاء أكثرية.  

هل يكفي أن ترفع صورة العلم وتردد النشيد وتحتفل بمناسبة ذكرى الثورة لتثبت أنك جمهوريا؟

 أن تكون جمهوريا تعني أن تتقبل التغيير، لأن الثورة في حقيقتها هي تغيير. لكن ما حدث في واقعنا، هو تغيير فقط لرأس النظام وظل النظام والثقافة كما كانت، التغيير المنشود لم يحدث بعد، حدث تغيير طفيف، من يستنكر هذا عليه أن يقارن نظام الإدارة وأسلوب التعليم، وللفهم أكثر وتوضيح النقطة التي أريدها هنا: 

لو بحثنا ترتيب اليمن في جداول وإحصاءات الأمم المتحدة لنرى ترتيب اليمن مقارنة بالبلاد العربية سنلاحظ اليمن دوما تأتي في المرتب الأخير أو قبل الأخير. تصنيف وموقع اليمن في التعليم والصحة والفساد ومستوى معيشة الفرد أو أي مجال آخر، نعم كانت اليمن منعزلة عن العالم وتعاني من الفقر والجهل والتخلف في الماضي، لكن لاتزال هذه الصفات ملتصقة باليمن. والتغيرات التي حدثت متواضعة ولا ترتقي لما يطمح إليه المواطن الذي يحق له أن يعيش بكرامة في بلد منفتح على العالم، بلد يمتلك المزارع فيه أدوات الزراعة الحديثة التي تعينه وتحسن من عمله بعد أن تخرج من معهد زراعي وفر له كل ما يخص العلم الحديث في مجال الزراعة ولم يعد معتمدا على الطرق البدائية في الزراعة. 

بلد يشجع السياحة التي توفر للبلد مصدر دخل كبير وتوظف أعداد كبيرة من السكان، بلد يشجع الاستثمار في كل المجالات لتوفير فرص عمل للقضاء على البطالة في بلد أغلب سكانه في سن العمل. 

بلد يشجع القطاع الخاص على الاستثمار في مجال التصنيع بدل من أن تقوم الحكومة بإغلاق مصنع كان يوفر حياة كريمة لعدد غير قليل من العمال والعاملات كما حدث مع مصنع الغزل والنسيج بصنعاء، مع أن المتوقع هو فتح مصانع أخرى في عدد من المحافظات.

وعندما نقارن حجم التغييرات في البلد المنطقي أن نجري المقارنة مع الآخرين، لأن المقارنة مع الأمس هي مقارنة تعطي انطباع خاطئ لأنها تهمل حركة الزمن والمقارنة الحقيقة هي مع بقية العالم. أين وضع اليمن قديما مقارنة مع الآخرين ووضع اليمن الآن مع الآخرين كم تحسن؟

كيف وضع اليمن مقارنة مع العالم العربي وضع سيء! 

 السؤال: لماذا؟ ما هي الأسباب؟

إنه الصراع السياسي وشراء مواقف المثقف أو المفكر لصالح النظام السياسي لتبييض صفحة النظام وإقناع الناس بالمنجزات العملاقة والقفزة الحضارية مقارنة مع الماضي وكأن اليمني لا يستحق أفضل مما هو كائن. وكم رأينا المثقف المعارض وبشدة للنظام كيف ينقلب لمؤيد وبشدة للنظام.

الصراع السياسي يحول الناس لمنحازين لأحد الأطراف وهذه كارثة حقيقية تجعلنا في دوامة لن نخرج منها.

علينا أن نركز على مشاكلنا الحقيقية، لا زلنا حتى اليوم نعاني من الأمية!

 لايزال اليمني يسافر خارج اليمن ويندهش ويتحسر على وضع بلاده، لايزال مئات اليمنيين يسافروا للعلاج بالخارج كأن اليمن بلد لا يستحق ممن يحكمه أن يبني فيه مستشفيات بمعايير دولية. وكل مسؤول يمني يسافر للعلاج خارج اليمن ولا يهتم بالمساهمة بتوفير مستشفى حقيقي لبقية أبناء اليمن.

علينا أن نؤسس لثقافة تحترم الآخر وتعترف أن له حق في الوجود،  أن نتعلم كيف نعترف بتعدد الألوان وتعدد الأذواق وقبول الآخر.  في الدول المتحضرة هناك قبول للآخر، تعددية، قبول للتغيير بشكل مستمر، نقد للأخطاء لكن عندنا ممنوع. فكما هناك مشكلة تقديس في الموضوع الديني وممنوع النقد أو إبداء رأي آخر، أيضا هناك تقديس لمن يحكم وممنوع الحديث عن الأخطاء التي ارتكبت، لهذا لا نتعلم من دروس التاريخ وتجارب غيرنا من الدول التي شهدنا كيف تغلبت على مشاكل الفقر والتبعية.

علينا أن نكون أكثر وعيا وأكثر فهما وأكثر جرأة، هل نملك هذه الجرأة لنعرف فالمعرفة قوة؟

تاريخ الجمهورية والنضال، تم تشويهه، وتشويه تاريخنا هو تشويه للذاكرة. لابد أن يكون لدينا اعتزاز بتاريخنا الحقيقي لا المزور. كانت هناك فترة في تاريخنا، فترة عزلة عن العالم وتخلف عن ركب العالم المعاصر، لكن هذا لا ينفي وجود أدب وفكر وفن وحياة جميلة للناس، لماذا الإصرار على صبغ كل شيء بالبشاعة والقبح، هذا التزوير المتعمد للماضي خلق تشوه يجعل من الصعب أن يكون هناك مستقبل سليم لمن تشوهت ذاكرته.

نحتاج أن نتعامل مع كل شيء بحجمه الحقيقي، نقول للخطأ خطأ، نزيل التشوهات، حتى تستقيم حياتنا ويستقيم فكرنا وحتى نتمكن من دخول أبواب العصر بثقة وعزة، وإلا سنبقى نعيش في التشويه والعرج الفكري غير السليم، وهذا ما يعاني منه أغلب أهل الفكر المشوه. لأنه فكر يعاني من عقد النقص لهذا يكذب ويزور ويشوه.  وكأننا نؤمن بإن الغاية تبرر الوسيلة.

الشعوب الحية تتجاوز العقبات بعد أن تفهم سبب تخلفها عن بقية الأمم، والتحدي الحقيقي أن نتجاوز بعد أن نستوعب كل المعوقات، ولا نظل عالقين عند فكرة النقد لمجرد النقد دون أن نعي الدرس، نحتاج أن نخرج من هذا الوضع الرهيب الذي سببناه لأنفسنا، وهذا يتطلب أن نبدأ بإعادة النظر في أهداف التعليم ومناهج التعليم وأساليب التعليم وأدواته الحديثة، وتعليم الطلاب في المدارس تاريخنا الحقيقي  بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات، نعطي فرصة للنقد في المدرسة نفسح المجال لقول هذا صح وهذا خطأ دون إملاءات وخوف، نحن نمارس في تعليمنا تسلط وإرهاب فكري وتعنت  لهذا نرى كل هذا العشق للتسلط والحكم الديكتاتوري بين الناس، لنكن صادقين مع أنفسنا ولنواجه كما قلت جذور مشاكلنا وأسبابها لأن معالجة الظواهر عمل غير سليم. 

ليس بأيدينا إيقاف الصراع بين القوى المتصارعة في اليمن، لكننا نستطيع المساهمة في تغيير أفكار الناس ورفع الوعي ومحاولة الحد من ثقافة العنف والكراهية، وهذا لن يتم إلا عبر التركيز على تطوير منظومة التعليم، التعليم العصري بمدرسة عصرية تمتلك كل وسائل العصر وأساليبه بعيدا عند طرق التدريس التقليدية التي أصبحت من الماضي في عالم اليوم.

من المؤسف أن يتورط أصحاب الفكر والثقافة في التحيز لأي طرف ضد طرف أو أطراف أخرى وهذا ما يساهم في إطالة أمد الصراع بدلا من كشف عورات أهل السياسة وسقوط أقنعتهم أمام الجميع، ومعرفة ومدى أنانيتهم وتمسكهم بمصالحهم الشخصية التي تتعارض مع مصلحة البلاد ومصلحة المواطن اليمني البسيط الذي يدعون أنهم يديرون الحرب لأجله. 

نستطيع المساهمة بإحداث تغيير حقيقي عبر رفع وعي الناس وإحياء مراكز محو الأمية وتشجيع الشباب للتطوع في ذلك العمل في الفترات المسائية والعطلات الصيفية وإنشاء مراكز ثقافية تهتم بالقراءة والتشجيع على نشر الثقافة النوعية التي لا تسخر من أحد ولا تحط من قدر ثقافتنا الشعبية، بل تعزز كل ما هو جيد فيها، لان الناس يتفاعلون مع ما يفيدهم وينفرون مما يمس عقائدهم وخصوصياتهم الثقافية. وعندما يرتفع وعي الناس سيرفضون أن يحكمهم من لا يحقق طموحاتهم ويرفع مستوى حياتهم بما يناسب العصر الذي يعيشونه.

بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 نشطت مراكز ثقافية متنوعة تابعة لعدد من السفارات العربية والأجنبية كانت تفيد المجتمع بالتدريب في مجالات تعلم الطباعة التي كانت مناسبة لتلك الفترة وتعلم اللغة الإنجليزية وأعمال السكرتارية واستعارة الكتب وعرض أفلام سينمائية، لكن للأسف الشديد أغلقت رغم أهميتها وحاجة الناس لها.  وعندما جاءت فترة ما أطلق عليها فترة الصحوة الإسلامية تعرض المجتمع لنكسة ثقافية كبيرة لأن كل شيء أصبح ممنوع، الفن والمسرح والسينما وحتى الأنشطة المدرسية.

قد يبدو هذا غريبا للبعض، لكن التغيير الثقافي للناس هو الذي يدخلهم العصر، هو الذي يقنعهم بأن القوانين جاءت لمصلحتهم ويمدهم بمهارات تناسب الزمن ويمحو الأمية الثقافية ويشجع حركات التطوع لخدمة المجتمع حتى لا يتجه الجميع للهروب إلى مجالس القات الذي للأسف شجعته الأنظمة السابقة لأن من مصلحتها أن يبقى الناس دون تغيير حتى تتنصل من مسؤولياتها الحقيقية.

المشوار طويل لكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة...وطريق العلم والمعرفة وتمكين الناس هو التحدي الحقيقي رغم صعوبته.


رواية رافيلا لعبد الكريم الشهاري

 

في رواية رافيلا للكاتب عبد الكريم الشهاري يختلط الخيال بالواقع ...
لا نستطيع أن نطلق عليها وصف رواية تاريخية لأن سرد الأحداث فيها يتم بطريقة مختلفة يتداخل فيها الحقيقي بالخيالي...
 
شخصيات من الواقع وأخرى لست بشرية تلعب دور في التأثير على أحداث التغيير.
تلك الشخصيات لها أهداف وتملك القدرة على تغيير واقع الناس...
 
ولأن كثير من أحداث تاريخنا يبدو كأنه اغرب من الخيال ويصعب تصديق أحداثه ففكرة أن يكون من تدبير الجن أو مخلوقات أسطورية تعيش في عالم مواز لعالمنا لكنها تملك القدرة على التنكر بهيئة البشر والاختلاط معهم لتحدث التغيير الذي تريده يكون مقنعا ...
خطر ببالي رواية المعلم ومارغريتا للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف.
هذه الرواية قبل أن تنشر حذف منها الكثير تقريبا 12% منها، بسبب تحفظات السلطة على ما جاء فيها كما حذف منها اللغة البذيئة والفظة.
والرواية الروسية تتحدث عن زيارة الشيطان لموسكو متنكرا بهيئة بشرية.
اعتبر النقاد أن الرواية تمثل هجاء لفترة حكم ستالين، ونقدا قاسيا للماركسية رغم التخفي الذي صنعه الكاتب واللجوء لشخصيات غريبة وعالم السحر الأسود لكن ما يخفيه الكاتب رأوه واضحا أمامهم أو هكذا خيل إليهم. 
 
وفي رواية رافيلا تظهر شخصيات ليست بشرية تتآمر ونسمع خططها التي تتعارض مع حياة البشر تحديدا في اليمن...فيختلط الواقع بالخيال ويكون الجزء الخاص بالشخصيات الخيالية هو الأكثر جذبا...
وتسلسل الأحداث يبدو فعلا كأنه من صنع الجن ومخلوقات أسطورية تعصف بكل شيء بالبلاد لينتج ما نراه ونعيشه.
 

 

كتاب: اليمن حقائق ووثائق عشتها 1962- 1974 الجزء الثاني - لسنان أبو لحوم

 

ما يميز كتاب: اليمن حقائق ووثائق عشتها 1962- 1974 الجزء الثاني، أنه معتمد فعلا على وثائق، رسائل بخط يد من راسلوا كاتب المذكرات...
المعلومات كثيرة في كتاب أفرد فصلا كاملا لكل عام من الأعوام الثلاثة عشرة التي يحتويها الكتاب بصفحاته ال 489...
إضافة إلى 311 صفحة للوثائق من برقيات ورسائل وهناك ملحق للصور ...
يقول في المقدمة إنه تحرى نقل الحقائق كما جاءت في الواقع بدون ميل أو تدخل وأيد كل واقعة بوثيقة يشير إليها...
كل من يكتب يساهم في توضيح جزء من الصورة خاصة من يحاول التزام شيء من الموضوعية، لأن القارئ سبجد أمامه أحداث تروى بحسب رأي الكاتب ومن زاويته....
يستطيع القارئ أن يحصي عدد الحكومات التي تشكلت في كل فترة ...
 
تجربة حكم بنظام جديد ...
هل نسميها ديمقراطية! رغم السجون والاعتقالات !!
على كل حال هي تجربة وليدة ... أخطاء وتعثر وهذا طبيعي...ولكن للأسف لم يتعلم أحد من أخطاء تلك المرحلة ...يبدو واضحا ألا أحد يهتم بالقراءة والتحليل ...
كل من يأتي يظن أنه فريد من نوعه ولا تجري عليه السنن...
الانقلابات في هذا الجزء سلمية ...
تغير السلال وجاء الإرياني وبعدهما جاء الحمدي كلها انقلابات سلمية ...
شخصيات تزعل وتحنق وتحتج وتعود للسلطة ...
 
هناك نقاط إيجابية لتلك الفترة كما جاء في الكتاب، فمثلا في عام 1971 :"هذه الفترة اتفقت مع بعض التجار على بناء عدد من المدارس على حسابهم"
يرصد سنان أبو لحوم المشاريع التي نفذت في محافظة أو لواء الحديدة لأنه كان في منصب المحافظ:
"
ومن أكبر المشاريع وأهمها، مستشفى الشهيد العلفي وبناء دار العجزة وإصلاحية الأحداث ومدينة العمال التي سلمنا الدفعة الأولى منها للمستفيدين من عمال الميناء في احتفال عيد العمال العالمي الأول من مايو عام 1974 بحضور الأخ رئيس المجلس الجمهوري وأعضاء المجلس الجمهوري ....."
في تلك السنوات كان الأهالي في كل منطقة مع التجار والمواطنين القادرين يساهموا في تمويل وإنجاز مشاريع مثل بناء المدارس، والجوامع ومستوصفات، وشق طرق ومشاريع مياه....
وفي العاصمة تشكلت لجنة لتحسين العاصمة لإن إمكانيات الحكومة محدودة فجاء المجهود الشعبي التعاوني لوضع خطط تعاونية لإصلاح الشوارع وعدد من المشاريع ...
الصراع على السلطة كان واضحا ...
فالاجواء متوترة وهناك اجتماعات لمحاولة حل النزاعات...
لكن دوما لا تنجح جهود المصالحة وتقريب وجهات النظر ...
ويظهر من يعمل بكل قوة لتغيير شخص من يحكم كأن ذلك التغيير سيحسم كل الخلافات ...
الخوف من أن الرئيس الإرياني يقرب الحركيين والبعثيين وغيرهم جعل المجموعة التي ترأسها الشيخ عبد الله تخشى على دستور البلد وكان الحل تغيير الرئيس...
 
ينتهي هذا الجزء عند بداية حكم الحمدي وهو حكم لا يختلف عما سبق كما يفهم القارئ...لأن كل شيء بقي بيد الحاكم ...كل كبيرة وصغيرة حتى الحصول على ترخيص لإصدار صحيفة تحتاج أن يوافق على الطلب رئيس مجلس القيادة مع توجيه لوزير الإعلام:
" لا مانع، على أساس الالتزام بسياسة الدولة الاعلامية"
قراءة هذا الجزء يثير عدد من الاسئلة:
كانت تجربة الحكم في النظام الجمهوري جديدة وتحاول السير في الطريق الصحيح رغم أنها تخرج عن ذلك الطريق وتتعثر لكن ما الذي حدث فتوقف المسير للأمام؟
يبدو واضحا أن هناك من لم يستوعب أن البلد تتسع لكل الآراء دون خوف طالما هناك قانون يلتزم به الجميع ...
ولكن أين هذا القانون؟
لا يزال كل شخص يظن أنه القانون وأنه الوحيد من يعرف مصلحة الشعب وعلى الجميع الخضوع له دون نقاش....
نتائج كل المؤتمرات بصراحة رائعة ...لكنها بنود لم تنفذ حتى اليوم.
الكتاب يستحق القراءة لمن يهتم بتوسيع زاوية الرؤيه لما حدث ...
 

 

رواية اختفاء - هشام مطر

 

تدور رواية اختفاء لهشام مطر حول اختفاء الأب...
بطل الرواية نوري يعيش في المنفى مع والده، الذي يختفي ذات يوم في ظروف غامضة ...
كان المخطط أن يلتقوا لكن الأب لا يعود ويظهر خبر في الصحف عن اختطافه من قبل النظام السياسي في بلاده ليبيا ...
الرواية أعادتني لما حدث لوالدي مع نظام سياسي ديكتاتوري يختطف الناس ويغتالهم دون حسيب ولا رقيب ...
 
السرد في الرواية على لسان الأبن الذي لا يستوعب حقيقة وابعاد ما حدث ...
الجميل في الرواية أنها تأخذ القارئ في رحلة مؤثرة في عالم غامض، مملوء بالألم، والخوف، وتطرح أسئلة عميقة عن معنى الوطن والانتماء والهوية ...
تتطرق لأثر الغياب المفاجئ للأب على حياة الأبن ...
 
لا وجود لتحليل سياسي لأن الراوي هو الأبن الذي لم يفهم سبب موت الأم ...
ولم يستوعب سبب اختفاء الأب بتلك الطريقة ...
حصلت الرواية على جائزة دبلن الأدبية ، فهي رواية تثير التفكير وتترك أثرا عميقا في النفس...
 
الرواية كما صرح مؤلفها ليست سيرة ذاتية بل عمل أدبي خالص يقدم رؤية فنية عميقة...
بكل تأكيد هشام مطر استمد الكثير من تجربته الشخصية لأنه لاجئ ليبي عاش في المنفى بعد تغير النظام في بلاده...
وكان والده معروف بانتقاداته للنظام الليبي ...
وقام النظام الليبي باختطاف والده ولم يعد ...
فالرواية إذا عمل أدبي ولم يعتمد الكاتب فيها على سرد قصته الشخصية بل يبدو واضحا أنه قدم عمل فني تجاوز فيه تجربته الفردية...
 

 

يوليسيس الجزء الرابع - جيمس جويس

 

انتهيت من قراءة ملحمة القرن العشرين كما جاء في غلافها الخلفي ...
جاء أيضا أن هذه الرواية امتحانا لقدرات القارئ على الصبر والجلد، فهل هذا صحيح !!!
في هذا الجزء الرابع والأخير حسب هذه الطباعة هناك الحلقات الثلاث أو الفصول الثلاثة...
الحلقة السادسة عشرة بلا عنوان.. حدث من قبل في الجزء الثاني أن غير المترجم عنوان الحلقة هنا لم اتأكد ...
الكاتب تقريبا يختار لكل فصل أسلوب سرد مختلف...هنا يستخدم أسلوب السرد القديم .
تدور الأحداث الساعة الواحدة صباحا، حول بلوم وستيفن الذي يلتقيان ويصطحب بلوم ستيفن لبيته...
وكالعادة سندخل ذهن بلوم ونعيش مع أفكاره ونعرف حتى عناوين الجرائد لذلك اليوم...وكذلك أفكار ستيفن فهو تارة يفكر بالكاتب المسرحي النرويجي إبسن وتارة يتذكر أبيات من أغنية لمسرحية تاجر البندقية واختيارات من الكتاب المقدس وأسماء عازفين وقادة موسيقيين...ومخترعين وعلماء فيزياء...
ونتعرف على أماكن بإيرلندا ...إشارات لعادات الكاثوليك بتحريم اكل اللحوم في أيام محددة .
تخليد للطب الشعبي ..تساؤلات ..إشارات لأغاني وقصائد وروايات أساطير وحكايات شعبية ...ومقاطع يشير المترجم لكتابتها بلغات أخرى: الروسية ...الإيطالية...الفرنسية، الإسبانية ...اللاتينية ...الألمانية
الإشارة لشركات تجارية ومعالم للمدينة ...ومطاعم وحانات، وحكايات عن الجوع الكبير بإيرلندا.
بعض الجمل تحوير لجمل في مسرحيات أو أغنيات شهيرة أو مقاطع من الكتاب المقدس.
هنا يفهم القارئ معنى أن يقرأ بهدوء وصبر ...لأن كل سطر يحيله لشيء آخر ...معلومات تاريخية أو أدبية.
 
اقتباسات:
"حيثما تكن الحياة الطيبة يكن وطني"
"كل إنسان يحصل على نصيبه من الحظ، كذا يقولون"
"الناس لا يعرفون حدودهم أبدا "
"لو أن كل بلد ، كما يقولون، وبلدنا التعيس من بينها، لديه الحكومة التي يستحقها"
"إذا نظرنا إلى الخلف الآن بطريقة تراجعية تدريجية فكل شيء يبدو حلما من نوع ما، والعودة بعد ذلك هي أسوأ شيء قمت به إطلاقا ومن نافلة القول إن السبب أنك ستشعر بأن وضعك غير صحيح لأننا نتغير مع تغير الزمن"
 
الحلقة السابعة عشرة تحمل عنوان إيثاكة والزمن الساعة الثانية صباحا.
يستخدم الكاتب أسلوب غريب ...أسلوب السؤال والجواب.
نعم ، فهذه الرواية عجائبها لا تنتهي ...
يشعر القارئ كأنه في المدرسة ومعلم لخص له الموضوع على هيئة أو بأسلوب سؤال وتأتي بعده الإجابة...
 
على سبيل المثال:
"مالذي يفكر به الرجلان؟
موسيقى، أدب، إيرلندا، دبلن، باريس، صداقة، امرأة، دعارة، تأثير الضوء، الغازي أو ضوء قوس المصابيح، في نمو النباتات المراقبة للشمس المتجاورة، صناديق الطوارئ المكشوفة لجمع النفايات، الكنيسة الكاثوليكية، التعزب الكهني، الشعب الإيرلندي، التعليم اليسوعي، الوظائف، دراسة الطب، اليوم الفائت، التأثير الآثم ليوم ما قبل العبادة ، انهيار ستيفن الصحي"
فصل من رواية بأسلوب السؤال والجواب!!
ويعرض جدول أو صف الميزانية ليوم 16يونيو 1904، فيتعرف القارئ ماذا أنفق بلوم في هذا اليوم بجدول المصروف والوارد...
وهذا يعزز من قناعتي بأن الرواية نوع من التوثيق لحياة شخص يعيش في مدينة دبلن في ذلك اليوم بكل تفصيلات اليوم ... وتوثيق لتاريخ المدينة وأهم مبدعيها وثقافة أهل البلد...في هذا الفصل الأسئلة تدور حول الحياة في المدينة والأسعار والصناعة ومشاريع المياه وغيرها من التفصيلات...التي تصل لمدينة القدس المباركة ومسجد عمر وبوابة دمشق ..."والمزمور: على أنهار بابل هناك جلسنا. بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون" والذي دفعني للبحث عن أغنية فرقة بوني إم التي غنت هذه الكلمات...
 
الحلقة السابعة عشرة التي تحمل عنوان بنلوب، هي مسك الختام.
هنا يشير الكاتب للوقت بلا ...فلا وقت هنا.
زوجة بلوم هي الراوي هنا، والسرد يأخذ شكل المناجاة...مناجاة أنثى كما أطلق عليها الكاتب... ثمان جمل ممتدة بلا تناسق ولا وجود للفواصل أو النقاط.
خلال 17 فصل كان الراوي رجل ، هنا أفسح المجال لصوت المرأة ، سنسمع رأي مختلف وربما مناقض للصورة التي تكونت لبلوم ...
هل خانت موللي زوجها فعلا ؟
شخصية موللي تبدو معقدة وأظن أن جويس ترك للقارئ حرية تفسير ذكريات موللي وأحاسيسها ...فالاتهامات تطال الزوج حسب رأيها ...وهي تعبر عن رغبات وأحاسيس وشعور بالغضب من تصرفات الزوج...
"كلهم يكتبون عن إحدى النساء في شعرهم"
الأسلوب هنا سلس ومختلف عن الفصول السابقة ...
 
في هذا الفصل يشير المترجم في الهامش بعد أن وضع كلمة ديوث التي يرى أنها وصف مناسب لزوج موللي...
لكنه في الهامش يوضح:
"ذكرت موللي خطأ الكلمة الإسبانية Coronado وهي تعني Cornudo"
توقفت عند تعبير المترجم أنها ذكرت خطأ، كيف ذكرت خطأ والكاتب جيمس جويس من النوع الذي يدقق كثيرا قبل اختيار أي كلمة...
المترجم هنا أدخل تعديل في صلب الجملة لأنه يظن أن موللي ترى زوجها ديوث لا يغار ...لكن الكلمة التي استخدمها الكاتب مما تعنيه: متوج ، مكلل أو شخص يتمتع بمرتبة عالية أو رجل دين تم ترسيمه... معنى مختلف تماما.
 
في الأخير: الرواية مختلفة، كل فصل له أسلوب سرد مختلف، يرصد الكاتب حركة بطل الرواية خلال يوم واحد حتى الثانية صباحا..
يجد القارئ نفسه غارقا في تفصيلات تربكه...
 
لكن لماذا بطل الرواية يهودي؟ هل هذا اختيار دون دلالة لكاتب يهتم بالمفردة ودلالاتها؟
هل يمثل بلوم رمز للهوية المعقدة ، والشعور بالغربة، فهو يهودي في إيرلندا الكاثوليكية... فجسد بلوم الصراع الداخلي الذي يريد الكاتب أن يعبر عنه!!!
هل أراد الكاتب أن يضيف بعد فلسفي حول الهوية والانتماء؟
 
الترجمة تساهم في صعوبة فهم النص ، أتفهم المجهود الذي بذله المترجم لكنه ساهم في تشتيت القارئ عندما يشير لأي أسم يمر فيقطع على القارئ محاولة الانسجام، ليجد المترجم يخبره أن هذه شخصية غير حقيقية فلا هويتها ولا أهميتها معروفة!!
 

 

يوليسيس الجزء الثاني

 

الجزء الثاني من يوليسيس يحتوي على ست فصول أو حلقات:
في وسط العاصمة الإيرلندية
الليستريغون
سيلا وخاربيدس
صخور التيه
عرائس البحر
السيكلوب
 
استغربت لماذا أول حلقة في هذا الجزء تحمل عنوان لا علاقة له بالأوديسة...
لكن اتضح أن هذا من عمل المترجم ، في النص الأصلي الحلقة تحمل عنوان إيلوس...
أحداث هذا الجزء تدور من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتى الخامسة عصرا...
الحوارات بين أشخاص الرواية تبدو طبيعية لأن الناس عادة في النقاشات يتحدثون هكذا ببساطة وينتقلون من موضوع لآخر ويستخدمون الايحاءات اللغوية والأمثال التي تكون مفهومة ومعروفة في مجتمعهم...
وجويس رسم الحوارات بطريقة جميلة وساخرة تفيض منها الشخصية الإيرلندية..
هناك نقد لمسرحيات شكسبير...
 
وعلى القارئ أن يفهم مشكلة ايرلندا ومطالب الحكم الذاتي والنفور من كل ما هو انجليزي ...فإيرلندا محتلة وإنجلترا دولة الاحتلال والغزاة...
لكن الكاتب يحير القارئ عندما يكون السرد بأسلوب المتحدث الأول ، من هو المتحدث؟
الرواية مزدحمة بأعمال كتاب وفلاسفة وعناوين كتب وروايات وقصائد وأشعار مشهورة ...
فهناك: غوته وشكسبير وأفلاطون وارسطو والمسيح...وأسماء آلهة من الأساطير الرومانية ...
الحديث عن الحرب ومصير الفقراء والجنود والبحارة ضحايا الحروب
إشارات إلى مقاطع في الإنجيل، ومسرحية ماكبث، ومسرحية الملك لير، دون كيخوته لسرفانتس...
واشارات للبروتستانتي المؤيد لإنجلترا عكس الكاثوليكي المؤيد لاستقلال ايرلندا...
أساطير اغربقية ونقاشات سقراط للوصول للحقيقة والروايات الشعبية الرخيصة وأفكار الفلاسفة الثيوصوفية...
وهناك أسماء الصحف المحلية ...
 
أما فصل : عرائس البحر فيغرق القارئ في الموسيقى عبر إشارات لمجموعة متنوعة من المقطوعات الموسيقية مثل الأغاني والأوبراء والأوبريت وأغاني الأطفال والمقطوعات الدينية والموسيقى السيمفونية...
إضافة إلى الاستخدام المتكرر للمصطلحات الموسيقية ...
وترتبط المنولوجات والمعزوفات بالمونولوجات الداخلية لأحد أبطال الرواية: بلوم ...
هذا الفصل يشبه مشهدا سينمائيا يظهر الشخصيات في حانة حيث يرتفع صوت الموسيقى وتختلط مع أفكار وتداعي ذاكرة الشخصيات... وهذيان وأحاديث غير مترابطة لسكارى.
الحلقة الأخيرة في هذا الجزء مزدحمة بتاريخ ايرلندا ومشاعر كراهية الإنجليز....
كل فصل أو حلقة تبدو قائمة بذاتها...بأسلوب مختلف ومواضيع مختلفة ...
 
هل تمرد جيمس جويس هنا على عناصر الرواية التقليدية؟
حتى يسهل على القارئ فهم الرواية يحتاج أن يكون صاحب ثقافة موسوعية ...
أو على الأقل يقرأ قبلها شيء من الأساطير الإغريقية والرومانية مثل الإلياذة والأوديسة والإنيادة ومسرحية هاملت والملك لير ...
ربما ينطبق عليها وصف: رواية نخبوية....
 

 

قراءة لرواية حب

 رواية حب للنرويجية هانة أورستافيك صنفت ضمن أهم الأعمال الأدبية النرويجية في أواخر القرن العشرين.

فصول الرواية لاتحمل عناوين ولا أرقام ...

تدور أحداث الرواية عبر 155 صفحة فقط ...حول الأن فيبيكة وابنها يون...خلال ليلة واحدة طويلة وبارده من ليالي الترويج الشتوية...

"كان يريد سؤالها عن عيد ميلاده، غدا سوف يبلغ التاسعة من عمره"

يون ينتظر يوم الغد ...ويفكر في كعكة عيد ميلاده التي ستعدها أمه...والهدية التي سيتلقاها ..

لكن لماذا لم يسألها؟ 

لماذا لانناقش ما يدور ببالنا مع من نحب؟

هل هناك حواجز ومخاوف تمنعنا !!!

"يتطلع إلى الثلج الموجود أمام النافذة ويفكر كيف تستطيع رقاقات صغيرة أن تصنع هذا الكم من الثلج"

وصف الثلج والبرد في الرواية أشعرني بالبرد...

"الحياة قصيرة جدا كي لا تبدو جميلة، فلنتحمل البرد، هكذا تفكر"


تشعر فيونيكة بالوحدة، تحتاج للحب والرعاية...

ويعيش يون منغمسا  بأحداث يصنعها خياله عن شخصيات فضائية وحروب ومواجهات مع تلك الشخصيات وعوالمها...

السرد في الرواية ينتقل بالتناوب بين أفكار الأم وأفكار ابنها دون فواصل ...فتارة نكون مع أفكار الأم وتارة مع الأبن ...

ورغم بعد المسافة بين أماكن تواجدهما لكن الراوي يشعرنا أنهما أقرب لبعضهما رغم ما يحدث...

كبر المسافة بينهما  وبرودة الجو تتضح من برودة علاقتهما ببعضهما...

ذلك الطقس البارد انعكس على علاقتهما...

الحب هو من يدفئ العلاقات ويربط الجسور بين القلوب ويدفع الحزن والشعور بالوحدة والمخاوف بعيدا ...

دون تعبير عن الحب تبرد العلاقات وتتجمد العواطف وتصبح الحياة لا تطاق...

الحب هو من يزين حياتنا ويملؤها بهجة . .

كم هو محزن أن يعيش الناس في غربة عن احبائهم...

يعيشون الوحدة والخوف والإهمال وخيبة الأمل رغم وجودهم مع من يحبون...

البحث عن الحب والاهتمام في الخارج  يمكن أن يجعل الإنسان عرضة لمخاطر لا حصر لها ...لكن الرواية تدور في مجتمع آمن لايشكل الغرباء فيه أي مصدر للقلق. .. 

ولأن الرواية مكتوبة بصيغة الفعل المضارع فذلك يعطي للقارئ الايحاء بأن الأحداث تجري الآن في هذه اللحظة فينغمس فيها ...

ينغمس الابن في أحلام اليقظة المألوفه في تلك السن، لكن يبدو أن الأم لم تصل لمرحلة النضج للعيش في الواقع ، فهي أيضا لاتزال تحلق في عالم الخيال بعيدا عن الواقع ومسؤولياته...

تقرأ ثلاثة كتب أو أربعة أو خمسة في الأسبوع كما قالت...فأين ابنها في دائرة اهتماماتها!!!

الرواية تبعث على الأسى،...

وتدعو القارئ للتوقف والتفكير ....



السرداب 37 - ذويزن الشرجبي:



الكتاب يقع في 527 صفحة تقريبا، ينجح الكاتب بشد انتباه القارئ من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة ...
مع إثارة عدد من الأسئلة حول أحداث المغامرة التي يعيشها بطل الرواية معاذ...
العمل يمكن أن يوصف بالكتابة الكابوسية وكأن البطل تعرض لكابوس غريب ...أحداث غامضة متلاحقة لا تسمح بالتقاط الأنفاس ...
هل حدثت تلك الأحداث فعلا أم كل ذلك خيال؟
يبدأ الفصل الأول ومعاذ يحاول فهم أين هو...كيف وصل لهذا المكان !!!
لتعود الأحداث في الصفحات التالية لليوم السابق لنجد معاذ يودع صديقه في الدراسة بأحد شوارع مدينة عدن على أن يلتقيا في اليوم التالي ...
في طريقه إلى البيت يحدث تبادل أطلاق للنار بأحد الشوارع ...
وفي محاولته للهروب يجد نفسه في جزء غريب من المدينة ...لتتسارع الأحداث ويفهم القارئ كيف تورط معاذ الذي يجد نفسه في مكان ما تحت مدينة عدن ...
يبرع الكاتب بلغة جميلة وقدرة عالية على الوصف بشد القارئ لمتابعة فصول الكتاب وتتبع ما يحدث لمعاذ الذي ما أن ينجو من ورطة حتى يقع بأخرى أكثر صعوبة ...
وهكذا تنتقل فصول الكتاب من حدث غامض لحدث أكثر غموضا...
يتوقف كل فصل عند نقطة مهمة فيتورط القارئ لمعرفة ما سيحدث...


الحبكة وطريقة سرد الأحداث تجعل من السهل رسم صورة للمكان والأحداث وكأن القارئ يشاهد أحداث أحد أفلام الخيال التي تحبس الأنفاس ...
أسلوب سرد الكاتب وقدرته على الوصف شدتني ووجدت نفسي أتابع بطل العمل الذي وجد نفسه بين مخلوقات غريبة في أنفاق وسراديب تحت مدينة عدن يحاول البحث عن مخرج والافلات من تلك المخلوقات المرعبة التي يكتشف أنهم ضحايا تجارب لطبيب مجنون ...
يعيش القارئ لحظات من الرعب والتوقع ويتمنى لمعاذ أن ينجو رغم كل تلك الصعوبات التي لا تنتهي ...


هل فعلا هناك سراديب تحت مدينة عدن أم أن كل تلك الأحداث من بنات أفكار كاتب يملك خيال واسع ؟ سؤال يقفز لذهن القارئ ...

 


 

طلاب الجامعات الأمريكية وحصار غزة

 الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية أعاد إلى ذهني حراك طلاب جامعة صنعاء في العام 2011، عام الربيع العربي.
هل هناك تشابه؟
عدد من الطلاب يتبنون قضية عادلة ويحملون شعارات وينادون بعبارات توضح موقفهم.
حراك سلمي، لا يتبنى وسائل العنف.
لكن هذا الحراك لايروق للسلطات بالجامعة، فيتم استدعاء قوات الشرطة التي تتعامل مع الطلاب بوحشية...
تلك الوحشية تفشل في إيقاف الحراك الطلابي لأن التعاطف معهم يمتد لجامعات أخرى، وعدد من أعضاء هيئة التدريس ينضمون لدعم الطلاب وحمايتهم.
من المدهش متابعة القضايا التي تثار والشعارات التي ينادون بها.
الحرية لغزة بعد مرور كل ذلك الزمن من يوم 7 أكتوبر، يعني أن الطلاب خرجوا بعد التفكير المتأني وفهم أن هناك ظلم حقيقي يقع يتابعونه بالصوت والصورة، بعد تجاوز كل مغالطات الإعلام الرسمي والخاص الذي يذيع ما يناسب مصالح القوى المسيطرة...
فهي إذا ليست حركة عاطفية متسرعة أو حركة تجد دعم من قوى سياسية مناهضة للحزب الحاكم...

 
ما يحدث هو إعادة نظر في كل سياسات أمريكا الدولة العظمى الراعية للديمقراطية في العالم من مبنى جامعة تتبنى نقاش شتى القضايا بحرية وتعود الطلاب على ذلك الجو من الحوار الحر في قاعاتها...
يكتشف الطلاب حجم الخداع، وهم طلاب جامعات مرموقة يعتمدون على المصادر الصحيحة والموثوقة للخبر...
يبدأ النبش في حقائق التاريخ، وحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي وحجم الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني...
تتشعب المواضيع للكشف عن تغلغل الصهيونية في المؤسسات الأمريكية في بلد يؤمن أفراده بأن بلدهم ديمقراطي وحر ليكتشفوا الفاجعة...
تبدأ حقائق الدور الإستعماري الأمريكي في العالم وحجم التدخل الأمريكي في قمع الحريات ودعم الديكتاتوريات وحجم الخداع الإعلامي الأمريكي للشعب الأمريكي ...
تتساقط أكذوبة العداء للسامية عندما ينضم اليهود ويؤكدون أنهم ضد الظلم ولا يسعدهم أن تتكرر مذابح ومجازر كالتي حدثت سابقا على أيدي النازية ...
المواطن الأمريكي الذي يظن أن بلده هي الأفضل لأنها بلد الحريات والديمقراطية والتعايش مع الجميع يكتشف أن كل ذلك خداع فالطالب الأمريكي الذي يرفع صوته ضد الظلم ستأتي القوات الخاصة لتكبيله والتعامل معه بقسوة وعنف ويكتشف أن الفرق بين بلده وأي بلد ديكتاتوري من دول العالم الثالث يضيع ويتلاشى...
من متابعة ما يحدث وينشر نجد الفرق بين حراك في عالم يؤمن بالعلم والفكر والبحث العلمي ..حيث التفكير العقلاني الذي يستند لحقائق وقيم وليس مندفعا متسرعا عاطفيا يمكن تحويل مساره بخطاب عاطفي خاصة الخطاب الديني الذي يلغي أي تفكير حر ويتم السيطرة على أفكار من خرجوا بتغيير أهدافهم دون أن يدركوا ذلك ويتم توجيه كل مشاعر الغضب والإحباط تجاه شخصيات معينة، شخصنة الوضع فيصبح عفاش مثلا ومن قبل الإمام الكهنوتي، هو الهدف، فتلصق به كل العيوب ويصبح الهدف الأسمى هو الخلاص منه فحسب...
يضيع الهدف الذي يسعى لوقف الظلم والطغيان وإحلال العدل ويصبح الهدف التخلص من ذلك البعبع الطاغية المتخلف...
وتبدأ تنسج الأحلام بالعالم المثالي الذي سيتحقق بعد الإطاحة بالطاغية ويأتي النظام البديل العادل ...
أصوات سقوط النظام تحصر النظام بالحاكم وأعوانه فهم النظام وهم الظلم والتخلف، ويكتشف الناس بعد سنوات أن ما خرجوا لأجله لم يحدث لكن لا يسمح لهم بالتعبير عن ذلك لأن من يتجرأ على نقد أوضاع الظلم والتخلف الجديدة سيتهم بالخيانة والعمالة وقد يختفي من الحياة ببساطة.
لكن ما يحدث هناك في أمريكا مختلف.
مختلف بحجم الدور الذي تقوم به الجامعات ويقوم به التعليم في الأساس...
وهو الدور المفقود عندنا..

 
ما يحدث اليوم في أمريكا هو خطوة أولى لتغيير كبير قادم، تغيير سيتم على أيدي من يعلمون أن التغيير لايتم بين ليلة وضحاها، تغيير يبدأ على ايدي جيل وينتقل لجيل آخر يملك الصبر والشجاعة على قيادة التغيير الذي سيحرر النظام من كل قيود الأسر لأي جهات تملك مصالح في بلد يرفض غالبيته أن يجد المواطن نفسه ممنوع من التعبير عن رأيه ...
يرى قيم الديمقراطية تنتهكك...يعيش قيم المواطنة واقعا لا بخياله ويرفض بقوة أن يحرم منها مهما كانت الأسباب ...
فالوقوف مع غزة المحاصرة هو وقوف مع قيم الحرية والحق بالحياة العادلة... أي هي قيم لا تقبل النقاش ولا المغالطة والتمييع ولا ذلك النوع من الترهيب عبر مصلحة عليا للوطن وغيرها من الخزعبلات ...
مواطن يجد من حقه أن يسأل الحكومة أين تذهب أموال الضرائب التي يدفعها ويقال له أنها تذهب لدعم قيم الحرية والديمقراطية في العالم ...
الشعب المتعلم تعليم حقيقي يصعب مغالطته بعد أن يكتشف الزيف والخداع ولا يخضع للقوة القاهرة للحكومة التي يؤمن أن دورها حمايته وتحقيق أهدافه وليس أهداف ومصلحة طبقة الحكم ورفاقها..
الأمر ليس سهلا ..
فالحياة صراع دائم ...